من سقوط الفاشر إلى ميلاد "دولة حميدتي": اليوم الذي انهارت فيه دولة السودان وبدأت خريطة جديدة للشرق الإفريقي!

من "الجيش المنسحب" إلى "الخريطة الجديدة": اليوم الذي انتهت فيه دولة السودان!

في 26 أكتوبر 2025، انسحب آخر لواء من الجيش السوداني من مدينة الفاشر، معلنًا نهاية الدولة المركزية في الغرب وبداية مرحلة جديدة يقودها محمد حمدان دقلو (حميدتي). كيف تحولت دارفور من حصار طويل إلى ولادة دولة موازية تُعرف بـ«دولة الدعم السريع»؟ وما سر التزامن المريب بين سقوط الفاشر وهدوء غزة؟ تقرير تحليلي شامل يكشف خفايا الانقسام السوداني، وأسرار الدعم الخارجي، ومخاطر الكيان الجديد على الأمن القومي المصري والقرن الإفريقي. اقرأ التحليل الكامل بالروابط الموثوقة من BBC، الجزيرة، رويترز، DW، وBloomberg — واكتشف اليوم الذي انتهت فيه دولة السودان وبدأت خريطة الشرق الأوسط تتبدّل أمام أعيننا.

اليوم الذي انتهت فيه دولة السودان!

في 26 أكتوبر 2025، استيقظت دارفور على مشهد يشبه النهاية أكثر مما يشبه الحرب.
آخر ألوية الجيش السوداني انسحب من مدينة الفاشر، تاركًا خلفه أطلال دولةٍ كانت تمتد يومًا من حلايب إلى الجنينة.
لم يكن الانسحاب مجرّد خطوة تكتيكية أو إعادة تموضع كما وصفته القيادة في بورتسودان، بل كان إعلان وفاة رسميًا لدولة السودان القديمة.

من الفاشر بدأت النهاية

الفاشر، عاصمة شمال دارفور، لم تكن مجرد مدينة عادية.
كانت آخر رمز لسلطة الدولة في الغرب، وآخر خيط يربط دارفور بالمركز.
لكن مع انسحاب آخر لواء من الجيش في الساعات الأولى من يوم 26 أكتوبر، تحولت الفاشر إلى مسرح إعلان ميلاد كيان جديد — دولة الأمر الواقع التي تُعرف اليوم في الإعلام الغربي باسم "دولة الدعم السريع".

تقارير منظمات حقوق الإنسان مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية أكدت أن الحصار الذي فُرض على المدينة لعدة أشهر لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل استراتيجية ممنهجة لتجويع السكان ودفع القوات الحكومية إلى الاستسلام دون قتال.
خطة محكمة صاغها محمد حمدان دقلو (حميدتي)، لم تعتمد على المعارك المفتوحة بقدر ما اعتمدت على الخنق الاقتصادي والإنساني.


خطة حميدتي.. الحصار بدل الحرب

منذ بداية عام 2025، بدأ واضحًا أن حميدتي لم يعد يفكر كقائد ميليشيا، بل كرجل دولة يصنع خريطته الخاصة.
أدرك أن السيطرة على دارفور لن تتحقق بالدبابات، بل بالحصار، وقطع الإمدادات، وإغلاق الطرق المؤدية إلى الفاشر والجنينة ونيالا.
وبالفعل، بحسب تقارير رويترز، فرضت قوات الدعم السريع طوقًا خانقًا حول المدينة، ومنعت وصول الغذاء والدواء، حتى أصبح الخبز سلعة نادرة تباع بأضعاف سعرها.

وفي خضم هذا الجوع، سقطت الفاشر دون قتال.
لكن سقوطها لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل تحول استراتيجي في طبيعة الصراع.
فبينما كانت الحكومة في بورتسودان تتحدث عن "انسحاب منظم"، كان حميدتي يحتفل بـ"تحرير الغرب".


المجزرة الكبرى.. حين صار الرعب أداة حكم

بعد دخول قوات الدعم السريع إلى المدينة، وقعت سلسلة من المجازر الموثقة بالفيديو والصور.
منظمة الأمم المتحدة تحدثت عن أكثر من 2500 قتيل خلال أسبوع واحد، معظمهم من المدنيين.
تقارير بي بي سي وصفت ما جرى بأنه "أعنف عملية تطهير عرقي منذ بداية الحرب الأهلية السودانية في 2023".

في حيّ "أبو شوك" وحده، تم إعدام عشرات من الضباط الحكوميين بعد أن رفضوا الانضمام إلى قوات الدعم السريع.
وفي حيّ "الطينة"، تم تهجير أكثر من 30 ألف مدني خلال ثلاثة أيام فقط.
المشهد كان جحيمًا مفتوحًا، لكن الأغرب أن المجتمع الدولي اكتفى ببيانات القلق.

تهجير وتطهير عرقي ممنهج

تحليل نشرته Foreign Policy أشار إلى أن واشنطن وبروكسل كانتا تراقبان الموقف بصمت، وأن بعض الدول الغربية ترى في حميدتي زعيمًا واقعيًا يمكن التعامل معه، تمامًا كما حدث سابقًا مع أمراء الحرب في ليبيا وأفغانستان.


ولادة الدولة الجديدة في الغرب

في يوم 29 أكتوبر، وبعد ثلاثة أيام من انسحاب الجيش، أعلن شقيق حميدتي، عبدالرحيم دقلو، عن تأسيس كيان سياسي جديد تحت اسم "حكومة السلام والوحدة"، مقرها مدينة نيالا.
أصدرت الحكومة بيانًا رسميًا عبر قناة Africa News أكدت فيه أنها "تمثل إرادة الشعب في دارفور وكردفان"، وأنها ستعمل على "إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة".

هكذا ولدت "دولة الدعم السريع".
جيشها هو الميليشيا نفسها، عملتها تعتمد على الذهب، واقتصادها يقوم على تجارة الحدود والذهب المهرب من جبل عامر.
ومن اللافت أن منظمات الإغاثة مثل برنامج الغذاء العالمي بدأت تتعامل مع هذه الحكومة الجديدة كسلطة أمر واقع.

في المقابل، ظلت حكومة الفريق عبدالفتاح البرهان في بورتسودان تحاول الحفاظ على ما تبقى من "السودان الرسمي"، لكن من دون سيطرة فعلية على نصف البلاد.


خريطة الانقسام.. دولتان داخل دولة

بحلول نوفمبر 2025، أصبحت الخريطة السودانية مقسومة بوضوح بين شرق وغرب:

  • الشرق: تحت سيطرة الجيش، بقيادة البرهان، ويحظى بدعم مصري–إماراتي محدود.
  • الغرب: تحت هيمنة قوات الدعم السريع، التي تدير حكومتها الخاصة وتمارس سلطة كاملة على دارفور وكردفان.

الصحيفة البريطانية The Guardian نشرت خريطة توضح كيف تحولت دارفور إلى نواة كيان مستقل فعليًا.
المفارقة أن هذا التقسيم الجديد لم يكن طائفيًا أو دينيًا، بل عرقيًا وجغرافيًا داخل المجتمع السوداني نفسه، ما يجعل احتمالات إعادة الوحدة شبه مستحيلة.


التزامن المريب بين تهدئة غزة وانفجار دارفور

اللافت أن انهيار الفاشر جاء في نفس الأسبوع الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة ومصر وقطر عن هدنة مفاجئة في غزة.
تحليل نشرته الجزيرة نت أشار إلى أن هذا التزامن ليس مصادفة.
ففي حين تم إيقاف التصعيد في شمال الشرق الأوسط، كان الغرب الإفريقي يُترك ليتفجر من الداخل.

بعض المراقبين يرون أن الفراغ الجيوسياسي في دارفور يخدم أطرافًا دولية تسعى لتقليص نفوذ مصر والسودان في العمق الإفريقي.
وبينما كانت الأنظار متجهة إلى غزة، كانت خريطة القرن الإفريقي تُعاد رسمها بهدوء.


مصر والحدود المشتعلة — التهديد القادم من الجنوب

التحول في دارفور لم يكن مجرد أزمة سودانية داخلية، بل تهديد مباشر للأمن القومي المصري.
فـ"دولة الدعم السريع" الجديدة تمتد حدودها حتى جنوب ليبيا وغرب جنوب السودان، أي على مقربة من مثلث الحدود المصرية–الليبية–السودانية.

تقرير لموقع DW الألماني حذّر من أن تحوّل دارفور إلى منطقة نفوذ غير مستقرة قد يجعلها منطلقًا لتهريب السلاح والبشر نحو مصر، خصوصًا في ظل غياب أي سلطة مركزية.
كما تحدث مصدر دبلوماسي مصري لصحيفة الأهرام عن "خطر حقيقي يتمثل في إقامة كيان مدعوم خارجيًا قرب حدود مصر الجنوبية".

وتشير تحليلات مراكز مثل Carnegie Middle East Center إلى أن القاهرة قد تجد نفسها مضطرة للتدخل غير المباشر في السودان للحفاظ على أمنها المائي والبري.


الذهب.. شريان الحياة في دولة حميدتي

اقتصاد "دولة الدعم السريع" الجديدة يقوم على الذهب أولًا، ثم السلاح ثانيًا.
تُقدّر تقارير Bloomberg أن حميدتي يسيطر على أكثر من 70% من مناجم الذهب في دارفور، ويصدر جزءًا منها إلى الإمارات عبر وسطاء.
هذا الذهب هو ما يموّل الحرب، ويضمن استمرار سلطته.

وبينما يعاني ملايين السودانيين من المجاعة، تُبنى قصور جديدة في نيالا والفاشر لصالح قيادات الدعم السريع.
حتى منظمات الأمم المتحدة اعترفت بأن دارفور باتت “اقتصادًا موازياً” منفصلًا عن بقية السودان.


المجتمع الدولي.. تواطؤ بالصمت

من المثير للدهشة أن مجلس الأمن الدولي لم يصدر حتى أكتوبر 2025 أي قرار ملزم بشأن دارفور.
حتى بيان الإدانة الفرنسي–الأمريكي المشترك تم تعطيله بسبب تحفظات روسية وصينية.
وبينما يتحدث العالم عن أوكرانيا وغزة، يذوب السودان في الظل.

التحليل الذي نشرته The Atlantic يؤكد أن الغرب بات يتعامل مع تقسيم السودان كأمر واقع.
فبدلًا من محاولة إعادة توحيده، تركز واشنطن على احتواء الفوضى ومنع تمددها شمالًا نحو مصر والبحر الأحمر.


المشهد الإقليمي.. إعادة رسم القرن الإفريقي

انهيار الدولة السودانية لا يمكن فصله عن التنافس الدولي في القرن الإفريقي.
فبين النفوذ الإماراتي في بورتسودان، والطموح الروسي في القاعدة البحرية هناك، والتحرك التركي في الصومال، يبدو أن السودان تحول إلى لوحة شطرنج جيوسياسية.

تقارير Africa Intelligence تشير إلى أن بعض القوى الإقليمية ترى في "دولة الدعم السريع" فرصة لتعزيز نفوذها عبر دعم حميدتي ماليًا وعسكريًا.
وهذا يهدد بتحويل غرب السودان إلى نسخة جديدة من ليبيا بعد 2011.


السودان... الدولة التي انقسمت وهي تنزف

في النهاية، ما حدث في 26 أكتوبر 2025 لم يكن سقوط مدينة، بل نهاية مرحلة كاملة من التاريخ السوداني.
منذ الاستقلال عام 1956، لم يعرف السودان استقرارًا طويلًا، لكن هذه المرة الأمر مختلف:
فـ"الدولة" لم تعد موجودة إلا على الخرائط.

اليوم، هناك جيشان، وعلمان، وحكومتان، وشعب ممزق بين الولاءات والقبائل.
بين شرقٍ يحتمي ببورتسودان وغربٍ يحكمه الذهب والسلاح.


الختام — انسحاب أم ولادة جديدة؟

اليوم الذي انسحب فيه الجيش من الفاشر لم يكن مجرد نقطة نهاية، بل ربما نقطة بداية لشرق أوسط جديد يمتد من غزة حتى دارفور.
تلك اللحظة التي سكت فيها صوت الدولة وعلت فيها أصوات الميليشيات، كانت إعلانًا أن الخرائط التي نعرفها لم تعد ثابتة.

السودان اليوم ليس فقط مأساة إنسانية، بل مرآة تعكس تفكك النظام الإقليمي كله.
وربما، كما تقول BBC Africa في تقريرها الأخير، "ما بدأ في دارفور قد لا يتوقف عند حدود السودان".


✳️ مصادر موثوقة للإحالة:


اقرأ أيضا:

سقوط الفاشر وتهديد المطارات المصرية: القصة الكاملة لصعود حميدتي من قوافل دارفور إلى حافة الحرب مع القاهرة

العلاقات المصرية السعودية بين الجدل الإعلامي والتحولات الإقليمية: من الأوبرا إلى موازين القوة في الشرق الأوسط

"غزة بين التقسيم والصفقة: الكواليس السرّية للمقترح الأميركي–الإسرائيلي وسط الرفض العربي وخطر إعادة الاحتلال"

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اجتماع الجنرالات الأكبر في تاريخ البنتاغون: هل ينفجر العالم من أوكرانيا إلى تايوان والشرق الأوسط نحو حرب عالمية ثالثة؟"

تطبيق ياسين تي في على آيفون: رابط التحميل والمميزات الكاملة لمشاهدة المباريات

تحميل تطبيق ياسين Yacine tv اخر اصدار