متى تتدخل مصر في السودان؟ الخطوط الحمراء ومعركة الوجود على حدود النيل
من «حريقة في بيت الجيران» إلى «معركة وجود».
هل تحولت أزمة السودان من “صراع داخلي” إلى تهديد مباشر للأمن القومي المصري؟
تحليل معمّق يكشف كواليس زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى القاهرة في 18 ديسمبر 2025، وكيف رسمت مصر خطوطًا حمراء واضحة في السودان تشمل وحدة الأراضي، بقاء مؤسسات الدولة، ورفض الحوكمة الموازية.
المقال يشرح دور اتفاقية الدفاع المشترك 1976 كغطاء قانوني لأي تحرك مصري، وسيناريوهات التصعيد المحتملة من الدعم الاستخباراتي إلى التدخل المباشر، وتأثير تفكك السودان على ملف سد النهضة وأمن النيل.
قراءة استراتيجية في الصراع على البحر الأحمر، الدور الأمريكي بعد عودة ترامب، النفوذ الروسي، وسوق السلاح المفتوح، ولماذا لم يعد السودان “حريقة في بيت الجيران” بل معركة وجود على حدود مصر الجنوبية.
كيف رسمت مصر خطوط السودان الحُمر؟
حين يتحول السودان من ملف جارٍ إلى سؤال وجودي.
لسنوات طويلة، تعاملت القاهرة مع السودان بوصفه «الجار المنهك»، دولة شقيقة تتعثر سياسيًا وتتعافى جزئيًا ثم تعود للاهتزاز، دون أن يصل ذلك إلى مستوى التهديد المباشر للأمن القومي المصري. كان المنطق السائد داخل دوائر القرار المصرية يقوم على قاعدة قديمة: ما يحدث في السودان خطير… لكنه قابل للاحتواء. غير أن هذه القاعدة بدأت تتآكل سريعًا مع انزلاق الصراع من مواجهة داخلية بين جيش وقوات شبه نظامية، إلى تفكك فعلي للسلطة، وظهور مراكز حكم متوازية، واصطفافات إقليمية ودولية مفتوحة على كل الاحتمالات.
في هذه اللحظة، لم يعد السودان مجرد «حريقة في بيت الجيران» يمكن إطفاؤها بالوساطة أو الصبر الاستراتيجي. ما تشكّل خلال عامي 2024 و2025 هو سيناريو أقرب إلى معركة وجود، ليس للسودان وحده، بل لمصر أيضًا. فالدولة التي تشترك مع القاهرة في حدود تتجاوز 1200 كيلومتر، وتربطها بها معادلة نيل واحدة، وتجاورها ملفات القرن الإفريقي والبحر الأحمر وليبيا، لا يمكن أن تتحول إلى دولة فاشلة أو ساحة نفوذ معادٍ دون أن يدق ذلك ناقوس الخطر في القاهرة.
من هنا، لم تكن زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى القاهرة في 18 ديسمبر 2025 مجرد محطة بروتوكولية عابرة، بل بدت – في حسابات السياسة والأمن – اجتماع طوارئ لدولة كاملة، أعادت خلاله مصر تعريف موقفها من الأزمة السودانية، ورسمت ما يمكن تسميته بوضوح: خطوط السودان الحُمر.
18 ديسمبر 2025: زيارة اليوم الواحد التي غيّرت الحسابات
لماذا كانت القاهرة هي المحطة الأولى؟
حين حطّت طائرة رئيس مجلس السيادة السوداني في القاهرة، كانت الخريطة السياسية والعسكرية في السودان قد تجاوزت مرحلة «الصراع على السلطة» إلى مرحلة الصراع على الدولة نفسها. بورتسودان لم تعد مجرد مقر مؤقت، ونيالا لم تعد مجرد مدينة خارجة عن السيطرة، بل أصبحتا رمزين لواقع جديد: سلطتان، وخطابان، وتحالفان إقليميان مختلفان.
اختيار القاهرة لم يكن اعتباطيًا. فمصر، بحكم الجغرافيا والتاريخ، تظل الدولة الوحيدة القادرة – نظريًا – على تقديم دعم سياسي وأمني واقتصادي متكامل دون أن تطلب «ثمنًا سياديًا» من السودان. وهو ما يفسر لماذا سبقت زيارة البرهان للقاهرة أي تحركات باتجاه عواصم أخرى.
داخل قصر الاتحادية، لم تُدار جلسات تقليدية. ووفق تقديرات دوائر دبلوماسية مطلعة، فإن اللقاء اتخذ طابعًا أقرب إلى مجلس إدارة حرب، طُرحت فيه أسئلة من النوع الذي لا يُسأل إلا حين تكون الدولة على حافة الانهيار:
ماذا لو انهارت المؤسسة العسكرية؟ ماذا لو فُرضت حوكمة موازية؟ ماذا لو تحولت دارفور إلى دولة أمر واقع؟ وماذا لو استُخدم السودان كورقة ضغط على مصر في ملف النيل؟
سلطتان وحكومتان: شبح «النموذج الليبي» يقترب من الجنوب
بورتسودان مقابل نيالا… حين تنقسم الشرعية
أكثر ما أقلق القاهرة لم يكن فقط استمرار الحرب، بل تطبيع الانقسام. فالتاريخ القريب، من ليبيا إلى اليمن، يعلّم أن أخطر مراحل الصراع هي تلك التي تتحول فيها خطوط التماس العسكرية إلى حدود سياسية غير معلنة.
في السودان، بات المشهد ينذر بذلك بوضوح. سلطة مركزية تدّعي الشرعية الدولية وتتمركز في بورتسودان، وسلطة أمر واقع تفرض نفوذها في دارفور وأجزاء واسعة من الغرب والجنوب، وتنسج علاقات إقليمية واقتصادية منفصلة. هذا السيناريو، إن اكتمل، يعني عمليًا ولادة دولة سودانية منقوصة، أو دول متعددة داخل كيان واحد.
بالنسبة لمصر، فإن تكرار «النموذج الليبي» جنوبًا ليس مجرد فشل دبلوماسي، بل تهديد استراتيجي مباشر. فحدود طويلة مفتوحة، وتدفقات سلاح، ومليشيات عابرة للدول، وأقاليم قد تتحول إلى منصات ضغط في ملفات إقليمية حساسة..
داخل الاتحادية: ماذا طلب البرهان فعليًا؟
طلبات تتجاوز السلاح… إلى مفهوم الشراكة الوجودية
بعيدًا عن البيانات الرسمية، يمكن تلخيص ما طُرح على الطاولة في أربعة محاور رئيسية:
أولًا: دعم عسكري نوعي
لم يكن الحديث عن جيوش تتحرك أو قوات تُرسل، بل عن قدرات: مسيّرات، أنظمة مراقبة، دعم لوجستي، وتدريب نوعي يعيد التوازن في معركة باتت تُدار بالتكنولوجيا لا بالكثرة العددية.
ثانيًا: معلومات استخباراتية
في حروب التفكك، المعلومة تسبق الرصاصة. البرهان طلب ما يتيح للجيش السوداني فهم شبكة الإمداد، وتحركات الفاعلين الإقليميين، وخطوط التمويل، وهو ملف تمتلك فيه القاهرة خبرة واسعة.
ثالثًا: غطاء دبلوماسي
في ظل ضغوط دولية متزايدة، تحتاج الخرطوم – أو ما تبقى منها – إلى دولة قادرة على التحدث باسمها في المحافل الدولية، وعرقلة محاولات شرعنة الكيانات الموازية. وهنا تبرز مصر بثقلها في الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي.
رابعًا: شريان اقتصادي
الحرب لا تُدار بالسلاح فقط. الوقود، الغذاء، العملة، والتجارة كلها عناصر بقاء. والرهان كان على أن تكون مصر بوابة تنفس اقتصادية، لا مجرد داعم عسكري.
عقيدة «الخطوط الحمراء»: متى تقول القاهرة كفى؟
أربع دوائر ممنوع الاقتراب
من داخل هذا السياق، تبلورت ما يمكن وصفه بـ عقيدة الخطوط الحمراء المصرية تجاه السودان، وهي عقيدة غير معلنة رسميًا، لكنها باتت واضحة في السلوك السياسي.
1. وحدة الأراضي السودانية
أي مسار يُفضي إلى تقسيم فعلي أو قانوني للسودان يُعد خطًا أحمر. القاهرة لا ترى في التقسيم حلًا، بل مدخلًا لفوضى دائمة.
2. بقاء مؤسسات الدولة
انهيار الجيش أو تفكك الأجهزة السيادية يعني عمليًا ولادة دولة فاشلة على حدود مصر.
3. رفض الحوكمة الموازية
الاعتراف بأي كيان بديل، ولو تحت مسمى إنساني أو إداري، مرفوض مصريًا، لأنه يُكرّس الانقسام.
4. ربط أمن البلدين
الرسالة واضحة: أمن السودان جزء من أمن مصر، وأي تهديد وجودي هناك سينعكس حتمًا هنا.
اتفاقية 15 يوليو 1976: الورقة التي عادت من الأرشيف
كيف يتحول نص قديم إلى غطاء قانوني معاصر؟
وسط هذا التصعيد، عادت إلى الواجهة اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان الموقعة في 15 يوليو 1976، والتي تنص صراحة على حق التدخل المشترك في حال تعرض أحد البلدين لتهديد يهدد أمنه القومي.
هذه الاتفاقية، التي طالما وُضعت في خانة «النصوص الرمزية»، باتت اليوم غطاءً قانونيًا محتملًا لأي تحرك مصري، بشرط واحد: أن يتم بدعوة من الحكومة الشرعية.
للاطلاع على نصوص الاتفاقيات الدفاعية العربية المشابهة يمكن الرجوع إلى:
https://www.arabicdefense.com
https://www.aljazeera.net (قسم الوثائق والتحليل)
أول رد عملي: قافلة طبية ورسالة سياسية
لماذا كانت الإشارة قبل الفعل؟
اختارت القاهرة أن يكون أول تحرك علني قافلة طبية وإنسانية، وهو تحرك يحمل في طياته أكثر من رسالة: دعم مباشر للشعب السوداني، تأكيد على التعامل مع سلطة واحدة، وتلميح واضح بأن مصر حاضرة على الأرض… ولكن بخطوات محسوبة.
في عالم السياسة، لا تُقاس الرسائل بحجمها بل بتوقيتها. والقاهرة أرادت أن تقول بوضوح: نحن هنا… ونملك خيارات أعلى إن لزم الأمر.
سلم التصعيد: من الدعم إلى القرار المصيري
كيف تفكر القاهرة خطوة بخطوة؟
التحليل الواقعي يشير إلى أن مصر تعتمد سلم تصعيد متدرج:
- المرحلة الأولى: دعم استخباراتي ولوجستي غير معلن.
- المرحلة الثانية: دعم عسكري نوعي محدود.
- المرحلة الثالثة: تدخل مباشر مشروط بانهيار الدولة وطلب رسمي.
هذا النهج يتيح للقاهرة التحرك دون الانجرار إلى مستنقع مفتوح، ويمنحها هامش مناورة سياسي دولي.
إثيوبيا وسد النهضة: «نظارة النيل» في قراءة المشهد
لماذا تخشى مصر سودانًا متفككًا؟
لا يمكن فصل الموقف المصري من السودان عن ملف سد النهضة الإثيوبي. فالسودان الموحد – تاريخيًا – كان عنصر توازن في معادلة النيل. أما السودان المنقسم أو المنهك، فقد يتحول إلى خاصرة رخوة تستغلها أديس أبابا.
مصر تخشى ببساطة أن تجد نفسها في مواجهة إثيوبيا دون عمق سوداني داعم، أو أسوأ من ذلك: سودان متفكك تتعدد فيه المواقف من قضية وجودية كالمياه.
لمزيد من الخلفية حول ملف السد:
https://www.bbc.com/arabic
https://carnegieendowment.org (قسم القرن الإفريقي)
واشنطن بعد عودة ترامب: دبلوماسية الصفقات وشروط صعبة
«نعم… ولكن»
مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، عادت دبلوماسية الصفقات إلى الواجهة. واشنطن لا ترى في السودان قضية أخلاقية بقدر ما تراه ملف مصالح: أمن البحر الأحمر، النفوذ الروسي، وموازنة أدوار الخليج.
العرض الأمريكي – وفق تسريبات – يقوم على دعم مشروط للجيش السوداني مقابل تنازلات سياسية، وهو ما يضع القاهرة أمام معادلة معقدة: دعم الحليف دون الاصطدام المباشر بواشنطن.
تحليل أعمق للدور الأمريكي متاح عبر:
https://www.foreignaffairs.com
https://www.almonitor.com
البحر الأحمر وروسيا: لماذا أصبحت بورتسودان نقطة اشتعال؟
صراع نفوذ لا يحتمل الفراغ
في خلفية كل ذلك، يقف البحر الأحمر كلاعب صامت. القواعد، الموانئ، وخطوط التجارة العالمية جعلت من بورتسودان نقطة جذب لقوى كبرى، من روسيا إلى قوى إقليمية تسعى لملء الفراغ.
بالنسبة لمصر، فإن فقدان السيطرة الاستراتيجية على هذا الممر يعني إعادة رسم خرائط الأمن القومي من الصفر.
الخاتمة: هل تقترب لحظة القرار؟
حين لا يعود الحياد خيارًا
السودان اليوم ليس مجرد ساحة حرب داخلية، بل مفتاح لمعادلات الأمن في وادي النيل والبحر الأحمر والقرن الإفريقي. ومصر، التي حاولت طويلًا إدارة الأزمة بأدوات دبلوماسية هادئة، تجد نفسها الآن أمام اختبار صعب: إما أن تحمي خطوطها الحُمر، أو تترك الأحداث تفرض واقعًا جديدًا لا يخدم أحدًا.
ما جرى في 18 ديسمبر 2025 لم يكن نهاية القصة، بل بدايتها الحقيقية. والسؤال الذي يبقى معلقًا: متى تقرر القاهرة أن الخط قد كُسر؟
مصادر وقراءات إضافية
- https://www.aljazeera.net
- https://www.bbc.com/arabic
- https://www.foreignaffairs.com
- https://www.almonitor.com
- https://carnegieendowment.org
إقرأ أيضًا:
"ملفات جيفري إبستين: ما الأسرار التي قد تغيّر المشهد السياسي الأمريكي وتضع ترامب في مأزق؟"
هل أصبح الغاز الإسرائيلي ورقة ضغط سياسية على القاهرة وأوروبا؟
غزة في قلب صفقة الشرق الأوسط: لماذا تضغط واشنطن؟ وما شروط مصر الحقيقية؟

تعليقات
إرسال تعليق