السيد أحمد البدوي: قصة الولي الصالح من فاس إلى طنطا ومكانته في قلوب المصريين

السيد أحمد البدوي: التاريخ والرمز بين التصوف والمجتمع المصري.

يكشف هذا المقال التحليلي عن مكانة سيدي أحمد البدوي حيًّا وميتًا كما وردت في فتوى دار الإفتاء المصرية، ويغوص في البعد الديني والاجتماعي لشخصيته التي ما زالت تلهم المصريين بعد قرون من وفاته، جامعًا بين روح التصوف ومهابة العلم والقيادة الروحية في مصر.

يظلُّ اسم السيد أحمد البدوي من أكثر الأسماء حضورًا في الوجدان الشعبي والديني للمصريين، ليس فقط بوصفه أحد كبار الأولياء والصالحين، بل كرمزٍ للتصوف المصري الذي تَجذَّر في المجتمع عبر القرون. من فاس المغربية إلى طنطا المصرية، نسج البدوي رحلته الروحية والعلمية في سياقٍ تاريخي عميق، امتزج فيه الدين بالثقافة، والعلم بالروح، فصار أحد أبرز ملامح الهوية الدينية في وادي النيل.
واليوم، حين تُفتَح أبواب المولد الأحمدي كل عام، نجد أن ذكرى البدوي لا تزال توحِّد المصريين بكل أطيافهم، مؤكدين أن روح التصوف كانت دائمًا جسرًا بين الأرض والسماء، بين الناس وربهم، وبين الماضي والحاضر.

مسجد سيدي أحمد البدوي فى طنطا



نسب السيد أحمد البدوي ومولده في فاس

وُلد الولي الصالح السيد أحمد البدوي بن علي بن إبراهيم في مدينة فاس بالمغرب سنة 596هـ / 1200م تقريبًا، من أسرة شريفة تنتسب إلى آل البيت، إذ يتصل نسبه بالإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما. نشأ في بيت علمٍ وصلاح، حفظ القرآن الكريم في سنٍّ مبكرة، ودرس علوم الفقه والحديث واللغة، وكان ذا ميلٍ واضحٍ إلى العبادة والزهد منذ صغره.
وقد أكّد المؤرخون – ومنهم الشيخ عبدالوهاب الشعراني في “الطبقات الكبرى” – أن البدوي نشأ في بيئةٍ علميةٍ راسخة، حيث كان والده من العلماء العارفين بالله، فغرس فيه حبَّ العلم والتقوى.


رحلته إلى مكة المكرمة والتكوين الصوفي

بعد أن شبَّ السيد البدوي في فاس، قرر التوجه إلى مكة المكرمة طلبًا للعلم والعبادة، حيث أقام فيها عددًا من السنين، متفرغًا للعبادة ومجالسة العلماء والعارفين. هناك تأثر بشيوخ التصوف الكبار في القرن السابع الهجري، وتكوَّن لديه المنهج الروحي الذي جمع بين الزهد العملي والصفاء القلبي.
ويذكر المؤرخ علي باشا مبارك في “الخطط التوفيقية” أن البدوي كان كثير الصمت، دائم الذكر، يقيم الليالي في التهجد والمناجاة. ومن مكة بدأت تظهر عليه أنوار الولاية، حتى لقّبه معاصروه بـ“البدوي” نظرًا لتلفّعه دائمًا بعمامةٍ حمراء تشبه عمائم الأعراب.


وصوله إلى مصر واستقراره في طنطا

بعد إقامته بمكة، توجَّه السيد البدوي إلى مصر في عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب، واستقر أولًا في الإسكندرية، ثم انتقل إلى طنطا (طندتا كما كانت تُعرف آنذاك).
وبحسب ما ورد في المصادر التاريخية، دخل البدوي مصر فأحبه الناس لزهده وورعه، وذاع صيته بين العامة والخاصة، حتى أصبح بيته مقصدًا للعلماء والطلاب والفقراء.
وفي طنطا، عاش حياة الخلوة والعبادة، وكان يقيم في سطح أحد البيوت متفرغًا للذكر، حتى صار له أتباعٌ كُثر أسسوا فيما بعد الطريقة الأحمدية، وهي من أشهر الطرق الصوفية في مصر والعالم الإسلامي.


مكانته عند العلماء والأمراء

ذكرت دار الإفتاء المصرية في فتواها رقم 7023
أن السيد أحمد البدوي كان معظَّمًا عند العلماء والأمراء، مُهابًا عند الحكام والمحكومين، حتى إن الملك الظاهر بيبرس كان يستقبله ويكرمه، ويزوره بنفسه في طنطا.
وقد وصفه الإمام الشعراني بأنه “عارفٌ إمامٌ مقرئٌ فقيهٌ من كبار علماء الأمة”، بينما قال علي باشا مبارك إنه “كان في حياته معظَّمًا مُعتقَدًا عند الناس، محبوبًا فيهم، مشهورًا في الآفاق، تعلوه هيبة ووقار”.
وقد واصل خلفاؤه من مشايخ الطريقة الأحمدية مكانتهم الرفيعة في الدولة، فكانوا شفعاء مقبولين لدى السلاطين، وأصحاب كلمةٍ مسموعةٍ في زمنهم.


الأثر الاجتماعي والديني لمولده في العصر الحديث

يُعَدُّ مولد السيد أحمد البدوي من أقدم وأضخم الموالد في العالم الإسلامي، إذ يفد إليه الملايين من مختلف المحافظات المصرية، بل ومن العالم العربي.
يتحول مدينة طنطا خلال أسبوع المولد إلى ساحةٍ روحيةٍ كبرى، تمتزج فيها الروحانية الشعبية بالطقوس الصوفية، في مشهدٍ يُعبِّر عن عمق التدين المصري وارتباطه بالتراث.
ويُجمع الباحثون أن الاحتفاء بمولد البدوي لا يقتصر على كونه طقسًا دينيًا، بل هو ظاهرة اجتماعية واقتصادية وثقافية، تسهم في تنشيط السياحة الداخلية والتجارة الشعبية، وتؤكد أن التصوف ما زال أحد أعمدة الاستقرار الروحي في المجتمع المصري.


سيدي أحمد البدوي: الولي الذي جمع القلوب حيًّا وميتًا.

من طنطا إلى قلوب الناس

حين تُذكر مدينة طنطا، لا يخطر في البال سوى اسمٍ واحدٍ يملأ المكان والزمان بعبق الروحانية والكرامة: سيدي أحمد البدوي.
اسمٌ تجاوز حدود الزمان، ومقامٌ ظلّ على مدى قرونٍ مركز إشعاعٍ ديني واجتماعي وروحي.
ولأنّ الجدل لا يخلو حول أولياء الله الصالحين ومكانتهم، جاء بيان دار الإفتاء المصرية ليحسم المسألة ويوضح للناس حقيقة هذا الرجل الذي جمع حوله العلماء والملوك والعامة، حيًّا وميتًا.

في فتواها رقم 7023 بتاريخ 16 سبتمبر 2021، أجابت دار الإفتاء عن سؤالٍ حول مدى صحة القول بأن السيد البدوي كانت له مهابة ومكانة عند الأمراء والعلماء.
وجاءت الإجابة لتؤكد أن هذا الرجل لم يكن أسطورةً شعبية أو خرافةً متوارثة، بل إمامٌ عارفٌ مقرئٌ فقيهٌ من كبار علماء الأمة، أكرمه الله بالقبول في الأرض والهيبة في القلوب.


العالم الزاهد والعارف بالله

بحسب فتوى دار الإفتاء، فإن الإمام أحمد البدوي رضي الله عنه لم يكن مجرد متصوفٍ عاش في الزهد والعبادة، بل كان إمامًا فقيهًا مقرئًا من علماء الأمة.
وقد وُصف بأنه من الأولياء الذين كتب الله لهم القبول في الأرض، وهي منزلةٌ لا تُنال إلا بالتقوى والورع والعلم.

ويذكر المؤرخون – كما نقلت دار الإفتاء – أن البدوي جمع بين الهيبة العلمية والمهابة الروحية، فكان العلماء يجلّونه، والأمراء يتبركون برؤيته، والفقراء يرونه أبًا وسندًا، حتى صار اسمه عنوانًا للصفاء والبركة.


بيبرس والبدوي.. لقاء السلطان والولي

من أروع الشواهد التي أوردتها الفتوى ما نقله الإمام الشعراني في كتابه الطبقات الوسطى، إذ ذكر أن الملك الظاهر بيبرس – السلطان الشهير الذي وحّد مصر والشام وواجه التتار – كان يخرج بنفسه لاستقبال سيدي أحمد البدوي حين دخل مصر.
يقول الشعراني:

“خرج الملك الظاهر بيبرس أبو الفتوحات هو وعسكره فتلقوا سيدي أحمد، وأكرموه غاية الإكرام، وأنزله في دار الضيافة، وكان يعتقده اعتقادًا عظيمًا.”

إنها شهادةٌ بالغة الدلالة: سلطانٌ محاربٌ جسورٌ يقف أمام وليٍّ لله بكل تواضعٍ وإجلالٍ، في زمنٍ كان فيه العلم والتقوى عنوان القوة الحقيقية.
وقد نقل أيضًا علي باشا مبارك في كتابه الخطط التوفيقية أن بيبرس كان يبالغ في تعظيمه ويعتقد فيه الولاية، ما يدل على أن البدوي لم يكن مجرد شخصية روحية، بل رمزًا لتوازن القوة بين الدين والدولة في مصر المملوكية.


من بيبرس إلى قايتباي.. استمرارية الهيبة

لم تقف مهابة البدوي عند عصر بيبرس؛ بل امتدت حتى زمن السلطان الأشرف قايتباي، الذي كان – كما تؤكد الفتوى – يزور ضريحه في طنطا بنفسه، كما ورد في نيل الأمل في ذيل الدول.
هذا الاستمرار في توقير البدوي من قِبل الحكام المتعاقبين يثبت أن ولايته كانت أمرًا معترفًا به رسميًا وشعبيًا، لا مجرد تقليدٍ اجتماعي.


خلفاء البدوي ومكانتهم عند الحكام

تورد الفتوى كذلك أن خلفاء السيد البدوي – أي شيوخ الطريقة الأحمدية من بعده – كانوا أيضًا مقبولي الكلمة عند الحكام.
ويصف المؤرخ الغزي في الكواكب السائرة شيخ الأحمدية بدر الدين الصعيدي بأنه:

“كان مسموع الكلمة عند ملك الأمراء، يُقضى بشفاعته، وتُنفذ أمورٌ لا يقدر عليها غيره.”

وهذه شهادة تاريخية على أن الطرق الصوفية في مصر لم تكن هامشية، بل كانت قوةً ناعمة تمارس تأثيرًا اجتماعيًا وروحيًا معتبرًا، وتقوم بدور الوساطة بين الناس والسلطة.


البدوي في وجدان العلماء والعامة

بلغ من حب الناس للسيد البدوي أن العلماء أنفسهم سمّوا أبناءهم باسمه تيمنًا وتبركًا.
تذكر الفتوى أن العديد من كبار العلماء فعلوا ذلك، مثل:

  • العلامة الشنقيطي المجلسي الذي سمّى ابنه “أحمد البدوي الشنقيطي”.
  • المحدث محمد أبو النصر الخطيب الشافعي الذي سمّى ابنه “السيد أحمد البدوي شيخ العرب”.
  • الشيخ إبراهيم الظواهري إمام الجامع الأحمدي، الذي سمّى ابنه “محمد الأحمدي الظواهري”، والذي أصبح لاحقًا شيخ الأزهر.

وهذا دليل قاطع على أن حب البدوي لم يكن طقسًا شعبيًا فحسب، بل امتزج بالعلم والفقه والأزهر ذاته، حتى صار اسم البدوي جزءًا من الذاكرة الدينية لمصر.


طنطا.. مدينة السيد وأهله

لا يمكن الحديث عن البدوي دون ذكر طنطا، المدينة التي صارت بفضله قبلة للروحانيين والمحبين.
فيها الجامع الأحمدي، أحد أكبر مساجد مصر، وفيها يُقام مولد السيد البدوي كل عام، وهو من أضخم الموالد في العالم الإسلامي.
تجتمع فيه ملايين الزائرين من مختلف المحافظات والبلدان، في احتفالٍ دينيٍ واجتماعيٍ واقتصاديٍ يعكس عمق الارتباط بين المصريين وأوليائهم الصالحين.

🔹 ويكيبيديا – مولد السيد البدوي


الاحتفالات الحديثة بمولد السيد البدوي في طنطا

في السنوات الأخيرة، تحوّل مولد البدوي إلى حدثٍ وطنيٍ وثقافيٍ ترعاه الدولة رسميًا، ويشارك فيه الأزهر الشريف و**وزارة الأوقاف** لضمان الطابع الديني الصحيح والروحاني المنضبط.
ويُنظر إلى المولد اليوم باعتباره جسرًا بين التصوف الشعبي والإسلام الوسطي الذي تدعو إليه دار الإفتاء والأزهر معًا.

هذه العودة الرسمية للاعتراف بالتصوف الصحيح تمثل تحوّلًا إيجابيًا في فهم العلاقة بين الدولة والطرق الصوفية، خاصة في مواجهة التطرف والتيارات المنحرفة.


البدوي بين التاريخ والأسطورة

رغم ما ورد في كتب التاريخ الموثوقة، لا يزال البعض يخلط بين الكرامة والمعجزة، وبين الخرافة والواقع في سيرة السيد البدوي.
لكن فتوى دار الإفتاء كانت واضحة:

“هو وليٌّ من أولياء الله، إمامٌ فقيهٌ مقرئٌ من كبار العلماء، مُعتقد الولاية في حياته وبعد مماته.”

بهذا المعنى، فإن الإيمان بولايته لا يعني الغلو أو البدع، بل الاعتراف بمقام الصالحين كما ورد في القرآن الكريم:

{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62].


التصوف المصري.. مدرسة في الاعتدال

يُعد أحمد البدوي أحد أعمدة التصوف السني في مصر، والذي تميّز دائمًا بالوسطية والاعتدال.
فلم يكن تصوفه عزلة عن الحياة، بل كان تصوف عملٍ وإصلاحٍ وتربيةٍ.
وما زالت طريقته – الأحمدية – من أكبر الطرق التي حافظت على روح الإسلام الأخلاقية دون إفراطٍ أو تفريط.
وقد أكد الدكتور شوقي علام في عدة تصريحات أن الطرق الصوفية تمثل ركيزة أساسية في مواجهة الفكر المتشدد لأنها “تزرع في القلب حب الله والناس”.


البدوي في الذاكرة الوطنية

من اللافت أن شخصية أحمد البدوي لم تبقَ حبيسة التاريخ الديني، بل صارت رمزًا للهوية المصرية.
فهو ابن المغرب الذي احتضنته مصر، واحتضنها بدوره بحبٍّ لا يفنى.
ومن خلاله، تكرّست فكرة أن مصر كانت وستبقى أرض الأولياء والعلماء، حيث يلتقي الفقه بالروح، والعلم بالإيمان.


البدوي والعصر الحديث

في زمنٍ تتسارع فيه الحداثة ويبهت فيه الإيمان، تبقى سيرة البدوي رسالة صامتة في وجه المادية.
فهو نموذج للعالم الذي جمع بين العلم والروح، وبين التقوى والمهابة، وهو ما تحتاجه الأمة اليوم في ظل اضطراب القيم وغياب القدوة.

لماذا يبقى أحمد البدوي رمزًا مصريًا خالدًا؟

يبقى السر في خلود اسم سيدي أحمد البدوي أنه جسرٌ بين العلم والروح، بين الدين والوطن.
لم يكن وليًّا منعزلًا عن مجتمعه، بل كان حاضرًا في قلوب الناس وحياتهم، يُعلّمهم الأدب قبل العلم، والتواضع قبل العبادة.

أحمد البدوي ليس مجرد مقامٍ في طنطا، بل رمزٌ لروح مصر التي تعرف كيف تُجلّ علماؤها وتكرّم أولياءها دون غلوٍّ أو انحراف.
ولهذا لا يزال الملايين يرددون اسمه بلهجةٍ يختلط فيها الإيمان بالمحبة، والوفاء بالاعتزاز.

من فتاوى دار الإفتاء المصرية،
ومن صفحات التاريخ إلى ضوء الواقع الحديث، يبقى البدوي وليًّا في الذاكرة وضميرًا في الوجدان،
رمزًا خالدًا في رحلة الروح المصرية نحو الله.

من فاس إلى مكة، ومن مكة إلى طنطا، رسم السيد أحمد البدوي مسارًا فريدًا في تاريخ الروح الإسلامية، جمع بين العلم والزهد، بين الولاية والقيادة الروحية.
لقد استطاع أن يترك أثرًا خالدًا في الضمير الجمعي للمصريين، حتى صار اسمه عنوانًا للمحبة والوحدة والتسامح.
وفي زمنٍ تتسارع فيه التحولات الفكرية، يبقى ذكر البدوي تذكيرًا بأن الروحانية الأصيلة ليست انعزالًا عن الواقع، بل مشاركة في صنعه، وبأن مصر – أرض الأولياء والعلماء – ما زالت تحتفظ بنبضها الصوفي، الذي يجعلها قادرة على الموازنة بين العقل والإيمان، وبين الحداثة والتراث.


🔗 مصدر الفتوى:

دار الإفتاء المصرية – بيان مكانة سيدي أحمد البدوي حيًّا وميتًا

اقرأ أيضا:

سر اختفاء لغة المصريين القدماء وديانتهم: كيف انهارت أعظم حضارة في التاريخ؟

الملك فاروق، الحارس الشخصي للملك فاروق، ثورة يوليو 1952، يخت المحروسة، تنازل الملك فاروق عن العرش، محمد نجيب، شهادة عبد المنعم جنيد، قصر المنتزه، فاروق الأول، نهاية الملكية في مصر

قصص مؤثرة عن الرحمة النبوية


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اجتماع الجنرالات الأكبر في تاريخ البنتاغون: هل ينفجر العالم من أوكرانيا إلى تايوان والشرق الأوسط نحو حرب عالمية ثالثة؟"

تطبيق ياسين تي في على آيفون: رابط التحميل والمميزات الكاملة لمشاهدة المباريات

تحميل تطبيق ياسين Yacine tv اخر اصدار