فنزويلا دون معارك: القصة الخفية لاختفاء مادورو وخيانة النخبة الحاكمة
فنزويلا بين الاختطاف والاختراق: هل سقط مادورو بتفاهمات داخلية أم بقبضة أمريكية ناعمة؟
مدخل: رواية تهزّ منطق الصراع التقليدي
في واحدة من أكثر الروايات السياسية إثارة للجدل في أمريكا اللاتينية، طُرحت فرضية غير تقليدية حول ما وُصف إعلاميًا بـ"اختفاء" أو "تحييد" الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. رواية لا تتحدث عن اجتياح عسكري أمريكي كلاسيكي، ولا عن انقلاب دموي تقوده المعارضة، بل عن عملية مركّبة، هادئة، جرت بأقل قدر من الضجيج، وبأكبر قدر من الاختراق من داخل بنية الحكم نفسها. رواية تقول إن واشنطن لم تنتصر بقوة النار، بل بقوة المعلومات، وإن السقوط – إن صح التعبير – بدأ من الداخل قبل أن يُستكمل من الخارج.
هذه القراءة لا تُقدَّم بوصفها حقيقة مثبتة، بل باعتبارها تحليلًا سياسيًا إعلاميًا يستند إلى سلسلة مؤشرات وتسريبات وتقارير صحفية غربية، وإلى منطق الأسئلة التي يفرضها ما لم يحدث بقدر ما يفرضه ما حدث.
سؤال البداية: لماذا لم تنفجر فنزويلا؟
المنطق البسيط يقول إن أي عملية تستهدف رأس السلطة في دولة مثل فنزويلا، ذات التاريخ الانقلابي، والاصطفاف الحاد، والجيش المسيس، لا يمكن أن تمر دون ثمن باهظ. كان يُفترض أن نشهد انفجارًا شعبيًا، أو اشتباكات داخل العاصمة كاراكاس، أو على الأقل مقاومة منظمة من وحدات الجيش الموالية لمادورو. لكن ما حدث – وفق الرواية المطروحة – كان أقرب إلى الفراغ.
لم تُسجَّل معارك كبرى، ولم تظهر صور لمجازر، ولم يخرج الشارع الفنزويلي بالملايين، لا غضبًا ولا دفاعًا. هذا الغياب الصارخ للتفاعل الشعبي والعسكري فتح الباب أمام تساؤل مركزي: هل كانت هناك تسهيلات داخلية جعلت العملية تمر بلا صدام؟
فرضية الاختراق من القصر الرئاسي
واحدة من أخطر النقاط التي تطرقتها الحلقة التحليلية هي ما تداولته وسائل إعلام أمريكية عن وجود مصدر استخباراتي رفيع داخل القصر الرئاسي الفنزويلي. الحديث هنا لا يدور عن موظف ثانوي أو عنصر أمن هامشي، بل عن شخصية قريبة من دائرة القرار، قادرة على نقل معلومات دقيقة حول تحركات مادورو، وجدول أعماله، وترتيبات حمايته.
في الأنظمة المغلقة، لا تسقط الرؤوس الكبيرة إلا إذا تآكلت الحلقات الداخلية. فالرئيس لا يُراقَب من الخارج فقط، بل يُحمى – أو يُكشف – من الداخل. وهنا تصبح الخيانة، إن صحت الرواية، أكثر فاعلية من أي صاروخ.
لماذا لم تُفعَّل الدفاعات الجوية؟
من بين المؤشرات التي تتوقف عندها الرواية مسألة عدم إسقاط أي طائرات أمريكية، رغم امتلاك فنزويلا لمنظومات دفاع جوي متقدمة نسبيًا، بعضها روسي الصنع. في سيناريو مواجهة مباشرة، كان تفعيل هذه المنظومات أمرًا شبه حتمي، ليس فقط لأسباب عسكرية، بل رمزية أيضًا.
غياب هذا التفعيل يطرح احتمالين: إما عجز تقني مفاجئ، وهو احتمال ضعيف، أو قرار سياسي – أمني بعدم المواجهة. القرار الثاني لا يمكن أن يُتخذ إلا من داخل منظومة القيادة نفسها.
الجنود الكوبيون… ضحايا الحليف لا النظام
تلفت الرواية النظر إلى نقطة شديدة الحساسية: عدد القتلى من الجنود الكوبيين كان – بحسب بعض التقارير – أعلى من عدد القتلى في صفوف الجيش الفنزويلي. هذا التفصيل، إن صح، يحمل دلالة عميقة.
الوجود الكوبي في فنزويلا لطالما كان مرتبطًا بحماية النظام، خاصة في المجالات الأمنية والاستخباراتية. فإذا كان من دفع الثمن الأكبر هم الحلفاء الأجانب، لا القوات المحلية، فإن ذلك يعزز فرضية أن جزءًا من المؤسسة الفنزويلية اختار الوقوف على الحياد، أو فتح الممرات، بدلًا من القتال.
قطر: قناة الظل بين كاراكاس وواشنطن
تنتقل الرواية إلى دور إقليمي غير متوقع: قطر. وفقًا لتقارير صحفية غربية، لعبت الدوحة دور قناة دبلوماسية مفتوحة بين الولايات المتحدة وفنزويلا، مستفيدة من علاقاتها الجيدة مع الطرفين، خصوصًا في ملف الطاقة.
قطر، التي تمتلك خبرة طويلة في لعب أدوار الوسيط الصامت، وفّرت – بحسب هذه التقارير – مساحة للقاءات غير معلنة، بعيدًا عن الضغوط الإعلامية، وبعيدًا عن صخب العداء العلني بين واشنطن وكاراكاس.
ديلسي رودريغيز: الشخصية الأكثر إثارة للجدل.
في قلب هذه الرواية تقف ديلسي رودريغيز، نائبة الرئيس ووزيرة النفط، واحدة من أقوى الشخصيات في النظام الفنزويلي. بعض الصحف الغربية ذهبت بعيدًا في اتهاماتها، معتبرة أنها لعبت دورًا محوريًا في التواصل مع الجانب الأمريكي خلال لقاءات عُقدت في قطر.
الرواية لا تقول إن رودريغيز كانت عميلة بالمعنى التقليدي، بل تطرح سيناريو أكثر تعقيدًا: انفتاح براغماتي على فكرة إزاحة مادورو مقابل الحفاظ على بنية النظام، وضمان انتقال هادئ للسلطة، وتخفيف العقوبات، وإعادة فتح سوق النفط أمام الشركات الأمريكية.
تغيير الخطاب: من التصعيد إلى التهدئة
أحد أكثر المؤشرات التي تستند إليها هذه القراءة هو التغير الملحوظ في خطاب ديلسي رودريغيز بعد غياب مادورو عن المشهد. في البداية، صدرت تصريحات هجومية حادة ضد الولايات المتحدة، وكأنها محاولة لامتصاص الغضب الداخلي وطمأنة القاعدة الموالية.
لكن سرعان ما تحوّل الخطاب إلى نبرة أكثر تصالحًا، تتحدث عن الحوار، والانفتاح الاقتصادي، وتحسين العلاقات الدولية. هذا التحول السريع يُقرأ، في سياق الرواية، باعتباره إشارة إلى تفاهمات مسبقة، لا إلى مراجعة مفاجئة.
لماذا فضّلت واشنطن النخبة الحاكمة؟
تاريخيًا، دعمت الولايات المتحدة المعارضة الفنزويلية، لكنها فشلت في إيصالها إلى الحكم. المعارضة بدت منقسمة، ضعيفة، وغير قادرة على إدارة دولة تعاني من انهيار اقتصادي ومؤسساتي.
وفق الرواية المطروحة، غيّرت واشنطن استراتيجيتها. بدلًا من الرهان على الشارع والمعارضة، قررت التفاهم مع جزء من النخبة الحاكمة نفسها. الهدف: ضمان استمرارية الدولة، وتجنب حرب أهلية، وتأمين المصالح الاقتصادية، وعلى رأسها النفط.
النفط: الجائزة الكبرى
لا يمكن فهم أي تحرك أمريكي في فنزويلا دون وضع النفط في قلب التحليل. فنزويلا تمتلك واحدًا من أكبر احتياطيات النفط في العالم، لكنها بقيت معطلة بفعل العقوبات وسوء الإدارة.
التفاهم مع القيادة القائمة، أو جزء منها، يفتح الباب أمام عودة الشركات الأمريكية، وضخ الاستثمارات، وإعادة دمج فنزويلا في سوق الطاقة العالمي، دون الحاجة إلى تدخل عسكري مكلف وغير مضمون النتائج.
نموذج جديد لإدارة الصراعات
ما تعكسه هذه الرواية – سواء اتفقنا معها أم لا – هو تحول في طريقة إدارة الصراعات الدولية. لم تعد الدبابات شرطًا لإسقاط الأنظمة، ولم يعد القصف الجوي هو الأداة الأولى. الاختراق الاستخباراتي، والتفاهم مع النخب، واستخدام الاقتصاد كسلاح، باتت أدوات أكثر فاعلية وأقل كلفة.
بين الحقيقة والتحليل: ماذا نعرف حقًا؟
من المهم التأكيد أن هذه القراءة تندرج ضمن التحليل السياسي، لا ضمن الحقائق القضائية المثبتة. كثير من عناصرها يعتمد على تقارير صحفية، وتسريبات، وقراءات في السلوك السياسي، لا على وثائق رسمية معلنة.
لكنها، في الوقت ذاته، تطرح أسئلة يصعب تجاهلها، وتفتح نقاشًا أوسع حول طبيعة السلطة، والخيانة، والبراغماتية، في عالم لم يعد يُدار بالشعارات وحدها.
المصادر والتحليلات الغربية التي استندت إليها الرواية
تعتمد هذه القراءة التحليلية على ما راكمته الصحافة الغربية ومراكز التفكير من تقارير وتسريبات وتحليلات حول فنزويلا خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ما يتعلق بطبيعة العلاقة بين واشنطن والنخبة الحاكمة في كاراكاس، وحدود الصراع الحقيقي بين الطرفين. ورغم أن كثيرًا من هذه المواد لا يقدّم أدلة قاطعة، فإن تراكمها يكوّن إطارًا تفسيريًا يسمح بطرح فرضية الاختراق والتفاهم من داخل النظام.
من بين أبرز هذه المصادر:
– The Guardian: نشرت الصحيفة البريطانية عدة تقارير تحليلية حول فشل محاولات إسقاط مادورو عبر المعارضة التقليدية، وتحول واشنطن نحو مقاربة أكثر براغماتية تركز على النفط واستقرار المؤسسات بدل تغيير النظام بالقوة. كما تناولت دور الوسطاء الإقليميين في فتح قنوات خلفية للحوار. https://www.theguardian.com/world/venezuela
– The New York Times: قدّمت الصحيفة الأمريكية تحقيقات موسعة عن الانقسامات داخل النظام الفنزويلي، وعن وجود قنوات اتصال غير معلنة بين مسؤولين فنزويليين وإدارة واشنطن، إضافة إلى تقارير عن اختراقات استخباراتية ومحاولات تجنيد من داخل الدائرة الضيقة للسلطة. https://www.nytimes.com/topic/destination/venezuela
– Reuters: تُعد رويترز من أكثر الوكالات اعتمادًا في هذا الملف، إذ نشرت تقارير متكررة عن لقاءات سرية جرت خارج فنزويلا، وعن دور دول مثل قطر في تسهيل الحوار بين واشنطن ومسؤولين فنزويليين، خاصة في ملف تخفيف العقوبات النفطية. https://www.reuters.com/world/americas/venezuela/
– Politico: ركزت تحليلات بوليتيكو على التحول في الاستراتيجية الأمريكية تجاه فنزويلا، والانتقال من سياسة العزل الكامل إلى سياسة “الاحتواء والتفاهم المشروط”، مع تسليط الضوء على شخصيات نافذة داخل النظام لعبت دورًا في هذا التحول. https://www.politico.com/topic/venezuela/
– Foreign Affairs & Foreign Policy: ناقشت مجلتا العلاقات الدولية الأوسع سياق التحول العالمي في إدارة الصراعات، واستخدام العقوبات والاختراق السياسي بدل التدخل العسكري المباشر، مع الإشارة إلى فنزويلا كنموذج تطبيقي لهذا النهج. https://www.foreignaffairs.com/regions/venezuela https://foreignpolicy.com/tag/venezuela/
من المهم التأكيد أن هذه المصادر لا تتبنى رواية واحدة موحدة، لكنها مجتمعة تكشف عن بيئة سياسية معقدة، تسمح بقراءة ما جرى في فنزويلا بوصفه نتاج تفاهمات وصراعات داخلية متشابكة، لا مجرد مواجهة مباشرة بين دولة ونظام.
خاتمة: فنزويلا كمرآة لعالم متغيّر
سواء كانت رواية اختطاف مادورو دقيقة بالكامل، أو مبالغًا فيها، فإنها تعكس واقعًا سياسيًا جديدًا: عالم تُدار فيه الانقلابات من غرف مغلقة، وتُحسم فيه المعارك قبل أن تبدأ، وتصبح فيه الخيانة – أو التفاهم – أداة سياسية مثلها مثل الدبابة.
فنزويلا، في هذا السياق، ليست استثناءً، بل نموذجًا. نموذجًا يقول إن من يملك المعلومة، ويعرف من يخاطب داخل النظام، قد لا يحتاج إلى إسقاطه بالقوة، بل إلى دفعه إلى التفكك من الداخل.
إقرأ أيضًا :
تحركات عسكرية أمريكية سرية تشعل الشرق الأوسط: هل تبدأ واشنطن إسقاط نظام إيران من الداخل دون حرب؟
انسحاب الإمارات من اليمن: صدام مكتوم مع السعودية، تفكك التحالف، ومعركة النفوذ في حضرموت والمهرة
ترامب يعلن القبض على مادورو وترحيله قسرًا: هل بدأت أمريكا إسقاط الأنظمة بالقوة المباشرة؟
هل ينهار دونالد ترامب صحيًا قبل الانتخابات؟ أسرار الحوار الأخطر الذي أعاد سؤال سقوط ترامب بقوة


تعليقات
إرسال تعليق