غزو جرينلاند: كيف قررت أمريكا كسر الناتو واحتلال جزيرة حليف باسم الأمن القومي؟
جرينلاند… اليوم الذي قررت فيه أمريكا أن الأرض أهم من التحالفات
في 6 يناير 2026، هزّ تصريح صادم لدونالد ترامب النظام العالمي: جرينلاند أصبحت أولوية للأمن القومي الأمريكي، واستخدام القوة خيار مطروح.
هذا المقال التحليلي يكشف كيف تحولت فكرة “شراء جرينلاند” إلى عقيدة عسكرية، ولماذا أصبح القطب الشمالي ساحة حرب وجودية، ودور قاعدة بيتوفيك السرية، وسيناريو السيطرة خلال 48 ساعة، ومأزق الدنمارك، ومفارقة المادة الخامسة التي قد تعني النهاية العملية لحلف الناتو.
تحليل سياسي عميق يربط بين الجغرافيا، السلاح، وانهيار التحالفات، ويطرح السؤال الأخطر: هل حماية الأمن القومي الأمريكي تعني تفكيك النظام العالمي؟
كيف تحوّلت فكرة شراء جزيرة إلى عقيدة غزو تهدد الناتو والنظام العالمي
لم يكن صباح السادس من يناير 2026 صباحًا عاديًا في السياسة الدولية.
لم تكن الكلمات التي خرجت من فم دونالد ترامب مجرد تصريح انتخابي، ولا حتى مناورة ضغط دبلوماسي معتادة. حين وقف الرئيس الأمريكي السابق – العائد إلى المشهد – أمام الكاميرات، وقال بوضوح بارد إن جرينلاند أولوية للأمن القومي الأمريكي، وإن استخدام القوة مطروح، كانت تلك لحظة انكسار تاريخي.
ليس لأن أمريكا هدّدت بالسيطرة على أرض جديدة، فهذا تاريخها الممتد، بل لأن التهديد هذه المرة موجّه لحليف داخل حلف الناتو، ولأن المسرح هو القطب الشمالي، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الفيزياء، وتنهار القواعد القديمة للحرب والتحالف.
هذه ليست قصة جزيرة جليدية نائية.
هذه قصة تحوّل في العقل الاستراتيجي الأمريكي، من إدارة النفوذ عبر التحالفات، إلى إدارة الأمن عبر السيطرة المباشرة على الجغرافيا الحيوية، مهما كان الثمن السياسي.
من “نشتريها” إلى “نأخذها”: كيف تغيّرت عقيدة واشنطن تجاه جرينلاند؟
حين طرح ترامب لأول مرة فكرة “شراء جرينلاند” عام 2019، سُخر منه في العواصم الأوروبية. بدا الأمر حينها كأنه نزوة ملياردير يرى العالم عقارات. لكن ما لم يُفهم وقتها أن الفكرة لم تكن اقتصادية، بل أمنية بحتة.
جرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، ليست مجرد كتلة جليد. هي نقطة ارتكاز استراتيجية تتحكم في:
- ممرات الصواريخ الباليستية العابرة للقطب.
- منظومات الإنذار المبكر ضد روسيا والصين.
- طرق الملاحة الجديدة التي فتحها ذوبان الجليد.
- ثروات معدنية نادرة تدخل في صناعة الرقائق والأسلحة المتقدمة.
ومع تسارع ذوبان الجليد، تحولت الجزيرة من هامش جغرافي إلى قلب صراع القرن الحادي والعشرين.
واشنطن أدركت مبكرًا أن ترك هذه النقطة الحساسة تحت سيادة دولة صغيرة مثل الدنمارك – وبلا قدرة عسكرية حقيقية – هو مخاطرة وجودية.
تقارير أمريكية رسمية، مثل تلك الصادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS، تحدثت صراحة عن أن القطب الشمالي سيصبح “أخطر مسرح تنافسي خلال العقدين القادمين”
https://www.csis.org/arctic-security
القطب الشمالي: لماذا أصبح ساحة حرب وجودية لأمريكا؟
لفهم اندفاع واشنطن نحو جرينلاند، يجب الخروج من منطق السياسة التقليدية، والدخول إلى منطق الفيزياء العسكرية.
الصواريخ فرط الصوتية الروسية والصينية لا تسلك المسارات التقليدية فوق الأطلسي.
إنها تمر عبر القطب الشمالي.
وهذا يعني أن أي تأخير في الإنذار المبكر = نهاية مدن أمريكية خلال دقائق.
هنا يظهر دور جرينلاند، وتحديدًا قاعدة بيتوفيك (Thule سابقًا)، التي تستضيف:
- رادارات الإنذار المبكر BMEWS.
- عناصر من منظومة الدفاع الصاروخي.
- محطات تتبع الأقمار الصناعية العسكرية.
البنتاجون يعتبر أن من يسيطر على جرينلاند، يسيطر فعليًا على السماء الشمالية لأمريكا.
هذا ليس رأيًا سياسيًا، بل استنتاجًا واردًا في وثائق وزارة الدفاع الأمريكية نفسها.
https://www.defense.gov/News/News-Stories/Article/Article/Arctic-Strategy
قاعدة بيتوفيك: حصان طروادة الأمريكي داخل السيادة الدنماركية
رغم أن جرينلاند تتبع رسميًا مملكة الدنمارك، فإن الواقع يقول إن أمريكا موجودة هناك عسكريًا منذ الحرب الباردة.
قاعدة بيتوفيك ليست مجرد قاعدة، بل نقطة ارتكاز أمريكية كاملة السيادة عمليًا.
الدنمارك لا تتحكم في طبيعة التسليح داخل القاعدة.
ولا في عدد القوات.
ولا في المهام التي تُدار منها.
ومع ذلك، فإن هذا الوجود تم دائمًا تحت مظلة “التعاون داخل الناتو”.
الجديد في خطاب ترامب هو نزع هذه المظلة بالكامل، وتحويل الوجود الأمريكي من شراكة إلى حق مكتسب بالقوة إذا لزم الأمر.
وهنا تظهر المفارقة:
أمريكا لا تحتاج لغزو جرينلاند عسكريًا بالمعنى التقليدي.
هي موجودة بالفعل.
كل ما تحتاجه هو قرار سياسي بإعادة تعريف الوجود.
سيناريو الـ48 ساعة: كيف يمكن احتلال جرينلاند بلا حرب؟
أكثر ما أخاف الأوروبيين لم يكن التهديد نفسه، بل سهولة تنفيذه.
تحليلات مراكز أبحاث مثل RAND Corporation تشير إلى أن السيطرة الكاملة على جرينلاند يمكن أن تتم خلال 48 ساعة، دون إطلاق رصاصة واحدة، عبر:
- إعلان أمريكي بأن الجزيرة منطقة أمن قومي.
- فرض سيطرة إدارية على الموانئ والمطارات.
- تحييد الحكومة المحلية عبر ضغط اقتصادي.
- تقديم الأمر كإجراء “مؤقت” لحماية الغرب.
https://www.rand.org/pubs/research_reports/RRA1000.html
الدنمارك لا تمتلك قوة ردع.
والناتو سيجد نفسه مشلولًا بسبب المادة الخامسة.
مفارقة المادة الخامسة: هل الناتو مات إكلينيكيًا؟
المادة الخامسة من ميثاق الناتو تنص على أن أي اعتداء على عضو هو اعتداء على الجميع.
لكن ماذا لو كان المعتدي هو أقوى عضو في الحلف؟
هل ستعلن فرنسا الحرب على أمريكا؟
هل سترسل ألمانيا قوات ضد واشنطن؟
الواقع يقول إن الناتو غير مصمم للتعامل مع هذا السيناريو.
تصريحات سابقة لمسؤولين أوروبيين – مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حين وصف الناتو بـ”الميت دماغيًا” – تبدو اليوم نبوءة أكثر منها نقدًا سياسيًا.
https://www.economist.com/europe/2019/11/07/emmanuel-macron-says-nato-is-brain-dead
جرينلاند قد لا تكون سبب موت الناتو، لكنها ستكون شهادة الوفاة الرسمية.
العالم بعد جرينلاند: عودة زمن مناطق النفوذ
إذا نجحت أمريكا في فرض سيطرتها على جرينلاند، فإن الرسالة للعالم ستكون واضحة:
التحالفات لم تعد مقدسة… والجغرافيا عادت لتكون أساس القوة.
روسيا ستتعامل مع أوكرانيا والقطب الشمالي بثقة أكبر.
الصين ستعيد النظر في تايوان وبحر الصين الجنوبي.
والدول المتوسطة ستفهم أن القانون الدولي مجرد أداة ظرفية.
هذا ليس انهيار نظام عالمي، بل عودة إلى نظام أقدم وأقسى:
نظام مناطق النفوذ الصلبة.
الأمن المطلق… الطريق الأسرع إلى الفوضى الشاملة
ترامب لا يرى نفسه مفككًا للنظام العالمي، بل حاميًا للأمن الأمريكي.
لكن التاريخ يعلمنا أن السعي للأمن المطلق ينتج فوضى مطلقة.
جرينلاند ليست مجرد جزيرة.
إنها اختبار أخلاقي واستراتيجي للعالم كله:
- هل ما زالت التحالفات قادرة على كبح القوة؟
- أم أننا عدنا إلى منطق الإمبراطوريات؟
- وهل القرن الحادي والعشرين سيكون قرن القانون… أم قرن الجليد والسلاح؟
ختامًا
اليوم الذي قالت فيه أمريكا إن الأرض أهم من التحالفات،
قد يكون اليوم الذي بدأ فيه العد التنازلي لنظام عالمي عرفناه منذ 1945.
إقرأ أيضًا :
هل ينهار دونالد ترامب صحيًا قبل الانتخابات؟ أسرار الحوار الأخطر الذي أعاد سؤال سقوط ترامب بقوة
اعتراف إسرائيل بصوماليلاند: ميناء عسكري لإثيوبيا يقترب من قناة السويس ويشعل صراع البحر الأحمر .

تعليقات
إرسال تعليق