هل أصبح الغاز الإسرائيلي ورقة ضغط سياسية على القاهرة وأوروبا؟
صفقة الغاز الكبرى بين مصر وإسرائيل: كيف تحوّل الاقتصاد إلى أداة سياسة وأمن في شرق المتوسط؟
من اتفاق طاقة إلى رسالة إقليمية متعددة الاتجاهات
أعاد إعلان إسرائيل توقيع أكبر اتفاقية غاز في تاريخها مع مصر تسليط الضوء بقوة على طبيعة العلاقات بين البلدين، وحدود التداخل بين الاقتصاد والطاقة من جهة، والسياسة والأمن من جهة أخرى، في واحدة من أكثر مناطق العالم توترًا وحساسية: شرق البحر المتوسط.
الاتفاق، الذي يشمل تصدير الغاز الطبيعي من حقل «ليفياثان» الإسرائيلي إلى مصر، بقيمة تُقدَّر بنحو 35 مليار دولار، لم يُقدَّم باعتباره صفقة تجارية بحتة، بل جرى الإعلان عنه بوصفه حدثًا استراتيجيًا في توقيت إقليمي بالغ التعقيد، يتزامن مع الحرب في غزة، واحتدام الصراع على النفوذ في المتوسط، وسعي أوروبا المحموم لتأمين بدائل مستقرة للغاز.
وفي هذا السياق، قدّم الدبلوماسي الإسرائيلي السابق مئير كوهين، خلال حديثه إلى برنامج غرفة الأخبار على سكاي نيوز عربية، قراءة ركزت على أبعاد الاتفاق وانعكاساته على العلاقات الثنائية، وعلى الملف الفلسطيني، وعلى مفهوم “السلام الاقتصادي” الذي تعود إسرائيل لاستخدامه كأداة سياسية.
سكاي نيوز عربية
https://www.skynewsarabia.com
أولًا: ما الذي نعرفه عن الصفقة؟ (الأرقام قبل السياسة)
بحسب ما أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فإن الاتفاق يُعد الأكبر في تاريخ صادرات الغاز الإسرائيلية، وينص على:
- تصدير نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي
- من حقل Leviathan العملاق
- إلى مصر
- حتى عام 2040 أو إلى حين استنفاد الكميات
وهي أرقام تجعل الاتفاق أطول وأضخم شراكة طاقوية بين البلدين منذ توقيع معاهدة السلام.
لماذا يُعد حقل ليفياثان محوريًا؟
يُعد حقل ليفياثان أحد أكبر اكتشافات الغاز في شرق المتوسط، وتديره شركات دولية، أبرزها Chevron. ووفق تقارير متخصصة، يمثل الحقل العمود الفقري لصادرات إسرائيل من الغاز.
Energy Intelligence – Leviathan Field
https://www.energyintel.com
ثانيًا: لماذا مصر؟ ولماذا الآن؟
1- مصر كمركز إقليمي للطاقة
اختيار مصر لم يكن مجرد خيار جغرافي، بل قرار استراتيجي يستند إلى:
- امتلاك مصر محطتي إسالة غاز (إدكو – دمياط)
- قدرة فريدة على إعادة التصدير إلى أوروبا
- شبكة علاقات سياسية متوازنة
- استقرار نسبي مقارنة بدول الجوار
وقد أكدت وكالة رويترز في أكثر من تقرير أن مصر تمثل اليوم البوابة الرئيسية لغاز شرق المتوسط إلى الأسواق العالمية.
Reuters – Egypt and Eastern Mediterranean Gas
https://www.reuters.com
2- التوقيت الإقليمي الحرج
يأتي الإعلان في وقت:
- تقترب فيه غزة من مرحلة تفاوضية جديدة
- تحتاج فيه إسرائيل إلى تثبيت الجبهة الإقليمية
- تلعب فيه مصر دور الوسيط الأساسي
ويرى كوهين أن الإعلان عن الصفقة في هذا التوقيت يمثل رسالة طمأنة سياسية موجهة إلى القاهرة قبل أي ترتيبات أمنية أو سياسية لاحقة.
ثالثًا: الاقتصاد كجسر سياسي… القراءة الإسرائيلية
يؤكد مئير كوهين أن العلاقات بين مصر وإسرائيل لم تكن يومًا سياسية فقط، بل شملت دائمًا أبعادًا اقتصادية وأمنية.
الغاز كدعامة للاستقرار
بحسب الرؤية الإسرائيلية:
- الغاز يخلق اعتمادًا متبادلًا
- الاعتماد يقلل فرص التصعيد
- المصالح الاقتصادية تُقيّد القرار السياسي
وهو ما يتوافق مع مفهوم “السلام الاقتصادي” الذي تروج له إسرائيل منذ سنوات، خاصة في ظل تعثر المسارات السياسية التقليدية.
Al-Monitor – Israel’s Economic Peace Strategy
https://www.al-monitor.com
رابعًا: التعاون الأمني… الملف غير المعلن
إلى جانب الغاز، شدد كوهين على أن التعاون الأمني في سيناء يمثل ركنًا أساسيًا في العلاقة بين القاهرة وتل أبيب، خاصة في مكافحة التنظيمات المتطرفة.
هذا التعاون، الذي نادرًا ما يُناقش علنًا، يشكل وفق محللين الضمانة الحقيقية لاستمرار أي تعاون اقتصادي.
Financial Times – Egypt Israel Security Cooperation
https://www.ft.com
خامسًا: الفجوة بين الدولة والشارع في مصر
رغم متانة العلاقات الرسمية، يعترف كوهين بوجود فجوة حقيقية بين:
- المستوى الرسمي للعلاقات
- والرأي العام المصري
ويشير إلى أن قطاعات واسعة من المصريين ما زالت تنظر إلى إسرائيل كـ عدو تاريخي، وهو ما عبّر عنه أكثر من مسؤول مصري في سياقات مختلفة، دون أن يمنع ذلك استمرار التعاون العملي.
الهيئة العامة للاستعلامات المصرية
https://www.sis.gov.eg
سادسًا: القضايا العالقة… ما تحت السطح
1- الخروقات الأمنية في سيناء
أشار كوهين إلى ما سماه “خرقات” تتعلق أحيانًا بانتشار قوات غير متفق عليها، معتبرًا أن هذه الملفات تحتاج إلى إدارة دقيقة حتى لا تتحول إلى أزمات سياسية.
2- ملف السفير الإسرائيلي في القاهرة
لا يزال منصب السفير الإسرائيلي في القاهرة شاغرًا فعليًا، وهو ما يعكس حساسية المرحلة، ويطرح تساؤلات حول حدود التطبيع الدبلوماسي.
The Guardian – Egypt Israel Diplomacy
https://www.theguardian.com
سابعًا: الصفقة والملف الفلسطيني… التناقض الأكبر
7 أكتوبر كنقطة فاصلة
يرى كوهين أن أحداث 7 أكتوبر أعادت تشكيل العقل السياسي الإسرائيلي، وجعلت الحديث عن:
- حل الدولتين
- وجود شريك فلسطيني
- تسوية سياسية شاملة
أمورًا شديدة الصعوبة.
موقف نتنياهو: لا دولة فلسطينية
بحسب كوهين:
- نتنياهو لا يؤمن حاليًا بإقامة دولة فلسطينية
- السياسات الإسرائيلية تهدف إلى:
- فصل غزة عن الضفة
- إدارة الصراع بدلًا من حله
BBC – Israel Two State Solution Debate
https://www.bbc.com
ثامنًا: مصر بين المصالح والثوابت
من منظور مصري، تُدار الصفقة ضمن ثلاث دوائر متوازية:
دائرة الاقتصاد
- تعظيم العائد من البنية التحتية
- تثبيت موقع مصر كمركز إقليمي للطاقة
دائرة السياسة
- الحفاظ على الدور المصري كوسيط
- منع إقصاء القاهرة من أي ترتيبات إقليمية
دائرة الأمن القومي
- استخدام الاقتصاد كأداة استقرار
- عدم التفريط في الثوابت التاريخية تجاه فلسطين
تاسعًا: شرق المتوسط… صراع الغاز والنفوذ
صفقة مصر وإسرائيل لا يمكن فصلها عن:
- التنافس مع تركيا
- حسابات قبرص واليونان
- المصالح الأوروبية
وقد أكدت بلومبيرغ أن شرق المتوسط بات أحد أهم مسارح الصراع الطاقوي في العالم.
Bloomberg – Eastern Mediterranean Gas
https://www.bloomberg.com
عاشرًا: الغاز كسلاح جيوسياسي… كيف تستخدمه إسرائيل خارج حدود الاقتصاد؟
لم تعد الطاقة، وبخاصة الغاز الطبيعي، مجرد مورد اقتصادي في حسابات الدول، بل تحولت خلال العقد الأخير إلى أداة نفوذ جيوسياسي تُستخدم لتشكيل التحالفات، واحتواء الخصوم، وإعادة رسم خرائط التأثير الإقليمي.
في هذا الإطار، لا يمكن قراءة صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل بمعزل عن الاستراتيجية الإسرائيلية الأشمل في شرق المتوسط، والتي تقوم على ثلاثة محاور رئيسية:
- تحويل الاكتشافات الغازية إلى مظلة سياسية
- ربط الجيران بشبكة مصالح طويلة الأمد
- تقييد هامش المناورة السياسية للدول المستوردة
من الردع العسكري إلى الردع الاقتصادي
تاريخيًا، اعتمدت إسرائيل على التفوق العسكري كضمانة لأمنها القومي. لكن مع تغير البيئة الإقليمية، بات الردع العسكري وحده غير كافٍ، خاصة في ظل تصاعد التهديدات غير التقليدية.
هنا يظهر الغاز كبديل ذكي:
- لا يثير ردود فعل عدائية مباشرة
- يصعب مهاجمته سياسيًا
- يخلق مصالح مشتركة يصعب التراجع عنها
وهو ما وصفته تحليلات في Financial Times بأنه انتقال من “القوة الصلبة” إلى “النفوذ عبر الاعتماد المتبادل”.
حادي عشر: مصر… بين دور الشريك ودور الضامن
هل القاهرة مجرد مستورد؟
الإجابة المختصرة: لا.
مصر في هذه الصفقة ليست مجرد دولة تستورد الغاز، بل:
- وسيط إقليمي
- مُشغِّل بنية تحتية
- ضامن استقرار
وهو ما يمنح القاهرة أوراق قوة، لكنها في الوقت ذاته يفرض عليها معادلة دقيقة.
1- مكاسب استراتيجية حقيقية
من منظور الدولة المصرية:
- تثبيت موقع مصر كمركز إقليمي لتجارة الغاز
- زيادة العوائد من التسييل وإعادة التصدير
- تعزيز الحضور المصري في ملفات شرق المتوسط
2- مخاطر كامنة
في المقابل، هناك تحديات لا يمكن تجاهلها:
- ربط جزء من أمن الطاقة الإسرائيلي بالمسار المصري
- توظيف إسرائيل لهذا الدور لتجميل صورتها إقليميًا
- تحميل مصر أعباء سياسية غير معلنة في أوقات الأزمات
وهي نقطة يثيرها باحثون في Al-Monitor عند تحليلهم لدور القاهرة في منظومة غاز المتوسط.
ثاني عشر: أوروبا في الخلفية… الغاز المصري–الإسرائيلي كبديل استراتيجي
1- ما بعد أوكرانيا: أوروبا تبحث عن الأمان
منذ اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية، دخلت أوروبا مرحلة قلق طاقوي مزمن. تقليص الاعتماد على الغاز الروسي لم يكن خيارًا، بل ضرورة.
في هذا السياق:
- ظهر شرق المتوسط كمصدر واعد
- بدت مصر كحل جاهز بالبنية التحتية
- أصبح الغاز الإسرائيلي جزءًا من معادلة أوسع
تقارير Bloomberg وReuters أكدت أن أوروبا تنظر إلى المسار المصري باعتباره الأكثر واقعية على المدى المتوسط.
2- لماذا لا تذهب إسرائيل مباشرة إلى أوروبا؟
لأسباب عديدة:
- غياب بنية تسييل محلية
- كلفة إنشاء خطوط جديدة
- حساسية المرور عبر مسارات متنازع عليها
ومن هنا، تصبح مصر الحل الأقل كلفة والأكثر أمانًا سياسيًا.
ثالث عشر: شرق المتوسط… صراع الغاز أم صراع النفوذ؟
رغم الخطاب الاقتصادي، فإن مشهد شرق المتوسط لا يخلو من التنافس الحاد بين:
- تركيا
- اليونان
- قبرص
- إسرائيل
- مصر
أين تقف الصفقة في هذا الصراع؟
- تُضعف الطموحات التركية في لعب دور الممر الحصري
- تعزز المحور المصري–اليوناني–القبرصي
- تمنح إسرائيل مظلة إقليمية أوسع
ويرى محللون في BBC أن هذه الشبكة من المصالح تهدف إلى إعادة ضبط ميزان القوة في المتوسط بعيدًا عن الصدام العسكري المباشر.
رابع عشر: الملف الفلسطيني… الثمن السياسي غير المعلن
هنا نصل إلى العقدة الأساسية.
رغم أن الصفقة تُقدَّم اقتصاديًا، فإنها تُدار سياسيًا في ظل:
- حرب غزة
- انسداد أفق التسوية
- تصلب الموقف الإسرائيلي
1- الفصل المتعمد بين المسارات
تحاول إسرائيل:
- فصل ملف الطاقة عن الملف الفلسطيني
- تقديم نفسها كشريك اقتصادي موثوق
- تقليص كلفة سياساتها العسكرية دبلوماسيًا
لكن هذا الفصل ليس كاملًا، ولا يمكن أن يكون كذلك على المدى الطويل.
2- موقف مصر: خطوط حمراء ثابتة
رغم التعاون، تظل القاهرة:
- متمسكة برفض التهجير
- داعمة للحقوق الفلسطينية
- رافضة لأي حلول تتجاوز الشرعية الدولية
وهذا ما يفرض على مصر إدارة العلاقة مع إسرائيل دون تحوّلها إلى غطاء سياسي.
خامس عشر: هل تستخدم إسرائيل القاهرة كـ«غطاء إقليمي»؟
سؤال حساس… لكنه مشروع.
من منظور تحليلي:
- إسرائيل تستفيد من العلاقة مع مصر لتخفيف العزلة
- القاهرة تمنح الاتفاق شرعية إقليمية
- الغرب يرى في مصر “شريكًا مسؤولًا”
لكن في المقابل:
- مصر لا تمنح شيكات على بياض
- التعاون محكوم بالمصالح لا بالتحالفات
- أي تجاوز للثوابت يعيد ضبط العلاقة فورًا
وهي معادلة حافظت عليها القاهرة منذ عقود.
سادس عشر: سيناريوهات المستقبل… إلى أين تتجه الصفقة؟
السيناريو الأول: الاستقرار البارد
- استمرار التصدير
- تعاون أمني محدود
- خلافات سياسية مُدارة
السيناريو الثاني: توسيع الشراكة
- ربط الصفقة بمشروعات إقليمية
- زيادة الصادرات لأوروبا
- دور مصري أكبر في التهدئة
السيناريو الثالث: الارتداد السياسي
- تصعيد في غزة
- ضغط شعبي مصري متزايد
- إعادة تقييم حدود التعاون
والأرجح أن الواقع سيتحرك بين السيناريو الأول والثاني.
عندما تتحكم المصالح في الإيقاع
صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل ليست حدثًا عابرًا، بل نقطة تقاطع بين:
- اقتصاد يبحث عن الاستقرار
- سياسة تُدار بالحذر
- أمن يُبنى على المصالح لا الثقة
الغاز لا يُنهي الصراع، لكنه:
- يغيّر إيقاعه
- يفرض حسابات جديدة
- يؤجل الانفجارات الكبرى
وفي الشرق الأوسط، قد يكون تأجيل الصدام إنجازًا بحد ذاته.
خاتمة: هل الغاز يصنع سلامًا أم يؤجل الانفجار؟
صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل تكشف حقيقة الشرق الأوسط المعاصر:
السياسة تُدار بالاقتصاد، والأمن يُحمى بالمصالح، والسلام لا يأتي بالنيات وحدها.
الغاز لا يصنع سلامًا دائمًا، لكنه قد يشتري الوقت، ويؤجل الانفجار، ويمنح اللاعبين الكبار مساحة لإعادة ترتيب الأوراق.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل تنجح المصالح الاقتصادية في تثبيت الاستقرار؟
أم أن الصراع سيعود ليفرض منطقه حين تتغير الموازين؟
تعليقات
إرسال تعليق