"نتنياهو يُشعل غزة لإفشال قمة شرم الشيخ: كواليس مقتل صالح الجعفراوي ولقاء السيسي وترامب"
صالح الجعفراوي… نتنياهو يُفشل قمة شرم الشيخ لمنع لقاء السيسي وترامب؟
غزة تشتعل وشرم الشيخ على المحك
تزامن مقتل المؤثر الغزّي صالح الجعفراوي داخل حيّ الصبرة بمدينة غزة مع إعلان الرئاسة المصرية عن لقاء مرتقب بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الأمريكي دونالد ترامب على هامش قمة شرم الشيخ للسلام، ليعيد خلط الأوراق الإقليمية ويفتح الباب أمام سؤال كبير: هل جاء التصعيد في غزة صدفة، أم في سياق إقليمي مدروس يهدف إلى إفشال القمة ومنع اللقاء المصري–الأمريكي؟
ما جرى في القطاع لم يكن مجرد حادث محلي أو اشتباك عشائري، بل كشف عن طبقات من التوتر بين حركة حماس وفصائل وعائلات مسلّحة داخل غزة، أبرزها عائلة دغمش ذات التاريخ الطويل مع التنظيمات السلفية، وخصومها الذين يُوصَفون بأنهم "مناهضون لحماس" مثل ما يُعرف بـ"القوات الشعبية" بقيادة أبو شباب. في الوقت نفسه، كان العالم يتابع من شرم الشيخ كيف تحاول القاهرة إنقاذ ما تبقى من مسار التهدئة بين إسرائيل والفصائل، وسط ضغوط عربية وغربية متناقضة.
من إعلان اللقاء إلى تصاعد النار في غزة
عشية انطلاق قمة شرم الشيخ للسلام، التي دعت إليها القاهرة بمشاركة قادة عرب وغربيين لمناقشة مستقبل غزة بعد الحرب، أعلن المتحدث باسم رئاسة الجمهورية عن لقاء يجمع السيسي وترامب على هامش القمة، في أول مواجهة مباشرة بينهما منذ عودة ترامب إلى الساحة السياسية الأمريكية.
اللقاء، وفق تحليل موقع BBC Arabic، كان يُفترض أن يبعث برسالة مزدوجة: دعم القاهرة لدور واشنطن في إعادة إعمار غزة، وإعادة تثبيت مصر كوسيط رئيسي بعد تراجع دورها مؤقتًا لصالح قطر والولايات المتحدة خلال الأشهر الماضية.
لكنّ ساعات قليلة بعد الإعلان شهدت انفجار الوضع الميداني في غزة، تحديدًا في حيّ الصبرة، حيث أُعلن عن مقتل الناشط صالح الجعفراوي – وهو أحد أبرز وجوه الإعلام الميداني في القطاع، وصاحب حضور واسع على منصات التواصل الاجتماعي.
ماذا جرى في غزة؟ تفاصيل ليلة الصبرة
وفق تقارير محلية نقلتها العربية نت، بدأت الاشتباكات بمشادة بين مجموعات مسلحة تنتمي إلى عائلة دغمش وأخرى توصف بأنها من "القوات الشعبية" بزعامة أبو شباب، قبل أن تتطور إلى اشتباكات مسلحة عنيفة أُطلقت خلالها النيران بكثافة، ما أدى إلى مقتل الجعفراوي وعدد من المشاركين في المواجهة.
روايات شهود العيان تضاربت: فريق قال إن الجعفراوي حاول التوسط لوقف القتال، وآخرون أشاروا إلى أنه كان يصور الاشتباكات لحسابه على تيك توك ويوتيوب، قبل أن يصاب بطلق ناري. وفي ظل غياب رواية رسمية دقيقة، انتشرت تسجيلات مصورة غير موثقة عبر وسائل التواصل، زادت من حالة الغضب الشعبي والارتباك الأمني في القطاع.
صحيفة القدس العربي نقلت عن مصادر أمنية أن أجهزة الشرطة التابعة لحماس تدخلت لاحقًا لفرض حظر تجوّل في المنطقة وضبط بعض المشاركين، فيما تحدثت تقارير أخرى عن اختطاف ميداني لعدد من الأشخاص على خلفية الحادثة.
من هم دَغْمَش؟ الجذور والاشتباك القديم مع حماس
لكي نفهم خلفية ما جرى، يجب العودة إلى تاريخ عائلة دَغْمَش في غزة. فالعائلة التي تقطن حيّ الصبرة منذ عقود، كانت أحد مراكز القوة المسلحة في القطاع خلال فترة الفوضى التي أعقبت انسحاب إسرائيل عام 2005.
من رحمها خرج تنظيم "جيش الإسلام" بقيادة ممتاز دغمش، وهو فصيل سلفي تبنّى خطابًا متشددًا ودخل في تنسيق تكتيكي مع حماس ضد فتح بين عامي 2006 و2007، قبل أن تنقلب العلاقة إلى عداء دموي.
في عام 2007، أعلن "جيش الإسلام" مسؤوليته عن خطف الصحفي البريطاني آلان جونسون مراسل BBC في غزة، كما تورّط في عملية اختطاف صحفيي قناة فوكس نيوز. وقد دفعت هذه الأحداث حركة حماس إلى شنّ عملية أمنية عنيفة ضد التنظيم في حيّ الصبرة عام 2008، أسفرت عن مقتل عدد من عناصره وتفكيك بنيته التنظيمية.
منذ ذلك الحين، ظلّت العلاقة بين حماس ودغمش متوترة، تتأرجح بين "الاحتواء الحذر" و"الصدام الأمني"، خصوصًا أن العائلة تمتلك ترسانة سلاح محلية وشبكة نفوذ اجتماعي داخل غزة يصعب تجاوزها.
"القوات الشعبية/أبو شباب": وجه جديد لمعارضي حماس
في السنوات الأخيرة، برزت مجموعات محلية تحمل اسم "القوات الشعبية" بقيادة شخصية تُعرف باسم "أبو شباب"، تتبنى خطابًا ناقدًا لحماس وتتّهمها بـ"الفساد والاحتكار الأمني".
صحيفة تايمز أوف إسرائيل أشارت في تقرير سابق إلى أن هذه المجموعات لا تُعتبر تنظيمات رسمية، لكنها تُعبّر عن نقمة اجتماعية متزايدة بين بعض العائلات الغزية التي ترى أن حماس تحتكر الموارد والمساعدات.
اشتباكات الصبرة الأخيرة جاءت لتكشف مدى عمق الانقسام داخل القطاع، ليس فقط بين فصائل، بل بين شبكات مصالح عشائرية وأمنية تتنافس على النفوذ المحلي في ظل غياب أفق سياسي.
حماس وشرطة غزة… بين الاتهامات والبيانات
أصدرت وزارة الداخلية في غزة بيانًا مقتضبًا أكدت فيه "ملاحقة الجناة والمتورطين في الأحداث"، بينما تحدثت حسابات مقربة من حماس عن ضلوع عناصر خارجة عن القانون في الحادثة، ووصفت ما جرى بأنه "محاولة لإثارة الفتنة العشائرية".
في المقابل، انتشرت على شبكات التواصل بيانات مضادة تتّهم أجهزة الأمن في غزة بـ"تصفية حسابات سياسية"، بينما تحدّثت صفحات محلية عن اتهامات بسرقة مساعدات ومواد إغاثية خلال المواجهات.
وفق تقرير نشره موقع رويترز، تزايدت في الأشهر الأخيرة حوادث الاحتكاك بين سكان الأحياء المكتظة ومجموعات الأمن الداخلي، خصوصًا مع تراجع الإمدادات الإنسانية واستمرار الحصار.
الحرب الخفية على العشائر… إسرائيل في الخلفية
ليست هذه المرة الأولى التي تشهد فيها غزة اضطرابات عشائرية متزامنة مع تطورات سياسية كبرى. تقارير أمنية غربية، منها دراسة لـمجموعة الأزمات الدولية، تحدثت عن محاولات إسرائيلية لاستمالة بعض العشائر المحلية أثناء الحرب الأخيرة، من خلال قنوات اتصال غير مباشرة عبر وسطاء.
الهدف، وفق الدراسة، هو إضعاف قبضة حماس الأمنية وخلق بيئة داخلية قابلة للانقسام، بحيث يصعب على أي جهة فلسطينية فرض تهدئة مستقرة دون تفاهم مع إسرائيل.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن تفجير التناقضات العشائرية في غزة يخدم أطرافًا إقليمية لا ترغب في رؤية حماس مستقرة ولا في نجاح الوساطة المصرية.
القاهرة ومعادلة "تجميد السلاح" بدل "نزع السلاح"
منذ بداية مبادرات وقف إطلاق النار، كانت القاهرة واضحة في طرحها: "تجميد السلاح لا نزعه".
الطرح المصري الذي كشفت عنه صحيفة اليوم السابع يقوم على مبدأ أن الحل الواقعي لغزة لا يمكن أن يبدأ بنزع سلاح الفصائل، بل بتجميد استخدامه مقابل ترتيبات أمنية ورقابة ميدانية برعاية مصرية.
هذا الموقف لم يَرُق لبعض العواصم العربية التي كانت تفضّل "نهاية كاملة لحكم حماس"، معتبرة أن إبقاء الحركة ضمن المعادلة هو مكافأة على العنف. لكن القاهرة رأت العكس: أن إقصاء حماس بالقوة سيؤدي إلى انهيار أمني شامل على حدودها مع القطاع، ويفتح الباب أمام تنظيمات أكثر تطرفًا.
من هنا، كان اللقاء بين السيسي وترامب فرصة لتثبيت هذه الرؤية وتحصين الدور المصري من محاولات تهميشه.
الغضب العربي المكتوم ومحاولات العرقلة
وفق ما نقلته سكاي نيوز عربية، شهدت أروقة التحضير لقمة شرم الشيخ تباينًا في المواقف بين بعض الدول العربية المشاركة. فبينما دعمت دول مثل الأردن والسعودية الموقف المصري الداعي إلى تهدئة واقعية، عبّرت أطراف أخرى عن قلقها من أي تفاهم يُبقي حماس داخل المشهد.
تسريبات دبلوماسية تحدثت عن غضب إسرائيلي واضح من ترتيبات القمة، خاصة مع نية السيسي وترامب إعلان مبادرة مشتركة تتضمن "آلية مراقبة عربية" داخل غزة، وهو ما رآه نتنياهو تهديدًا مباشرًا لنفوذ تل أبيب في إدارة ما بعد الحرب.
بعض المحللين في موقع هآرتس ذهبوا أبعد من ذلك، معتبرين أن نتنياهو تعمّد تسريب معلومات عن الخلافات الفلسطينية الداخلية قبل القمة، بهدف التشويش على التحركات المصرية وإظهار غزة كمسرح للفوضى العشائرية لا يصلح للحلول السياسية.
هل فشل مسار شرم الشيخ قبل أن يبدأ؟
مع توالي الأحداث، بدت القاهرة أمام اختبار مزدوج: من جهة، التعامل مع التصعيد الداخلي في غزة دون أن تبدو منحازة لأي طرف؛ ومن جهة أخرى، إنقاذ قمة شرم الشيخ من الانهيار السياسي والإعلامي.
ورغم محاولات إسرائيل وبعض الأطراف الإقليمية إفشال القمة، تمسّكت مصر بجدول أعمالها، مؤكدة في تصريحات لوزير الخارجية أن ما جرى في غزة "لن يؤثر على المسار الدبلوماسي".
ومع ذلك، فإن الرمزية السياسية لاغتيال مؤثر معروف عشية القمة، جعلت كثيرين يتساءلون: هل كانت الرسالة موجهة للقاهرة؟
سيناريوهات ما بعد الجعفراوي
1. السيناريو الأول: نجاح مصري محدود
في هذا السيناريو، تنجح القاهرة في فرض تهدئة مؤقتة بغطاء أمريكي، مع بقاء الوضع الأمني في غزة هشًّا.
حماس تلتزم بوقف إطلاق النار لكنها ترفض أي رقابة دولية داخل القطاع. إسرائيل تقبل التهدئة لأنها تمنحها وقتًا لترميم جبهتها الشمالية، لكنها تواصل عملياتها الاستخباراتية في الداخل الفلسطيني.
2. السيناريو الثاني: ارتباك جديد في غزة
إذا تصاعدت الاشتباكات العشائرية وازدادت الانقسامات الداخلية، فسيكون من الصعب على أي طرف – مصري أو أمريكي – فرض استقرار طويل المدى.
في هذه الحالة، ستتكرّر ظاهرة "الفوضى المُدارة"، حيث تُترك غزة لتغلي داخليًا بينما تُدار مفاوضات شكلية في الخارج.
3. السيناريو الثالث: صفقة سياسية لاحقة
يرى بعض المحللين في موقع المونيتور أن ما يحدث الآن ليس سوى تمهيد لمعادلة أوسع، قد تتضمن "إعادة صياغة إدارة غزة" عبر مجلس أمني مشترك تشرف عليه مصر والولايات المتحدة وإسرائيل، بمشاركة رمزية من السلطة الفلسطينية.
قراءة في دوافع نتنياهو
يذهب عدد من المراقبين إلى أن نتنياهو – الذي يواجه انتقادات داخلية غير مسبوقة – وجد في أحداث غزة فرصة لتخفيف الضغط الدولي، وتحويل الأنظار عن فشل حكومته في إدارة ملف الرهائن والاقتصاد.
من خلال تضخيم المشهد الفوضوي في القطاع، يحاول أن يُقنع واشنطن بأن أي تفاهم مع القاهرة أو ترامب حول "إعادة الإعمار" سيكون بلا جدوى لأن "الفلسطينيين يقتتلون فيما بينهم".
صحيفة واشنطن بوست لفتت إلى أن تل أبيب تخشى من أن يؤدي تقارب السيسي وترامب إلى إعادة تنشيط الدور المصري–الأمريكي في الملف الفلسطيني، ما يقلّص هامش المناورة الإسرائيلي.
مصر بين ضغوط الداخل والخارج
رغم الضجيج السياسي، حافظت القاهرة على خطاب متوازن، مؤكدة أن دورها في غزة ليس طرفًا بل وسيطًا ضامنًا للاستقرار.
في الوقت ذاته، تخشى مصر أن تمتد الفوضى الأمنية من داخل القطاع إلى الحدود في رفح وشمال سيناء، خاصة مع نشاط شبكات تهريب الأسلحة والبضائع.
خبراء الأمن القومي المصري – بحسب تحليل الأهرام أونلاين – يرون أن ما يجري في غزة يشبه "قنبلة موقوتة" يمكن أن تُفجّر كل جهود الوساطة الإقليمية إذا لم تُضبط سريعًا.
البعد الإعلامي والحرب على السرديات
حادثة مقتل صالح الجعفراوي لم تكن مجرد واقعة ميدانية، بل كشفت أيضًا عن حرب إعلامية واسعة بين مؤيدي حماس ومعارضيها.
الناشط الراحل كان يمثل جيلًا جديدًا من المؤثرين الذين يوثّقون الحياة اليومية في غزة بلغة بسيطة ومباشرة، ما جعله يحظى بمتابعة واسعة.
لكن رحيله المفاجئ فتح بابًا لاتهامات متبادلة بين الفصائل والإعلاميين، وساهم في تشويه صورة غزة أمام الرأي العام الدولي عشية قمة يفترض أن تبحث "السلام والاستقرار".
الخلاصة – هل فُجّر المشهد لإفشال القمة؟
كل المعطيات تشير إلى أن تزامن الأحداث بين غزة وشرم الشيخ لم يكن عشوائيًا. فالمصادفة وحدها لا تفسر مقتل مؤثر معروف في لحظة سياسية حساسة، ولا تبرر سرعة انتشار الروايات المتضاربة على المنصات.
يبدو أن هناك من أراد خلط الأوراق لإضعاف القاهرة وإحراجها أمام ضيوف القمة، وربما منع التقارب المصري–الأمريكي في ملف غزة تحديدًا.
لكن رغم ذلك، أثبتت مصر – مرة أخرى – أنها اللاعب الوحيد القادر على إدارة التناقضات الفلسطينية والإقليمية دون الانزلاق إلى مواجهات مباشرة.
الخاتمة: سؤال مفتوح للجمهور
في ضوء ما سبق، يظل السؤال مطروحًا:
هل يُفشل نتنياهو فعلاً قمة شرم الشيخ عبر تفجير التناقضات داخل غزة؟
أم أن القاهرة وواشنطن ستنجحان في تجاوز الفخ الإسرائيلي واستعادة المسار السياسي؟
شارك رأيك في التعليقات:
هل ترى أن قمة شرم الشيخ ستُعيد السلام إلى مساره، أم أن مقتل صالح الجعفراوي كان شرارة مرحلة جديدة من الفوضى المنظمة؟
⚠️ تنويه:
هذا المقال تحليلي/إخباري يعتمد على مصادر مفتوحة مثل BBC, رويترز, العربية, اليوم السابع, وغيرها. لا يحتوي على صور دموية أو محتوى تحريضي.
✍️ إعداد وتحليل: محمد حسانين – مدونة THOUGHTS
للمزيد من التحليلات السياسية والتقارير المتعمقة، تابع المدونة عبر الرابط: thoughts-blog.com
اقرأ أيضا:

تعليقات
إرسال تعليق