انسحاب الإمارات من اليمن: صدام مكتوم مع السعودية، تفكك التحالف، ومعركة النفوذ في حضرموت والمهرة
انسحاب الإمارات من اليمن: نهاية الدور أم إعادة تموضع في صراع النفوذ الإقليمي؟
انسحاب الإمارات من اليمن لم يكن خطوة عسكرية معزولة، بل تطورًا سياسيًا خطيرًا كشف عن صراع نفوذ مكتوم داخل التحالف العربي، وتحديدًا بين الرياض وأبوظبي، على خلفية دعم المجلس الانتقالي الجنوبي وتحركاته العسكرية في حضرموت والمهرة.
في هذا التحليل العميق، نكشف ما وراء بيان وزارة الدفاع الإماراتية، ودلالات التحول الحاد في الموقف السعودي، وأبعاد الضربة الجوية في ميناء المكلا، ودور الدعم العسكري القادم من ميناء الفجيرة، وانعكاسات ذلك على مستقبل اليمن ووحدة التحالف، ومسار الحرب، والأمن الإقليمي في شبه الجزيرة العربية.
مقال تحليلي شامل يربط بين السياسة والعسكر والجغرافيا، ويضع القارئ أمام السيناريوهات الحقيقية لما بعد الانسحاب الإماراتي، ومستقبل المجلس الانتقالي الجنوبي، وموازين القوة في جنوب اليمن.
بيان الانسحاب… وما وراء الكلمات الدبلوماسية
عندما أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية إنهاء ما تبقى من وجودها العسكري في اليمن، بدا البيان للوهلة الأولى امتدادًا لخطاب رسمي متكرر منذ عام 2019، يؤكد أن أبوظبي “أنهت مهامها العسكرية” وأن ما تبقى كان مجرد فرق مختصة بمكافحة الإرهاب. غير أن توقيت الإعلان، ومضمونه، وسياقه الإقليمي، يجعلان من الصعب التعامل معه كإجراء إداري عادي، أو كمجرد تحديث روتيني لوضع قائم.
فالبيان جاء بعد تصعيد غير مسبوق في العلاقات داخل معسكر “الشرعية”، وبعد أن انتقلت السعودية من موقع الصمت الحذر إلى خطاب اتهامي مباشر ضد المجلس الانتقالي الجنوبي، وضد داعميه، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ تأسيس التحالف العربي.
هنا، يصبح السؤال الجوهري:
هل نحن أمام انسحاب إماراتي فعلي من اليمن؟
أم أمام إعادة تموضع تكتيكي فرضته ضغوط سعودية، وحسابات دولية، ومخاوف من انزلاق الصراع إلى مواجهة داخلية مفتوحة في الجنوب؟
تفكيك بيان وزارة الدفاع الإماراتية – لغة محسوبة ورسائل مزدوجة
بيان وزارة الدفاع الإماراتية لم يكن بيانًا عسكريًا تقنيًا، بل نصًا سياسيًا بامتياز، صيغ بعناية ليحقق ثلاثة أهداف متزامنة:
- نفي صفة “الانسحاب تحت الضغط”
- تأكيد السيادة الإماراتية على القرار
- إبقاء الباب مفتوحًا أمام العودة غير المعلنة
فالوزارة شددت على أن إنهاء وجود فرق مكافحة الإرهاب جاء “بمحض إرادتها”، وربطت القرار بـ”تقييم شامل لمتطلبات المرحلة”، وهي صيغة دبلوماسية تُستخدم عادة لتجنب الاعتراف بأي ضغوط خارجية مباشرة.
كما أعادت التذكير بأن “الوجود العسكري انتهى رسميًا في 2019”، وهو تذكير مقصود، هدفه نزع الشرعية عن أي اتهامات بوجود عسكري إماراتي نشط، رغم الوقائع الميدانية التي تشير إلى دور أمني وعسكري غير مباشر، عبر قوات محلية حليفة.
لكن اللافت أن البيان لم يتطرق من قريب أو بعيد إلى:
- المجلس الانتقالي الجنوبي
- حضرموت أو المهرة
- الاتهامات السعودية المباشرة
وهو صمت لا يمكن فصله عن إدراك أبوظبي لحساسية المرحلة، ورغبتها في خفض التصعيد الإعلامي دون تقديم تنازلات سياسية صريحة.
المصدر:
https://wam.ae
طلب العليمي… سابقة سياسية أم محاولة لاستعادة السيادة؟
دعوة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، لكافة القوات الإماراتية بمغادرة الأراضي اليمنية خلال 24 ساعة، شكّلت تطورًا لافتًا، ليس فقط بسبب مضمونها، بل بسبب من أصدرها.
فالعليمي، الذي جاء إلى رئاسة المجلس بتوافق إقليمي، ظل لفترة طويلة يتجنب الصدام المباشر مع المجلس الانتقالي الجنوبي، إدراكًا لحساسية موازين القوة في الجنوب. لكن دعوته العلنية، وضمن مهلة زمنية قصيرة، تعكس أحد احتمالين:
- إما أنه تلقى ضوءًا أخضر سعوديًا لتصعيد سياسي محسوب
- أو أنه حاول، متأخرًا، تثبيت شرعية رمزية في مواجهة واقع ميداني متآكل
وفي الحالتين، فإن الدعوة بحد ذاتها كشفت عن هشاشة مفهوم السيادة داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وعن عمق التناقضات بين أطراف يفترض أنها تقاتل تحت راية واحدة.
التحول السعودي… من إدارة التناقض إلى المواجهة المفتوحة
الأكثر أهمية من البيان الإماراتي، كان التحول الواضح في الموقف السعودي.
فلأول مرة منذ اندلاع الحرب، تصدر وزارة الخارجية السعودية بيانًا يحمل لهجة حادة تجاه الإمارات، وإن جاء بلغة دبلوماسية محسوبة.
البيان لم يكتفِ بالتعبير عن “الأسف”، بل اتهم أبوظبي صراحةً بالضغط على قوات المجلس الانتقالي للقيام بتحركات عسكرية تهدد الأمن القومي السعودي على حدوده الجنوبية.
هذه اللغة تمثل:
- كسرًا لخطاب “الشراكة الكاملة”
- وإشارة إلى نفاد صبر الرياض
- ورسالة موجهة أيضًا لواشنطن
فالتحركات في حضرموت والمهرة لا تمس فقط الداخل اليمني، بل تمس أمن خطوط الإمداد السعودية، وحدودها البرية، ومشاريعها الاستراتيجية في بحر العرب.
المصدر:
https://www.mofa.gov.sa
حضرموت والمهرة… لماذا الآن؟ ولماذا بهذا العنف؟
لفهم عمق الأزمة، يجب التوقف عند الجغرافيا السياسية لحضرموت والمهرة.
هاتان المحافظتان تمثلان:
- العمق الاستراتيجي لجنوب اليمن
- المنفذ البري والبحري الأهم للسعودية نحو بحر العرب
- منطقة بعيدة نسبيًا عن النفوذ الحوثي
أي تحرك عسكري أحادي فيهما، دون تنسيق مع الرياض، يُفسَّر تلقائيًا كتهديد مباشر، وليس مجرد صراع محلي.
تحركات قوات “النخبة الحضرمية”، المدعومة من المجلس الانتقالي، جاءت في لحظة إقليمية حساسة، حيث تحاول السعودية:
- تثبيت تهدئة مع الحوثيين
- تقليل الانخراط العسكري المباشر
- التركيز على ملفات داخلية واقتصادية
وبالتالي، فإن فرض وقائع جديدة على الأرض في الشرق اليمني بدا، من منظور الرياض، كأنه إفشال متعمد لمسار التهدئة.
الضربة الجوية… رسالة نارية بلا بيان سياسي
القصف الجوي الذي استهدف قوات النخبة الحضرمية، ثم الإعلان الرسمي لتحالف دعم الشرعية عن “ضربة جوية محدودة” ضد دعم عسكري خارجي في ميناء المكلا، يمثل منعطفًا خطيرًا.
التحالف لم يسمِّ الإمارات صراحة، لكنه:
- أشار إلى سفن قادمة من ميناء الفجيرة
- تحدث عن شحنات أسلحة وعربات قتالية
- اتهم الطاقم بتعطيل أنظمة التتبع
- ربط العملية بانتهاك قرار مجلس الأمن 2216
كل هذه التفاصيل تجعل الرسالة واضحة دون الحاجة للتسمية.
المصدر (واس):
https://www.spa.gov.sa
من الفجيرة إلى المكلا… خط الإمداد الذي فجّر الأزمة
الإشارة إلى ميناء الفجيرة ليست تفصيلًا عابرًا.
فالفجيرة تمثل أحد أهم الموانئ الإماراتية خارج مضيق هرمز، واستخدامها كنقطة انطلاق لشحنات عسكرية، إن ثبت، يعني:
- وجود قرار سياسي إماراتي بتجاوز قيادة التحالف
- أو على الأقل، وجود شبكات دعم تعمل بمرونة عالية
اتهام تعطيل أنظمة التتبع يضيف بعدًا قانونيًا خطيرًا، لأنه يضع العملية في خانة التهريب العسكري، وليس الدعم السياسي.
هل الانسحاب الإماراتي نهاية فعلية أم إعادة تموضع ذكي؟
هنا نصل إلى السؤال المركزي.
التجربة الإماراتية في اليمن منذ 2015 تُظهر نمطًا ثابتًا:
- تقليل الوجود العسكري المباشر
- تعظيم النفوذ عبر وكلاء محليين
- الاستثمار في الموانئ والجزر
- إدارة الصراع بأدوات غير تقليدية
وبالتالي، فإن إنهاء وجود “فرق مكافحة الإرهاب” لا يعني بالضرورة:
- تفكيك شبكة النفوذ
- أو التخلي عن المجلس الانتقالي
- أو الانسحاب من معادلة الجنوب
بل قد يعني خفض البصمة الرسمية، لتفادي الصدام مع السعودية، دون تغيير جوهري في الاستراتيجية طويلة الأمد.
المجلس الانتقالي الجنوبي بعد الضربة… من فائض القوة إلى مأزق الشرعية
شكّلت الضربة الجوية التي استهدفت دعمًا عسكريًا لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي في ميناء المكلا لحظة كاشفة، ليس فقط لطبيعة الخلاف داخل التحالف، بل لوضع المجلس نفسه.
فالمجلس، الذي بنى استراتيجيته منذ تأسيسه على فرض الوقائع الميدانية ثم انتزاع الاعتراف السياسي لاحقًا، وجد نفسه فجأة في مواجهة الطرف الذي كان يتجنب الصدام معه منذ سنوات: المملكة العربية السعودية.
اتهام المجلس للرياض بتنفيذ الضربات، دون أن يقابله نفي أو تأكيد سعودي، يعكس خللًا في ميزان الردع السياسي. فالسعودية اختارت الصمت المدروس، مكتفية ببيان التحالف العسكري، وهو أسلوب يُستخدم عادة عندما تريد الدولة توجيه رسالة ردع دون الانجرار إلى سجال إعلامي قد يفتح باب التصعيد.
الأخطر بالنسبة للمجلس الانتقالي، أن هذه الضربة:
- نزعت عنه صفة “الحليف غير القابل للمساس”
- أعادت طرح سؤال الشرعية لا السيطرة
- كشفت محدودية الغطاء الإقليمي الذي كان يعوّل عليه
فالمجلس، رغم حضوره العسكري، لا يمتلك اعترافًا دوليًا مستقلًا، ولا يستطيع مواجهة ضغط سعودي مباشر دون خسائر سياسية فادحة، خصوصًا في ظل غياب إجماع جنوبي كامل حول مشروعه.
التحالف العربي على مفترق طرق… أزمة داخلية أم إعادة تعريف للأدوار؟
ما يجري في جنوب اليمن لم يعد خلافًا تكتيكيًا بين شركاء، بل تحوّل إلى أزمة بنيوية داخل التحالف العربي نفسه.
فالتحالف، الذي تأسس على هدف معلن هو “دعم الشرعية اليمنية”، وجد نفسه أمام معادلة متناقضة:
- شريك إقليمي (الإمارات) يدعم كيانًا سياسيًا–عسكريًا خارج إطار الدولة
- حكومة شرعية ضعيفة بلا أدوات ميدانية
- مجلس انتقالي يمتلك القوة دون الشرعية
السعودية، التي تحملت العبء الأكبر سياسيًا وعسكريًا، بدأت تدرك أن إدارة هذا التناقض لم تعد ممكنة بالصمت أو التوازن الرمادي. ومن هنا، جاء التحول في خطابها، الذي انتقل من احتواء الخلاف إلى تسميته وتحجيمه.
الضربة الجوية المحدودة، من هذا المنظور، لم تكن عملًا عسكريًا بقدر ما كانت إجراءً سياسيًا بالقوة، هدفه إعادة رسم الخطوط الحمراء داخل التحالف.
البعد الدولي… واشنطن تراقب وإيران تستفيد
لا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن السياق الدولي، خصوصًا الدور الأمريكي.
فالولايات المتحدة، التي أعادت تصنيف الحوثيين جزئيًا، وتدفع باتجاه تسوية سياسية شاملة، تنظر بقلق إلى أي تصعيد داخلي في معسكر مناهضي الحوثي، لأنه:
- يضعف موقف التفاوض
- يعقّد أي تسوية مستقبلية
- يخلق فراغات تستفيد منها طهران
من زاوية إيرانية، فإن تفكك التحالف، أو حتى تصدعه، يُعد مكسبًا استراتيجيًا. فكل صراع جانبي في الجنوب:
- يخفف الضغط عن الحوثيين
- يطيل أمد الصراع
- يعزز منطق “الأمر الواقع” الذي تتقنه طهران وحلفاؤها
ولهذا، فإن واشنطن لا تضغط علنًا، لكنها تدعم ضمنيًا أي خطوة سعودية تعيد ضبط المشهد، حتى لو جاءت على حساب حلفاء ثانويين.
مصدر تحليلي أمريكي:
https://www.cfr.org
هل تخسر الإمارات نفوذها أم تعيد توزيعه؟
السؤال الذي يتردد في الكواليس الإقليمية ليس: هل خرجت الإمارات من اليمن؟
بل: كيف ستدير نفوذها بعد تقليص الوجود الرسمي؟
التجربة الإماراتية في ملفات أخرى (ليبيا، القرن الإفريقي، شرق المتوسط) تشير إلى نمط واضح:
- الانسحاب العسكري المباشر عند ارتفاع الكلفة
- الحفاظ على النفوذ عبر الاقتصاد، الأمن، والشبكات المحلية
- العمل بهدوء بعيدًا عن الأضواء
في اليمن، تملك أبوظبي:
- علاقات عميقة مع قوى محلية
- نفوذًا في موانئ وجزر استراتيجية
- خبرة طويلة في إدارة الصراعات غير المباشرة
وعليه، فإن ما جرى لا يبدو نهاية للدور الإماراتي، بل إعادة تموضع اضطرارية لتفادي الصدام مع السعودية، الشريك الأثقل وزنًا إقليميًا ودوليًا.
حضرموت والمهرة… معركة النفوذ القادمة
إذا كان الصراع في عدن قد وصل إلى صيغة شبه مستقرة، فإن حضرموت والمهرة تمثلان ساحة الصراع المقبلة.
فهاتان المحافظتان:
- تمثلان رئة اليمن الاقتصادية المستقبلية
- تشكلان عمقًا أمنيًا للسعودية
- تحظيان باهتمام إقليمي ودولي متزايد
أي محاولة لفرض نفوذ أحادي فيهما ستُواجَه، على الأرجح، بردع سعودي مباشر، سواء سياسي أو عسكري. وهذا ما يفسر الحزم غير المسبوق في خطاب الرياض الأخير.
اليمن… دولة أم ساحة صراعات مفتوحة؟
ما تكشفه هذه الأزمة بوضوح، أن اليمن لم يعد يُدار كدولة، بل كساحة تتقاطع فيها:
- مشاريع إقليمية متنافسة
- حسابات أمن قومي
- مصالح اقتصادية طويلة الأمد
غياب الدولة المركزية، وضعف المؤسسات، سمحا بتحول التحالف من أداة دعم إلى فاعل متنازع، وهو ما يهدد بتفكيك ما تبقى من مفهوم “الشرعية”.
ما بعد الانسحاب… سيناريوهات مفتوحة على المجهول
إعلان الإمارات إنهاء وجود ما تبقى من فرقها في اليمن لا يمكن قراءته كحدث منفصل، بل كحلقة في سلسلة تحولات أعمق داخل الإقليم.
نحن أمام مرحلة:
- تعيد فيها السعودية تعريف دورها وأولوياتها
- تحاول فيها الإمارات تقليل الخسائر دون فقدان النفوذ
- يسعى فيها المجلس الانتقالي لتثبيت مكاسب ميدانية تحت ضغط متزايد
أما اليمن، فيبقى الخاسر الأكبر، عالقًا بين صراعات حلفائه قبل أعدائه.
المرحلة المقبلة لن تحسمها البيانات، بل ميزان المصالح والقدرة على فرض الوقائع. والسؤال المفتوح يبقى:
هل يقود هذا التصعيد إلى إعادة توحيد القرار داخل التحالف، أم إلى مزيد من التفكك الذي يطيل أمد الحرب ويعمّق المأساة اليمنية؟
روابط المصادر المباشرة (قابلة للإدراج داخل المقال):
-
وكالة الأنباء الإماراتية (وام):
https://wam.ae -
وزارة الخارجية السعودية:
https://www.mofa.gov.sa -
وكالة الأنباء السعودية (واس):
https://www.spa.gov.sa -
مجلس الأمن – القرار 2216:
https://www.un.org/securitycouncil -
Council on Foreign Relations – Yemen Analysis:
https://www.cfr.org
إقرأ أيضًا :

تعليقات
إرسال تعليق