الفاشر مدينة الأشباح: كيف حوّلت ميليشيا الدعم السريع دارفور إلى جحيم إنساني وصراع جيوسياسي صامت (El-Fasher: The Ghost City — How Sudan’s Rapid Support Forces Turned Darfur into a Humanitarian Hell and a Silent Geopolitical Battlefield)
ميليشيا الدعم السريع تحوّل الفاشر إلى مدينة أشباح: نزوح، إبادة وصمت دولي قاتل
(Rapid Support Forces Turn El-Fasher into a Ghost City: Exodus, Genocide, and Deadly Silence)
تقرير تحليلي حصري يكشف الكارثة الإنسانية في مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، حيث تحاصر ميليشيا الدعم السريع مئات الآلاف من المدنيين وسط انهيار تام للخدمات الطبية والغذائية. يقدّم المقال قراءة سياسية وجيوسياسية معمّقة تربط بين حرب السودان الداخلية، وتدخل القوى الإقليمية والدولية، وصمت الأمم المتحدة. كما يناقش تطور الدعم السريع من قوة شبه نظامية إلى دولة داخل الدولة، وتأثير الحرب على مستقبل السودان ووحدة أراضيه.
تحليل سياسي شامل يشرح كيف حوّلت ميليشيا الدعم السريع مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، إلى مدينة أشباح عبر حصار دموي وجرائم ضد المدنيين. المقال يربط بين الصراع السوداني الإقليمي، ودور القوى الدولية، وتحركات الجيش السوداني، مع تحليل لجذور الحرب وتأثيرها على مستقبل السودان ووحدة أراضيه،
تعيش مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور في غرب السودان، واحدة من أكثر لحظات تاريخها قتامة.
في الوقت الذي كانت فيه دارفور تُعرف قبل عقدين بأنها أرض الثقافة والتنوع، تحوّلت اليوم إلى مسرح حرب إبادة تقودها ميليشيا الدعم السريع (Rapid Support Forces – RSF) بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، ضد المدنيين العزّل، وسط تواطؤ دولي وصمت أممي يثير تساؤلات حول مستقبل السودان ككيان سياسي موحّد.
الفاشر.. المدينة التي كانت تنبض بالحياة
قبل اندلاع الحرب الأخيرة، كانت الفاشر مركزًا تجاريًا نابضًا، ومقرًّا لبعثات الأمم المتحدة، ونقطة تلاقي للقبائل السودانية.
اليوم، تحوّلت إلى مدينة أشباح (Ghost City)، بعد أن فُرض عليها حصار خانق منذ أكثر من عام، قطعت خلاله الميليشيا طرق الإمداد، ومنعت دخول الغذاء والدواء، مما أدّى إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة.
المشهد في شوارع الفاشر اليوم يوحي بالخراب الكامل:
-
مبانٍ مهدّمة،
-
جثث متناثرة،
-
مستشفيات مدمّرة،
-
وأصوات الرصاص لا تنقطع.
وفقًا لتقارير هيومن رايتس ووتش, ارتكبت قوات الدعم السريع "انتهاكات ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية".
الدعم السريع — من "حرس حدود" إلى ميليشيا خارجة عن السيطرة
نشأت قوات الدعم السريع (RSF) عام 2013 بمرسوم من نظام البشير، كقوة موازية للجيش لمحاربة المتمرّدين في دارفور.
لكنها سرعان ما تحوّلت إلى ذراع اقتصادية وعسكرية مستقلة تسيطر على مناجم الذهب وشبكات تهريب تمتد إلى ليبيا وتشاد.
بالإنجليزية:
The RSF evolved from a counterinsurgency militia into a state-within-a-state — an armed empire with its own command, economy, and foreign sponsors.
اليوم، باتت هذه القوة تمارس سيادتها في مناطق عدة، تفرض الضرائب، وتحتجز المدنيين، وتدير شبكات تجارة السلاح والبشر.
الفاشر في قبضة الحديد والنار
منذ مطلع عام 2024، شنّت ميليشيا الدعم السريع هجومًا واسعًا على مدينة الفاشر، محاصرة نحو مليون ونصف مدني.
بحسب تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA),
فإن “الوضع في الفاشر خرج عن السيطرة بالكامل، مع انهيار المنظومة الطبية ونفاد الغذاء والمياه”.
المدينة اليوم مقطوعة عن العالم، ولا يُسمح بدخول المساعدات.
قوافل الإغاثة التي حاولت العبور من نيالا والأبيض تمّت مهاجمتها، فيما استُهدفت سيارات الإسعاف بالقصف المباشر.
النزوح الجماعي — كارثة القرن الإفريقي الجديدة
بلغ عدد النازحين من شمال دارفور أكثر من 700 ألف شخص خلال الشهور الأخيرة فقط، وفق تقديرات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR).
اللاجئون تدفقوا إلى تشاد وجنوب السودان في ظروف قاسية، حيث يموت العشرات يوميًا بسبب الجوع والحرارة والمرض.
This is not just displacement — it’s a demographic erasure.
(ليست مجرد موجة نزوح، بل محو ديموغرافي متعمّد).
تقارير المنظمات الحقوقية تتحدث عن استهداف منظم لقبائل الفور والزغاوة والمساليت، في ما يشبه تكرارًا لمجازر دارفور عام 2003، حين قُتل نحو 300 ألف شخص.
الجيش السوداني بين العجز والمراوغة
في مواجهة هذا الجحيم، يظهر الجيش السوداني (Sudanese Armed Forces – SAF) عاجزًا عن حماية المدنيين في دارفور.
رغم أن الفاشر هي آخر مدينة رئيسية تحت سيطرة الجيش في الإقليم، فإن قواته تعاني من ضعف في الإمداد والانقسام الداخلي.
تسري تقارير عن صراعات داخل القيادة العسكرية بين الفريق عبدالفتاح البرهان وعدد من الضباط حول استراتيجية المواجهة، بينما يركّز الجيش على معارك الخرطوم والجزيرة أكثر من إنقاذ الفاشر.
“الفاشر تُركت لتواجه مصيرها”، هكذا وصفت صحيفة نيويورك تايمز الموقف في تقريرها الأخير.
البعد الإقليمي — تشاد وليبيا وملف الحدود الملتهب
تمتد أبعاد الأزمة إلى ما وراء حدود السودان.
فميليشيا الدعم السريع تتلقى دعمًا لوجستيًا من تجار السلاح في جنوب ليبيا وشركات أمنية في الإمارات، وفقًا لتقارير BBC Africa Eye.
كما أن تشاد، التي تستضيف أكثر من نصف مليون لاجئ سوداني، بدأت تشكو من انفلات أمني على حدودها الشرقية.
بعض الفصائل المتمردة داخل تشاد أعلنت دعمها غير المباشر للدعم السريع، ما يهدد بامتداد الحرب عبر الحدود الإقليمية — ما يُعرف في دراسات النزاعات بـ "Cross-border Conflict Spillover".
الفاشر في عيون العالم — صمت وتواطؤ
رغم فداحة ما يجري، فإن رد الفعل الدولي يكاد يكون منعدمًا.
مجلس الأمن فشل في إصدار قرار ملزم لوقف إطلاق النار، والاتحاد الأفريقي اكتفى ببيانات “قلق عميق”.
بينما تواصل بعض الدول الغربية التعامل مع الدعم السريع كمكوّن سياسي يمكن التفاوض معه.
International silence has become complicity.
الصمت الدولي تحوّل إلى تواطؤ فعلي مع القتلة.
في المقابل، تبقى المساعدات الإنسانية رهينة للبيروقراطية والفيتو الجيوسياسي، حيث تتصارع الدول على النفوذ في القرن الإفريقي أكثر مما تسعى لإنقاذ الأرواح.
مستقبل دارفور والسودان الموحّد
كل المؤشرات تُظهر أن السودان يتجه نحو تفكك جغرافي وسياسي غير مسبوق.
ففي الوقت الذي يترسّخ فيه نفوذ الدعم السريع في الغرب، يواجه الجيش ضغوطًا من حركات الشرق، فيما تعيش مناطق الجنوب حالة شبه انفصال.
The Sudanese crisis is no longer a civil war — it’s a controlled disintegration.
الأزمة السودانية لم تعد حربًا أهلية، بل تفكيكًا مُدارًا بعناية.
الفاشر، في هذا السياق، تمثّل “الرمز الأخير لوحدة دارفور”.
سقوطها يعني انهيار آخر جدار للدولة السودانية في غربها، وتحول البلاد إلى كانتونات قبلية مسلحة تديرها الميليشيات.
دروس من التاريخ — من رواندا إلى الفاشر
التاريخ يعيد نفسه.
في رواندا 1994، تجاهل العالم المجازر حتى سقط مليون إنسان.
واليوم، في دارفور 2025، يتكرر المشهد ذاته، بلغة جديدة وأسماء مختلفة.
Genocide doesn’t happen overnight — it’s a process built on impunity.
الإبادة لا تحدث فجأة، بل تُبنى تدريجيًا على الإفلات من العقاب.
الفاشر اليوم ليست مجرد مدينة، بل مرآة تُظهر مدى عجز النظام الدولي عن حماية المدنيين حين تتحول الجريمة إلى “سياسة”.
التحليل الختامي:
ما يحدث في الفاشر ليس معركة محلية بين قوتين متنازعتين، بل نقطة تحوّل في ميزان القوة الإقليمي في إفريقيا.
إن استمرار الحرب بهذا الشكل، مع انهيار النظام الإنساني، يفتح الباب أمام سيناريوهات كارثية:
-
تفكك السودان إلى مناطق نفوذ تشبه ليبيا بعد 2011.
-
بروز أمراء حرب يسيطرون على الموارد الطبيعية.
-
تصاعد التدخل الخارجي تحت غطاء “المساعدات الإنسانية المسلحة” (Humanitarian Military Intervention).
الحل لا يكمن في بيانات الأمم المتحدة، بل في مشروع وطني سوداني جامع يعيد تعريف الدولة على أسس المواطنة والعدالة، لا على منطق السلاح والقبيلة.
رسالة الفاشر إلى العالم
“لا نحتاج تعاطفكم، نحتاج فقط أن توقفوا من يقتلنا.”
بهذه العبارة التي كتبها أحد الناجين على جدار مدرسة مهدّمة في الفاشر، تُختصر مأساة السودان الحديث.
لقد صارت المدينة رمزًا ليس فقط للمعاناة، بل للإصرار على البقاء رغم الجوع والخراب.
وستبقى الفاشر — مهما طال الليل — جرحًا مفتوحًا في ضمير الإنسانية.
إعداد وتحليل:
محمد حسانين – مدونة THOUGHTS
(Political & Regional Affairs Analyst – Sudan Crisis)
مصادر موثوقة مضمّنة داخل النص:
مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)
مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين
نيويورك تايمز – تقرير دارفور
BBC Africa Eye
اقراء أيضا :

تعليقات
إرسال تعليق