ماذا يحدث بين السعودية والإمارات في اليمن؟ حضرموت والمهرة تكشفان تصدّع التحالف العربي

 اليمن بين الرياض وأبوظبي: تفكك التحالف أم إعادة التموضع؟ قراءة معمّقة في لحظة الانسحاب والتصعيد. 

يتناول هذا المقال التحليلي العميق تطورات المشهد اليمني في ضوء إعلان الانسحاب الإماراتي من اليمن، والتصعيد السعودي غير المسبوق في محافظتي حضرموت والمهرة، وسط تساؤلات متزايدة حول مستقبل التحالف العربي في اليمن. يقدّم المقال قراءة شاملة لأسباب الخلاف بين السعودية والإمارات، ودور المجلس الانتقالي الجنوبي في تفجير الأزمة، وتأثير التحركات العسكرية الأحادية على أمن شرق اليمن والأمن القومي السعودي. كما يناقش المقال ما إذا كانت هذه التطورات تعكس تفكك التحالف العربي أم إعادة تموضع استراتيجي في اليمن، مع تحليل أبعاد الضربة الجوية في ميناء المكلا، والاتهامات المتعلقة بدعم عسكري خارجي وانتهاك قرارات مجلس الأمن. ويستشرف المقال سيناريوهات مستقبل شرق اليمن خلال عام 2026، وانعكاس الصراع السعودي الإماراتي على وحدة اليمن، والشرعية، والاستقرار الإقليمي، في ظل تغيّر موازين القوى وتراجع الرهانات العسكرية المباشرة.

حين يتحول التحالف من أداة حرب إلى عبء سياسي

لم يكن الإعلان الإماراتي عن إنهاء ما تبقى من فرقها المختصة بمكافحة الإرهاب في اليمن مجرد بيان عسكري عابر، بل جاء كخاتمة فصل طويل من الالتباس الاستراتيجي داخل التحالف العربي. فاليمن، الذي كان يُفترض أن يكون ساحة لتكامل الأدوار بين الرياض وأبوظبي منذ 2015، تحوّل تدريجيًا إلى مسرح تناقضات صامتة، ثم مفتوحة، انتهت اليوم بلحظة كاشفة تُطرح فيها أسئلة كبرى حول مصير التحالف ذاته: هل نشهد تفككًا فعليًا؟ أم أننا أمام إعادة تموضع محسوبة تعكس تغير الأولويات الإقليمية؟

ما يجعل هذه اللحظة استثنائية ليس فقط تزامن الانسحاب الإماراتي مع تصعيد سعودي غير مسبوق ضد حليف محلي مدعوم من أبوظبي، بل أيضًا انكشاف هشاشة السردية التي قامت عليها الحرب: دعم الشرعية، واستعادة الدولة، ومنع الانهيار الإقليمي. فبينما تتراجع لغة الشعارات، تتقدم لغة المصالح، وحسابات الأمن القومي، وكلفة الاستنزاف الطويل.


أولًا: البيان الإماراتي… انسحاب مُعاد الصياغة لا اعتراف بالأزمة

لغة البيان الصادر عن وزارة الدفاع الإماراتية تعكس خبرة طويلة في إدارة الرسائل السياسية تحت غطاء عسكري. فالقول إن القوات الإماراتية أنهت وجودها العسكري في اليمن منذ 2019، وأن ما تبقى كان محصورًا في فرق مكافحة الإرهاب، ليس جديدًا بقدر ما هو إعادة تثبيت لرواية قديمة في لحظة توتر جديدة.

الإمارات، عبر هذا البيان، تسعى إلى تحقيق ثلاث غايات متزامنة: أولًا، نفي أي مسؤولية مباشرة عن التطورات الأخيرة في حضرموت والمهرة. ثانيًا، التأكيد على أن قرار الانسحاب قرار سيادي طوعي، لا استجابة لضغوط يمنية أو سعودية. ثالثًا، الحفاظ على صورة الدولة المنخرطة في دعم أمن المنطقة، لا الدولة التي تخلت عن حلفائها.

غير أن ربط القرار بـ"التطورات الأخيرة" وما قد تفرضه من مخاطر على سلامة القوات، يكشف بوضوح أن أبوظبي قرأت المشهد بوصفه بيئة لم تعد صديقة، لا سياسيًا ولا ميدانيًا. وهذا ما يجعل الانسحاب أقرب إلى إعادة تموضع اضطرارية منه إلى إنهاء مهمة ناجحة.

يمكن متابعة النصوص الرسمية والتحليلات الأولية عبر: رويترز، الجزيرة نت.


ثانيًا: الشرعية اليمنية… سلطة بلا أدوات

دعوة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بخروج القوات الإماراتية خلال 24 ساعة، عكست لحظة تمرّد سياسي نادر من مؤسسة شرعية اعتادت العمل تحت سقف التوازنات الإقليمية. لكنها، في الوقت نفسه، كشفت عمق المأزق الذي تعيشه هذه الشرعية: فهي مطالبة بالدفاع عن السيادة، لكنها تفتقر إلى أدوات فرضها.

فالعليمي لا يواجه الإمارات فقط، بل يواجه واقعًا مركبًا: مجلس انتقالي مدجج بالسلاح، ومدعوم إقليميًا، وسعودية تعيد حساباتها، وتحالفًا لم يعد يعمل كجسم واحد. لذلك بدت الدعوة أقرب إلى تسجيل موقف سياسي منها إلى محاولة تنفيذية قابلة للتحقق.


ثالثًا: السعودية تكسر الصمت… من إدارة الخلاف إلى المواجهة

التحول الأبرز في هذه الأزمة تمثل في الموقف السعودي. فبيان وزارة الخارجية، الذي حمّل المجلس الانتقالي الجنوبي مسؤولية التحركات العسكرية في حضرموت والمهرة، لم يكن مجرد إدانة شكلية، بل إعلان ضمني بأن الرياض لم تعد مستعدة لتحمّل نتائج سياسات حلفائها المحليين.

الأخطر في البيان كان ربط هذه التحركات بتهديد الأمن الوطني السعودي، وهي صيغة تُستخدم عادة لتبرير أعلى درجات الرد. هذا التحول يعكس إدراكًا سعوديًا متزايدًا بأن شرق اليمن ليس هامشًا بعيدًا، بل خط تماس مباشر مع أمن المملكة، خصوصًا في ظل الحديث عن طرق تهريب، وممرات سلاح، وإعادة تشكل قوى محلية خارج السيطرة المركزية.

نص البيان متاح عبر وكالة الأنباء السعودية (واس).


رابعًا: حضرموت والمهرة… جغرافيا الصراع المؤجل

لماذا انفجرت الأزمة في حضرموت والمهرة تحديدًا؟ لأن هاتين المحافظتين تمثلان ما تبقى من اليمن خارج ثنائية الحوثي–الشرعية التقليدية. فهما بعيدتان عن جبهات الشمال، وغنيتان بالموارد، ومفتوحتان على بحر العرب، ما يجعلهما محل تنافس إقليمي صامت منذ سنوات.

بالنسبة للمجلس الانتقالي، تمثل حضرموت الحلقة الناقصة في مشروع الجنوب. وبالنسبة للسعودية، تمثل المهرة عمقًا أمنيًا لا يمكن التفريط به. أما الإمارات، فقد رأت في الشرق اليمني فرصة لبناء نفوذ طويل الأمد أقل صخبًا من عدن والساحل الغربي. هذا التناقض البنيوي جعل الصدام مسألة وقت لا أكثر.


خامسًا: الضربة الجوية في المكلا… حين تتحول الرسائل إلى قوة صلبة

إعلان تحالف دعم الشرعية تنفيذ ضربة جوية محدودة استهدفت دعمًا عسكريًا خارجيًا لقوات المجلس الانتقالي في ميناء المكلا شكّل نقطة اللاعودة. فالاتهام الصريح بوصول سفن من ميناء الفجيرة محمّلة بالسلاح، وتعطيل أنظمة التتبع، وربط ذلك بانتهاك قرار مجلس الأمن 2216، حمل رسالة سياسية قبل أن يكون تقريرًا عسكريًا.

السعودية هنا لم تخاطب المجلس الانتقالي فقط، بل وجّهت رسالة مباشرة لأبوظبي مفادها أن قواعد اللعبة تغيّرت، وأن أي دعم خارج إطار التنسيق الكامل لم يعد مقبولًا.

تفاصيل البيان منشورة عبر واس.


سادسًا: الإمارات بين النفي والحفاظ على النفوذ

نفي أبوظبي للاتهامات، وتأكيدها احترام أمن السعودية، يعكس محاولة دقيقة للفصل بين الخلاف السياسي والقطيعة الاستراتيجية. فالإمارات لا تريد صدامًا مباشرًا مع الرياض، لكنها في الوقت ذاته لا تبدو مستعدة للتخلي الكامل عن أوراقها اليمنية.

هذا الموقف الرمادي هو ما يفتح الباب أمام فرضية إعادة التموضع: تقليص الوجود العسكري المباشر، مقابل الحفاظ على النفوذ عبر الحلفاء المحليين، والاقتصاد، والموانئ، والعلاقات الأمنية غير المعلنة.


سابعًا: المجلس الانتقالي… من أصل استراتيجي إلى عبء إقليمي

التطورات الأخيرة وضعت المجلس الانتقالي الجنوبي في أسوأ موقع منذ تأسيسه. فبعد أن كان ورقة ضغط فعالة، أصبح طرفًا متهمًا بتهديد أمن دولة التحالف الأكبر. الضربات الجوية، والبيانات السعودية، والتبرؤ الإماراتي الضمني، كلها مؤشرات على أن سقف الدعم لم يعد مفتوحًا.

استمرار المجلس في نهج التحركات الأحادية قد يعجّل بتحوله من شريك إلى مشكلة، ليس فقط للشرعية، بل أيضًا لحلفائه السابقين.


ثامنًا: تفكك التحالف أم إعادة التموضع؟ قراءة في المسارين

هل ما نشهده اليوم هو تفكك للتحالف العربي؟ أم مجرد إعادة تموضع داخل تحالف لم يعد قادرًا على العمل بذات الصيغة؟ القراءة الواقعية تشير إلى السيناريو الثاني. فالتحالف لم يعد مشروعًا هجوميًا لاستعادة صنعاء، بل تحوّل إلى إطار مرن لإدارة المخاطر، وتقليل الخسائر، ومنع الانهيار الشامل.

السعودية تسعى اليوم إلى يمن مستقر على حدودها، حتى لو كان ذلك عبر تسويات مؤلمة. والإمارات تسعى إلى حماية مكاسبها الاستراتيجية دون الغرق في مستنقع مفتوح. هذا الاختلاف لا يعني القطيعة، لكنه يعني نهاية وهم الشراكة المتطابقة.


تاسعًا: سيناريوهات شرق اليمن في 2026… إلى أين تتجه البوصلة؟

مع اقتراب 2026، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل شرق اليمن. السيناريو الأول يتمثل في إعادة فرض نفوذ الشرعية بدعم سعودي مباشر، مع تقليص دور المجلس الانتقالي، وتحويل حضرموت والمهرة إلى نموذج "استقرار نسبي" خارج الاستقطاب الحاد.

السيناريو الثاني يقوم على استمرار حالة السيولة، حيث تبقى المحافظتان ساحة نفوذ متنازع عليها، مع حضور أمني سعودي، ونفوذ محلي متشظٍ، وتراجع إماراتي غير مكتمل. هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا على المدى القصير.

أما السيناريو الثالث، والأخطر، فيتمثل في انفجار صراع محلي واسع، نتيجة تضارب المصالح، ما قد يحوّل الشرق اليمني إلى بؤرة توتر جديدة تستنزف الجميع.


خاتمة: اليمن كاختبار نهائي للتحالفات الإقليمية

ما يجري في اليمن اليوم هو اختبار قاسٍ لقدرة التحالفات الإقليمية على الصمود أمام تعقيدات الواقع. الانسحاب الإماراتي، والتصعيد السعودي، وأزمة المجلس الانتقالي، كلها ليست أحداثًا منفصلة، بل حلقات في مسار إعادة تشكيل النفوذ في المنطقة.

اليمن، مرة أخرى، لا يختار دوره، بل يُفرض عليه أن يكون مرآة لصراعات أكبر منه، ودفتر حسابات مفتوح لتحالفات تعيد تعريف نفسها تحت ضغط الزمن والكلفة.

إقرأ أيضًا:

"كيف سيؤثر لقاء نتنياهو وترامب في الولايات المتحدة على مستقبل غزة واستقرار الشرق الأوسط في 2025؟"

“هل اعترفت إسرائيل بأرض الصومال؟ تداعيات الاعتراف على القانون الدولي والقرن الأفريقي”

اعتراف إسرائيل بصوماليلاند: ميناء عسكري لإثيوبيا يقترب من قناة السويس ويشعل صراع البحر الأحمر .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اجتماع الجنرالات الأكبر في تاريخ البنتاغون: هل ينفجر العالم من أوكرانيا إلى تايوان والشرق الأوسط نحو حرب عالمية ثالثة؟"

تطبيق ياسين تي في على آيفون: رابط التحميل والمميزات الكاملة لمشاهدة المباريات

تحميل تطبيق ياسين Yacine tv اخر اصدار