"الله كريم" أنقذ ضابط CIA من الحرس الثوري.. كيف أوقعت واشنطن إيران في فخ التضليل وأنقذت طيارها بـ 300 مليون دولار؟
عملية "الله كريم": كيف أنقذت وحدات الكوماندوز الأمريكية طيارها من قلب إيران؟
![]() |
| منذ فشل عملية "مخلب النسر" عام 1980، تمكنت وحدات الكوماندوز المتخصصة من إنقاذ طيار وضابط أنظمة أسلحة من طائرة F-15E |
كابوس في سماء إيران.
في مشهد عسير لم تشهد له المنطقة مثيلاً منذ حادثة "مخلب النسر" الفاشلة عام 1980، وجدت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها فجأة أمام كابوس حقيقي: سقوط طائرة F-15E "Strike Eagle" تابعة للقوات الجوية الأمريكية في عمق الأراضي الإيرانية، واختفاء أحد أفراد طاقمها وسط جبال جنوب غرب إيران.
لم تكن هذه مجرد حادثة سقوط طائرة عابرة، بل كانت لحظة فارقة يمكن أن تقلب موازين الحرب النفسية والإعلامية رأساً على عقب. فبينما كان الحرس الثوري الإيراني يعد العدة للقبض على الطيار المفقود وجعله ورقة ضغط بيد طهران، كانت واشنطن تستعد لتنفيذ واحدة من أجرأ عمليات الإنقاذ في تاريخها العسكري.
هذا المقال هو رحلة تفصيلية داخل واحدة من أكثر العمليات تعقيداً في التاريخ العسكري الحديث. سنكشف النقاب عن التفاصيل الدقيقة لعملية الإنقاذ التي شاركت فيها "عشرات الطائرات" ومئات الجنود، مستندين إلى تقارير حصرية من صحف عالمية كبرى مثل "أكسيوس" و"نيويورك تايمز" و"سي بي إس". سنحلل كيف تمكنت وكالة المخابرات المركزية من خداع النظام الإيراني بأكمله، وكيف تحولت عبارة "الله كريم" من مجرد ابتهال ديني إلى رمز تكتيكي أنقذ حياة ضابط أمريكي.
اللحظة الصفر - إسقاط الصقر في عقر دار العدو.
1.1 تفاصيل العملية الجوية: كيف تم إسقاط طائرة F-15؟
في يوم الجمعة الموافق الثالث من أبريل 2026، شهدت الأجواء الإيرانية حدثاً غير مسبوق منذ أكثر من عقدين. فوفقاً لمسؤولين أمريكيين وإيرانيين تحدثوا لوكالة "رويترز" وموقع "أكسيوس"، تمكنت الدفاعات الجوية الإيرانية من إسقاط طائرة أمريكية من طراز F-15E كانت تقوم بمهمة قتالية فوق الأراضي الإيرانية.
الطائرة، التي كانت تابعة لسرب 494 المشهور والمتمركز في قاعدة "رايفنهايث" الجوية البريطانية، لم تكن وحدها في سماء المنطقة. كانت هذه الطائرة جزءاً من تشكيل جوي كثيف كان ينفذ ضربات ضد أهداف للحرس الثوري. ما يجعل هذه الحادثة أكثر تعقيداً هو تزامنها مع إصابة طائرة أخرى من طراز A-10 "Warthog" بنيران إيرانية، مما اضطر قائدها للقفز بالمظلة فوق مياه الخليج، وفقاً لما نشرته "بي بي سي".
بينما تمكن طيار الـ A-10 من النجاة بسرعة والوصول إلى مياه آمنة، وجد طاقم الـ F-15 نفسه في وضع كارثي تماماً. الطيار (Pilot) وضابط أنظمة الأسلحة (Weapons System Officer - WSO) اضطروا للقفز بالمظلات فوق مناطق وعرة وجبلية في محافظة "كوهجيلويه وبوير أحمد" الإيرانية، على عمق يقدر بحوالي 400 كيلومتر داخل الأراضي الإيرانية. هذا العمق هو ما جعل عملية الإنقاذ معقدة للغاية مقارنة بعمليات إنقاذ سابقة قرب الحدود أو فوق المياه.
1.2 نظام القذف CKU-5: النجاة بثمن باهظ.
السر في نجاة الطيارين من الحادثة يعود بشكل كبير إلى التكنولوجيا الفائقة التي زودت بها مقاعد القذف في الطائرة F-15. النظام المستخدم هنا هو **CKU-5 (Crew Escape System)**، وهو نظام صاروخي متطور يختلف جذرياً عن الأنظمة التقليدية التي كانت تستخدم في العقود الماضية.
تخيل للحظة أنك جالس في قمرة قيادة، وفجأة يتم قذفك بقوة تصل سرعتها إلى **200 متر في الثانية**، أي ما يعادل 720 كيلومتراً في الساعة. هذه القوة الهائلة ليست مجرد رقم؛ إنها ضرورية لاختراق الزجاج السميك لقمرة القيادة في مقاتلة F-15 وإخراج الطيار في أجزاء من الثانية. هذا النظام يعمل بالصواريخ بدلاً من الانفجارات التقليدية، مما يمنح الطيار فرصة أفضل للنجاة على ارتفاعات منخفضة.
لكن هذه القوة لها ثمن. المصادر الطبية العسكرية تؤكد أن مثل هذه السرعات الخارقة غالباً ما تؤدي إلى إصابات بالغة في **العمود الفقري** نتيجة الضغط الهائل المفاجئ على جسم الطيار أثناء عملية الخروج من الطائرة. وبالفعل، أشارت التقارير إلى أن ضابط أنظمة الأسلحة أصيب خلال عملية القذف، ومع ذلك تمكن من المشي والاختباء في الجبال لأكثر من يوم كامل، كما أكد مسؤولون أمريكيون لموقع "أكسيوس".
سباق الموت في الجبال - الضابط الضائع
2.1 "الويزو" بين المطرقة الإيرانية والسندان الأمريكي
الضابط الذي أصبح فجأة هدفاً للصيد في جنوب غرب إيران هو "ضابط أنظمة الأسلحة"، ويشار إليه أحياناً بلقب "Wizzo". يحمل هذا الضابط رتبة عقيد، مما يجعله أحد كبار الضباط الذين سقطوا خلف خطوط العدو خلال العقدين الماضيين. كان بحوزته مسدس فقط، وبعض المؤن الخفيفة، وكانت مهمته الأساسية: البقاء على قيد الحياة في منطقة تكتظ بقوات الحرس الثوري والسكان المحليين.
ماذا كان يحدث في تلك الجبال خلال الـ 24 ساعة الأولى؟ بحسب تقارير لاحقة، قام الضابط المخضرم بتطبيق قواعد البقاء على قيد الحياة (SERE - Survival, Evasion, Resistance, Escape) ببراعة نادرة. بدلاً من البقاء في منطقة الهبوط المكشوفة، تسلق سلسلة جبلية يصل ارتفاعها إلى 2100 متر واختبأ في شق صخري ضيق يصعب اكتشافه من الجو أو من الأرض. هذا التحرك الذكي منحه الأفضلية التضاريسية، مما جعل من الصعب على القوات الإيرانية محاصرته بسرعة، وأعطى القوات الأمريكية وقتاً ثميناً لتخطيط عملية الإنقاذ.
2.2 مكافآت الصيد: 10 مليار تومان مقابل رأس الأمريكي
على الجانب الآخر، كان الإيرانيون يدركون تمام القيمة النفسية والإعلامية للقبض على هذا الطيار حياً. لم تقتصر جهود البحث على القوات النظامية فقط، بل تحولت إلى حملة شعبية واسعة النطاق. أعلن محافظ المنطقة أن أولوية القوات هي "القبض على الطيار حياً"، وتم رصد مكافأة مالية ضخمة بلغت **10 مليارات تومان** (ما يعادل حوالي 60 ألف دولار أمريكي) لمن يقدم معلومات تؤدي إلى القبض عليه.
وسائل الإعلام الإيرانية والمؤيدون للحرس الثوري على وسائل التواصل الاجتماعي أطلقوا حملة موسعة للبحث عن الطيار. نشرت بعض الحسابات الساخرة فيديوهات "ليجو" تسخر من محنة الطيار، بينما نشر آخرون صوراً مولدة بالذكاء الاصطناعي تظهر الضابط الأمريكي وهو يستمتع بالضيافة الإيرانية، في محاولة للتقليل من شأن العملية الأمريكية والتأثير على الروح المعنوية. لكن خلف هذه الدعاية، كان الحرس الثوري يتحرك بجدية في الميدان، مرسلاً وحدات خاصة إلى المنطقة الجبلية لمحاصرة أي ممرات يمكن أن يستخدمها الطيار للهروب أو التي يمكن أن تستخدمها القوات الأمريكية للوصول إليه.
العقل المدبر - كيف استخدمت وكالة الاستخبارات المركزية التضليل لخداع إيران؟
3.1 حملة التضليل: الإبرة في كومة القش
بينما كان الطيار يحتضن الصخور الباردة في جبال إيران، كانت وكالة المخابرات المركزية (CIA) تعمل في الظل على تنفيذ واحدة من أذكى الحيل الاستخباراتية في العقد الأخير. الوضع كان كارثياً بالنسبة لواشنطن: الحرس الثوري يضيق الخناق على المنطقة، والعثور على الطيار كان فعلياً أشبه بـ "البحث عن إبرة في كومة قش"، كما وصفه مسؤول أمريكي رفيع لموقع "أكسيوس".
وهنا تدخلت "القدرات الفريدة" للاستخبارات المركزية. وفقاً لمسؤولين أمريكيين تحدثوا لموقع "أكسيوس" وشبكة "سي بي إس"، تمكنت الوكالة من تحديد الموقع الدقيق للضابط المختبئ في شق الجبل باستخدام تقنيات تتبع متطورة لم يتم الكشف عن طبيعتها بالكامل. لكن الأهم من ذلك هو ما فعلته بعد ذلك لمنع الإيرانيين من الوصول إليه أولاً.
قامت الوكالة بشن **حملة تضليل واسعة النطاق** داخل إيران. كيف عملت هذه الخدعة البارعة؟ نشرت الوكالة معلومات مضللة في قنوات التواصل الإيرانية تفيد بأن القوات الأمريكية قد عثرت بالفعل على الطيار وأنها تحاول إجلاءه براً عبر مناطق حدودية بعيدة عن موقعه الحقيقي. الهدف من ذلك كان سحب قوات الحرس الثوري وقوات البسيج المليشياوية بعيداً عن الوادي الجبلي الذي كان يحتضن الضابط الحقيقي. بينما كانت طهران تركض وراء الأوهام في اتجاهات مختلفة، كانت واشنطن تستعد لضربتها القاضية في المكان الصحيح.
3.2 "الله كريم": رسالة الإنقاذ المشفرة التي أيقظت البنتاجون
في قلب الليل البارد، وبينما كان الطيار يائساً ويشعر بأن وقته بدأ ينفد، أقدم على خطوة محفوفة بالمخاطر بشكل كبير: استخدام جهاز الاتصال المشفر. الجهاز الذي يحمله كل طيار أمريكي ليس مجرد جهاز لاسلكي عادي؛ إنه معقد للغاية ومصمم ليكون صامتاً قدر الإمكان لتجنب التتبع الإلكتروني. لكن الطيار أرسل رسالة نصها "God is good" أو بالعربية "الله كريم".
هذه العبارة الدينية البسيطة كادت أن تكون فخاً قاتلاً. عندما وصلت الرسالة إلى غرفة العمليات الأمريكية في قاعدة قطر الجوية، ارتبك المحللون بشدة. هل هذه حقاً رسالة من طيارنا؟ أم أنها فخ نصبته الاستخبارات الإيرانية لمحاولة استدراج قوات الكوماندوز إلى كمين محكم؟ المصادر تقول إن القادة العسكريين شعروا للحظة أن الأمر قد يكون خدعة إيرانية متقنة، خاصة أن العبارة جاءت بالعربية مما قد يوحي بأن الإيرانيين يحاولون التلاعب بهم باستخدام لغة دينية مشتركة.
ولكن بعد التحقق والتقاطع مع بيانات التتبع والتوقيعات الصوتية وتحليلات الذكاء الاصطناعي، تأكد المحللون: كان طيارهم حياً وكان يطلب النجدة. هذه اللحظة كانت نقطة التحول الحاسمة التي أدت إلى إصدار الأمر بتنفيذ العملية.
تنفيذ "المهمة المستحيلة" - وحدات الكوماندوز في العمق الإيراني.
4.1 الغطاء الجوي الكثيف: "ارمِ أي شيء يتحرك"
بعد تأكيد الموقع، أصدر الرئيس دونالد ترامب الأمر بالتنفيذ الفوري. ما حدث بعد ذلك كان جنوناً عسكرياً منظماً من نوعه. تحركت قوة مشتركة ضخمة ضمت عشرات الطائرات: طائرات نقل ثقيلة، طائرات هليكوبتر هجومية، وطائرات بدون طيار من طراز MQ-9 Reaper.
الخطة التي وضعتها القيادة المركزية الأمريكية كانت تعتمد على مبدأ **"القوة الساحقة"**. فبدلاً من التسلل بهدوء كما تفعل القوات الخاصة في العمليات السرية، اختارت القيادة الأمريكية فرض منطقة عازلة قاتلة حول موقع الطيار. طائرات MQ-9 Reaper حلقت في السماء على ارتفاعات مختلفة، ومعها طائرات هجومية أُعطيت أوامر صارمة من القادة على الأرض: "أي شخص يقترب من محيط الطيار لمسافة 3 أميال، يتم قتله فوراً دون سابق إنذار".
لحظة وصول قوات الكوماندوز إلى الطيار كانت لحظة دراماتيكية. قفز الجنود من طائرات الهليكوبتر في ظلام الليل، واشتبكوا بشكل مباشر مع قوات إيرانية حاولت الوصول إلى المنطقة. وبفضل الغطاء الجوي المكثف، تمكنوا من تأمين الضابط المصاب بسرعة فائقة ونقله إلى موقع آمن داخل المنطقة العازلة التي أقاموها.
4.2 كارثة المدرج الزراعي: تدمير طائرات النقل HC-130
لم تكن الرحلة إلى داخل إيران صعبة فقط، بل كانت الرحلة **بالخارج** من إيران كابوساً لوجستياً حقيقياً. اختارت القوات الأمريكية مدرجاً مهجوراً، يُعتقد أنه كان يستخدم سابقاً للطيران الزراعي الصغير، كموقع لهبوط طائرات النقل العملاقة من طراز HC-130J التي كانت ستنقل القوة الضاربة والطيار إلى خارج البلاد.
هنا وقعت الكارثة التقنية غير المتوقعة. عندما حاولت الطائرات الإقلاع بعد تحميل الطيار والجنود والمعدات، غرزت عجلاتها الثقيلة في التربة اللينة غير المهيأة لتحمل هذا الوزن الهائل. تخيل للحظة طائرة ضخمة بحجم طائرة شحن عسكرية، محملة بالجنود والمعدات والذخائر، عالقة في أرض موحلة في عمق الأراضي الإيرانية المعادية.
في تلك اللحظة الحرجة، اتخذ القادة على الأرض قراراً صعباً ومؤلماً: بدلاً من ترك هذه التكنولوجيا المتطورة لتقع في أيدي الإيرانيين ليحللونها ويستفيدوا من أسرارها، تم تفجير الطائرتين HC-130J وعدد من طائرات الهليكوبتر الأخرى في الموقع قبل الانسحاب. انسحبت القوات المتبقية بوسائل أخرى، تاركة وراءها حرائق المعدات المدمرة، لكنها حاملة معها أثمن شحنة على الإطلاق: روح الطيار الأمريكي وضابط أنظمة الأسلحة.
4.3 الخسائر المالية والبشرية: 300 مليون دولار ثمناً للروح الواحدة
العملية لم تكن مجانية بأي حال من الأحوال. أكدت التقارير التي نشرتها وكالة "أسوشيتد برس" و"بي بي سي" أن طائرة A-10 Warthog التي كانت تدعم عملية البحث والغطاء الجوي أصيب بشكل مباشر واضطرت للهبوط اضطراريًا في الكويت. كما أسقط الإيرانيون طائرة مسيرة أمريكية من طراز MQ-9 Reaper كانت تقوم بعمليات استطلاع فوق المنطقة.
عند حساب التكلفة الإجمالية بدقة: طائرتا نقل مدمرتان من طراز HC-130J، بين 3 إلى 4 طائرات هليكوبتر من طرازات مختلفة، طائرة مسيرة MQ-9 Reaper، بالإضافة إلى طائرة A-10 المتضررة بشدة. التقديرات الأولية التي تداولتها وسائل إعلام أمريكية تشير إلى أن هذه العملية كلفت الخزانة الأمريكية ما يقرب من **300 مليون دولار**.
لكن كما قال الرئيس ترامب لاحقاً في تصريح له على منصة "تروث سوشيال": "نحن لا نترك أي جندي أمريكي وراء الخطوط أبداً". هذه الفلسفة كانت المحرك الأساسي لقبول هذه الخسائر المالية الفادحة مقابل إنقاذ روحين أمريكيتين.
الموقف الإسرائيلي - مطار بن غوريون تحت نيران العنقودية
5.1 الذخائر العنقودية: لماذا لا تستطيع المطارات الإسرائيلية العمل؟
بالتوازي مع ملحمة الإنقاذ في إيران، كانت إسرائيل تعيش أزمة سيادية من نوع آخر. بعيداً عن أخبار الجبهات الشمالية والجنوبية، كان مطار بن غوريون الدولي، بوابة إسرائيل الجوية الرئيسية، يعاني من شلل شبه تام. شركة الطيران الإسرائيلية "إل عال" كانت تخسر ما يقدر بـ **4 ملايين دولار يومياً** بسبب تحويل مسارات طيرانها إلى دول مجاورة مثل مصر وقبرص واليونان.
السبب الرئيسي لهذه الأزمة يعود إلى تكتيك إيراني جديد ومؤثر: الاستخدام المكثف للذخائر العنقودية (Cluster Munitions) في استهداف المطارات الإسرائيلية. عندما تطلق إيران صاروخاً باليستياً نحو إسرائيل، فإن الدفاعات الجوية مثل "القبة الحديدية" و"مقلاع داوود" تعترضه غالباً في الجو. لكن الصاروخ العنقودي، بدلاً من أن ينفجر كقطعة واحدة، يتفتت في الجو ليطلق العشرات بل المئات من "القنابل الصغيرة" (bomblets) على مساحة واسعة جداً.
حتى لو تم اعتراض الصاروخ الأصلي بنجاح، فإن الشظايا والقنابل الصغيرة المتساقطة على المطار تجعل من المستحيل عملياً تأمين مدرج طيران واحد. عملية إقلاع الطائرة التجارية الطبيعية تستغرق حوالي نصف ساعة من التجهيز والفحص والتحرك على المدرج، وخلال هذه الفترة الطويلة نسبياً، المطار والطائرات تكون هدفاً مكشوفاً بالكامل. القنابل العنقودية هي التي تسببت في تلف طائرات خاصة في المطار وأدت إلى تعليق الرحلات المنتظمة لعدة أيام.
5.2 طرد غامض وحريق في المطار
لاحقاً، تطورت الأزمة إلى حالة ذعر مباشرة في مطار بن غوريون عندما تم الإبلاغ عن "طرد غامض" تصاعد منه الدخان بشكل مفاجئ في منطقة الشحن الجوي. أفادت "قناة 14" العبرية بأن قوات الطوارئ والإطفاء هرعت على الفور إلى المكان، في مشهد يعكس بوضوح حالة الهشاشة الأمنية والارتباك التي تعيشها المؤخرة الإسرائيلية في ظل حرب متعددة الجبهات.
هذا المشهد عزز الانطباع العام بأن إيران وحلفاءها في المنطقة نجحوا في نقل المعركة إلى قلب المدن والمطارات الإسرائيلية، مما أربك الاقتصاد والحياة اليومية بشكل لم يحدث من قبل. المطار الذي يعتبر 80% منه منشأة عسكرية، وفقاً للتحليلات العسكرية، أصبح هدفاً مشروعاً ومستمراً للاستهداف، مما يضع إسرائيل أمام تحدٍ أمني غير مسبوق.
التهديدات والمساعي الدبلوماسية - فوضى مضيق هرمز.
6.1 تهديدات ترامب: "افتحوا المضيق أو ستعيشون في الجحيم"
بينما كان العالم منشغلاً بقصة الإنقاذ الدراماتيكية، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يشن حرباً كلامية موازية من نوع مختلف. نشر ترامب على منصة "تروث سوشيال" تهديداً نادراً في عنفه ووضوحه، متوعداً إيران بأن يوم الثلاثاء القادم سيكون "يوم محطات الطاقة ويوم الجسور" إذا لم يتم فتح مضيق هرمز بالكامل أمام حركة الملاحة الدولية.
التهديد الذي صيغ بلغة بذيئة ومباشرة ("Open the Fuckin' Strait, you crazy bastards") كان رسالة مزدوجة: أولاً لإيران بأن الولايات المتحدة مستعدة لتدمير بنيتها التحتية المدنية بشكل منهجي، وثانياً للعالم بأن أسواق النفط يجب أن تستعد لارتفاع حاد في الأسعار بسبب التوترات الجديدة. بالفعل، تأثرت الأسواق بشكل لحظي، حيث قفز سعر النفط الخام إلى **111 دولاراً للبرميل**، قبل أن يتراجع لاحقاً مع أنباء متضاربة عن مفاوضات سرية.
6.2 الهدنة الـ 45 يوماً: هل ينجح الوسطاء المصريون والتركيون والباكستانيون؟
في تطور متناقض ومثير للاهتمام، كشفت مصادر دبلوماسية رفيعة المستوى أن واشنطن وطهران تلقتا مقترحاً جاداً لوقف إطلاق النار لمدة **45 يوماً**. الوسطاء هنا هم ثلاثة لاعبين إقليميين كبار: مصر وتركيا وباكستان. الفكرة الأساسية هي إعادة فتح مضيق هرمز فوراً أمام الملاحة البحرية مقابل وقف كامل للقصف والعمليات العسكرية المتبادلة، على أن تكون هذه الفترة حاضنة لمفاوضات سلام دائمة وأوسع.
لكن نظرة فاحصة إلى الموقف الإيراني تجعلنا نشكك بشدة في نجاح هذه المساعي الدبلوماسية. الرد الإيراني الرسمي على التهديدات الأمريكية جاء حاداً وحاسماً: "أبواب الجحيم ستُفتح في وجه أمريكا". طهران تصر على أنها لن تقدم أي تنازلات مجانية دون مقابل ملموس. الهدف الإيراني الاستراتيجي هو الحصول على تعويضات مالية ضخمة عن الأضرار التي لحقت بها جراء العقوبات والضربات، بالإضافة إلى ضمانات دولية بعدم استهدافها مرة أخرى في المستقبل.
إيران تنظر إلى مضيق هرمز كورقة سيادية لا يمكن التخلي عنها، وتسعى لفرض "رسوم مرور" إلزامية على السفن الأجنبية، وهو ما ترفضه واشنطن بشكل قاطع. هذا الجمود في المواقف يجعل أي هدنة قصيرة الأمد تبدو غير قابلة للتطبيق على أرض الواقع.
تحليل جيوسياسي - ماذا يعني هذا كله؟
7.1 "السيناريو النازي": لماذا تعتقد أمريكا أن إيران لن تستسلم؟
في حلقة مطولة من التحليل الاستراتيجي، لجأ مسؤولون أمريكيون كبار إلى تشبيه مثير للجدل إلى أقصى حد: "السيناريو النازي". باختصار شديد، تعتقد الإدارة الأمريكية الحالية أن القيادة الإيرانية الحالية تتبنى عقلية **انتحارية** مشابهة بشكل صارخ لألمانيا النازية في أيامها الأخيرة خلال الحرب العالمية الثانية.
الاستنتاج الذي توصل إليه البنتاجون ووكالة الاستخبارات المركزية هو أن إيران لن تستسلم ببساطة تحت أي ضغط عسكري أو اقتصادي. حتى لو تم تدمير بنيتها التحتية بالكامل وتعرضت لأكبر الخسائر، فإن النظام يعتقد أن الاستسلام يعني الانهيار الوجودي الحتمي للنظام بأكمله. لذلك، فإنهم يفضلون القتال حتى "آخر صاروخ" في ترسانتهم أو حتى "آخر رجل" مقاتل في صفوفهم.
هذا الفهم القاتم هو ما يفسر لماذا واشنطن مضطرة لتنفيذ عمليات جراحية معقدة ومكلفة مثل إنقاذ الطيار في إيران، بدلاً من انتظار انهيار النظام من الداخل أو استسلامه. الإدارة الأمريكية تعمل الآن بافتراض أن المواجهة مع إيران ستكون طويلة الأمد وشاملة، وأن الحلول السريعة غير موجودة.
7.2 الرد البريطاني: إعجاب واعتراف بالعجز
أثارت العملية الجريئة إعجاب الحلفاء الغربيين، وخصوصاً بريطانيا أقرب حلفاء واشنطن. وصفت صحيفة "التليجراف" البريطانية العريقة العملية بأنها **"أشبه بفيلم سينمائي هوليودي"** في تعقيدها وجرأتها ونجاحها.
لكن الأهم من ذلك بكثير، أن الصحيفة اعترفت صراحة بأنه لو تعرض طيار بريطاني لنفس الموقف بالضبط، فإن لندن لم تكن لتمتلك القدرات العسكرية والاستخباراتية اللازمة لإنقاذه. في اعتراف ضمني وصريح بتفوق القدرات الأمريكية المطلق، أشار التقرير إلى أن بريطانيا كانت ستضطر للانتظار حتى تقوم واشنطن بالعملية نيابة عنها أو تطلب المساعدة الأمريكية بشكل مباشر. هذا التصريح يعكس بشكل جلي مدى تعقيد العمليات من هذا النوع، والتي تتطلب تكنولوجيا استخباراتية فائقة وقدرة على الإسقاط الجوي السريع لا تمتلكها إلا قلة قليلة جداً من دول العالم.
صفعة أمريكية مدوية في وجه طهران
في النهاية، نجحت الولايات المتحدة في تحويل ما كان يمكن أن يكون أسوأ كابوس إعلامي وسياسي (وجود أسرى حرب أمريكيين في سجون طهران) إلى أعظم انتصار دعائي وعسكري في السنوات الأخيرة.
عملية "إنقاذ الطيار" في إيران ليست مجرد قصة بطولة فردية لضابط تمكن من الاختباء في الجبال، بل هي قصة أوسع بكثير: قصة عن هيمنة التكنولوجيا الأمريكية المطلقة، وعن كيف يمكن لوكالة استخبارات ماهرة مثل وكالة المخابرات المركزية أن تربك نظاماً كاملاً بوهم ذكي، وعن الجرأة العسكرية التي دفعت ثمنها 300 مليون دولار من المعدات المدمرة في عملية واحدة.
في النهاية، رفع الأمريكيون رأسهم عالياً وهم يغادرون الأراضي الإيرانية تحت جنح الظلام، حاملين معهم جرحاهم ومصابيهم، ومدمّرين طائراتهم الثمينة بأيديهم، لكنهم حققوا الهدف الأسمى في ثقافتهم العسكرية: لم يُترك أي جندي أمريكي وراء خطوط العدو حياً أو ميتاً.
بينما كانت طهران تتفاخر بإسقاط الطائرات والتقاط الصور لحطامها، أثبتت واشنطن في عملية واحدة أنها لا تزال القوة الوحيدة القادرة على تنفيذ "المستحيل" في عمق أراضي أعدائها، وأنها مستعدة لدفع أي ثمن مالي أو عسكري لتحقيق ذلك. الرسالة التي أرسلتها واشنطن إلى طهران وإلى العالم كله كانت واضحة: حدود الدول لا تعني شيئاً أمام إرادة أمريكا في حماية جنودها.
المصادر والمراجع
تقارير وتحقيقات خاصة
- Axios – تغطية السياسة والأمن القومي
https://www.axios.com - قسم الأمن القومي
https://www.axios.com/newsletters/axios-future
التغطية الإخبارية الدولية
- BBC News
https://www.bbc.com/news - CBS News
https://www.cbsnews.com
وكالات الأنباء
- Reuters – الشرق الأوسط
https://www.reuters.com/world/middle-east/ - Associated Press (AP)
https://apnews.com
الإعلام البريطاني
- The Guardian
https://www.theguardian.com/international - The Telegraph
https://www.telegraph.co.uk/world-news/
الإعلام الإقليمي والدولي
- Al Arabiya
https://english.alarabiya.net - Jewish Telegraphic Agency (JTA)
https://www.jta.org
🇮🇳 الإعلام الآسيوي
- The Indian Express
https://indianexpress.com

تعليقات
إرسال تعليق