هل خان المصريون أشقاءهم؟ أم أن الخليج تخلى عن حاميه التاريخي؟"
العلاقات المصرية الخليجية في زمن الحرب: هل تمر بأصعب اختباراتها منذ عقود؟
مواقف متباينة ورسائل في الخلفية
في خضم حرب مشتعلة تشعل المنطقة من الخليج العربي إلى البحر الأبيض المتوسط، تتصدر العلاقات المصرية الخليجية واجهة الاهتمام السياسي والإعلامي. مواقف متباينة، رسائل في الخلفية تحمل أكثر من معنى، وسوشيال ميديا مشتعلة بالهاشتاغات والاتهامات المتبادلة.. كلها مؤشرات تطرح سؤالاً مصيرياً: هل تمر العلاقات بين القاهرة وعواصم الخليج بأصعب اختباراتها منذ سنوات؟ أم أن ما نراه ليس أكثر من ضجيج مؤقت سرعان ما يتبدد بمجرد انحسار الغبار عن ساحات القتال؟
قبل الإجابة، لا بد من الاعتراف بحقيقة مؤلمة: الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط لم تعد كما كانت قبل عقد من الزمن. "الاتفاقيات الإبراهيمية" التي تم توقيعها في عام 2020، والتي رعتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، لم تكن مجرد وثائق تطبيع علاقات دبلوماسية بين إسرائيل ودول عربية. لقد كانت، وفقاً لتحليلات استراتيجية معمقة، إعادة هيكلة كاملة لهندسة الأمن الإقليمي. فقد نقلت هذه الاتفاقيات مجموعة من الدول العربية من المظلة العربية التقليدية ومنظومة مجلس التعاون الخليجي إلى مظلة جديدة تماماً: المظلة الإسرائيلية.
هذا التحول الجذري هو الذي يفسر، بشكل كبير، ما يحدث اليوم. ففي اللحظة التي تشتعل فيها الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، تجد الدول العربية نفسها ممزقة بين ولاءات متضاربة. بعضها أصبح مرتبطاً بتحالف أمني مع إسرائيل يُنظر إليه، في الرؤية المصرية على الأقل، على أنه موجه ضد مصالح دول عربية أخرى. وهنا يكمن جوهر الأزمة: كيف يمكن التوفيق بين أمن الخليج الذي تراه مصر جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي، وبين ترتيبات أمنية إقليمية جديدة تستبعد مصر أو تضعها في موقف الخصم؟
![]() |
| أمن الخليج الذي تراه مصر جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي، |
جذور التوتر – لماذا تبدو العلاقات متوترة الآن؟
أولا: تأخر الموقف المصري وتداعياته
أحد أبرز مظاهر التوتر الحالي هو ما وصفه مراقبون خليجيون بـ"تأخر" الموقف الرسمي المصري في إدانة الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج. فمع كل هجوم يستهدف الأعيان المدنية، المطارات، أو البنية التحتية الحيوية في أراضي دول مجلس التعاون، كان هناك توقع خليجي بموقف مصري فوري وحاسم. لم يكن هذا التوقع وليد اللحظة، بل هو تراكم لسنوات من الاعتماد على مصر باعتبارها "الشقيقة الكبرى" والركيزة الأساسية لأمن المنطقة العربية.
هذا التأخر، الذي قاسه البعض بالأيام، ولد حالة من الاستياء العميق في الدوائر الخليجية. ففي لحظة وقوع الاعتداءات، كان المطلوب هو التضامن الفوري، ليس فقط من باب المجاملات الدبلوماسية، بل كتعبير عن وحدة المصير. التساؤل الذي طرحه خليجيون بإلحاح كان: ما جدوى الشراكة الاستراتيجية مع مصر إذا كانت تتأخر لأسابيع في إعلان موقفها عندما تكون دول الخليج في أمس الحاجة إلى هذا الموقف؟
هذا التساؤل ليس مجرد استفهام عابر. إنه يعكس أزمة ثقة ناشئة. فالشراكة الاستراتيجية، في مفهومها العميق، تعني أن الشريك لا يحتاج إلى انتظار انجلاء الصورة أو استكمال المشاورات. بل يعني أن يكون هناك رد فعل غريزي، شقيق، لا يحتمل التأجيل. وعندما غاب هذا الرد الفوري، شعر البعض في الخليج أن العلاقة تحتاج إلى إعادة تقييم: هل مصر ما زالت شريكاً استراتيجياً بالمعنى الكامل للكلمة، أم أنها أصبحت مجرد حليف تقليدي تحكمه الحسابات الباردة؟
من الجانب المصري، هناك قراءة مختلفة تماماً. فمصر، التي كانت ولا تزال دولة محورية في منظومة الوساطة الإقليمية، تنظر إلى الأمور من زاوية أوسع. فالمشهد الإقليمي ليس أبيض وأسود. هناك مصالح متشابكة، وعلاقات دبلوماسية قائمة مع إيران، وحسابات دقيقة تتعلق بعدم جر المنطقة إلى حرب شاملة لا تُحمد عقباها. التأخر المصري، من هذا المنظور، لم يكن تقاعساً أو تخلياً عن المسؤولية، بل كان محاولة لقراءة المشهد بدقة، وفهم أبعاد اللعبة، والتأكد من أن أي تصريح أو موقف لن يُستخدم كورقة لتصعيد أكبر.
ومع ذلك، حتى المصريون أنفسهم يقرون بوجود حالة من "البطء" في الخطاب السياسي الرسمي. هذا البطء، مهما كانت مبرراته، يخلق فراغاً. وهذا الفراغ هو أخطر ما في الأمر، لأنه يفتح الباب على مصراعيه أمام منصات التواصل الاجتماعي لملئه، وفي الغالب ليس بالتحليلات الهادئة والموضوعية، بل بالمهاترات والاتهامات والتجريح.
ثانيا: انفجار ساحة السوشيال ميديا
إذا كانت الخلافات الدبلوماسية محكومة ببروتوكولات صارمة ولغة دبلوماسية محسوبة، فإن "السوشيال ميديا" هي عالم مختلف تماماً. عالم لا يعترف بالبروتوكولات، ولا ينتظر البيانات الرسمية. في اللحظة التي تأخر فيها الموقف الرسمي المصري – أو حتى بدا غير واضح – اندلعت المنصات الرقمية كالنار في الهشيم.
ما حدث على فيسبوك، تويتر (إكس)، وتيك توك لم يكن مجرد نقاش سياسي. لقد تحول إلى ساحة حرب موازية. هاشتاغات نارية تصدرت قوائم الأكثر تداولاً، واتهامات بالخذلان تبادلها الطرفان، وإهانات شخصية تجاوزت كل الخطوط الحمراء. لم يسلم أحد من هذه المهاترات: سياسيون، إعلاميون، نجوم رياضة وفن، وحتى مواطنون عاديون وجدوا أنفسهم فجأة في خضم معركة رقمية لا يريدونها.
هذه الظاهرة الجديدة – التي لم تكن موجودة بهذا الحجم في أزمات سابقة مثل أزمة غزو الكويت عام 1990 – تعكس تحولاً عميقاً في طبيعة الصراعات السياسية. لم تعد الحروب تُشن بالصواريخ والدبابات فقط، بل تُشن أيضاً بالكلمات والصور والفيديوهات القصيرة. وأخطر ما في الأمر أن جزءاً كبيراً من هذه الحسابات التي تطلق الاتهامات وتنشر الفتن قد لا تكون عفوية بالمرة.
تشير تحليلات استخباراتية وإعلامية إلى أن هناك جهات خارجية، منها ما يُعرف بـ"الوحدة 8200" الإسرائيلية الاستخباراتية، تعمل بشكل منهجي على إدارة حسابات وهمية ونشر رسائل مصممة بدقة بهدف إفساد العلاقات العربية – العربية وتفكيك الروابط التاريخية بين الشعوب. هذه الحسابات تستغل أي توتر، أي تأخير، أي تصريح غير محسوب، لتكبيره وتضخيمه وتحويله إلى أزمة كبرى.
وهكذا، فإن ما نراه على الشاشات ليس بالضرورة انعكاساً حقيقياً لما يشعر به الناس في الشارع المصري أو الخليجي. فالمواطن المصري العادي، الذي قد يكون لديه ابن أو أخ أو قريب يعمل في دبي أو الرياض أو الدوحة أو الكويت، لا يمكنه ببساطة أن يكره أهل الخليج. والعكس صحيح. فالتداخل الأسري والاجتماعي بين الجانبين عميق لدرجة أنه "ما من شارع في مصر ولا قرية إلا وبها شخص يعمل في الخليج". هذا الواقع يجعل "قلب المصريين على أهلهم في الخليج" حقيقة واقعة، وليس مجرد شعار عاطفي.
لكن المشكلة أن "الضجيج" الرقمي يصبح أحياناً هو الصوت الأعلى، ويطغى على صوت العقل والحكمة. وعندما تفتقد القنوات الدبلوماسية الرسمية إلى السرعة والحسم، فإن هذا الضجيج هو الذي يشكل الانطباع العام، وهو الذي يضغط على صناع القرار.
ثالثا: الاتفاقيات الإبراهيمية – تحول جذري في هندسة الأمن الإقليمي
لفهم الأزمة الحالية حقاً، لا بد من العودة إلى نقطة تحول كبرى: توقيع "الاتفاقيات الإبراهيمية" في سبتمبر 2020. لم تكن هذه الاتفاقيات مجرد خطوة تطبيعية بين إسرائيل والإمارات والبحرين (ولاحقاً المغرب والسودان). بل كانت، في جوهرها، مشروعاً أمريكياً – إسرائيلياً طموحاً لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.
ما هو هذا المشروع؟ باختصار، هو محاولة لبناء تحالف أمني إقليمي جديد، تقوده إسرائيل والولايات المتحدة، ويضم دولاً عربية معتدلة، لمواجهة "التهديد الإيراني" وحلفائه في المنطقة. هذا التحالف لم يقتصر على التنسيق السياسي والدبلوماسي، بل امتد ليشمل تبادلاً استخباراتياً مكثفاً، وتنسيقاً عسكرياً، ومشاريع اقتصادية وأمنية مشتركة.
بالنسبة لمصر، هذا المشروع يمثل مشكلة كبيرة من عدة جوانب:
**أولاً:** مصر لم تكن طرفاً في هذا التحالف. لقد فوجئت به، أو على الأقل لم تكن جزءاً من صياغته وتفاصيله. وهنا يبرز السؤال المشروع: كيف يمكن لدولة أن تُطلب منها المشاركة في ترتيبات أمنية لم تكن موجودة على طاولة المفاوضات عندما صيغت هذه الترتيبات؟
**ثانياً:** هذا التحالف، في نظر القاهرة، يضع أمن المنطقة تحت "المظلة الإسرائيلية". ومهما تطورت العلاقات المصرية – الإسرائيلية منذ كامب ديفيد، فإن إسرائيل تظل في الوجدان السياسي والاستراتيجي المصري "العدو التاريخي". لا يمكن لمصر ببساطة أن تنخرط في حلف عسكري تقوده إسرائيل، أو حتى أن تبدو وكأنها تدعمه بشكل علني. هذا سيكون انتحاراً سياسياً لأي نظام حاكم في مصر.
**ثالثاً:** هذا المشروع، وفقاً لتحليلات متخصصة، يسعى إلى تحويل التحالف مع إسرائيل من مجرد تطبيع سياسي إلى تحالف أمني شامل يُنظر إليه على أنه موجه ضد مصالح دول عربية أخرى. بمعنى آخر، إنه ليس تحالفاً للدفاع عن العرب، بل هو تحالف للهيمنة على المنطقة بالنيابة عن إسرائيل وأمريكا.
هذا التباين في الرؤية هو جوهر الأزمة. فبينما ترى دول الخليج (تلك التي وقعت الاتفاقيات) أن إيران هي التهديد الوجودي المباشر، وأن التحالف مع إسرائيل ضرورة أمنية لا غنى عنها، فإن مصر لا تزال ترى أن إسرائيل هي التهديد الأكبر على المدى الطويل، وأن إيران، رغم تحفظاتها على سياستها الإقليمية، هي دولة جارة ذات ثقل وعلاقات دبلوماسية قائمة مع القاهرة.
هذا الاختلاف في تحديد "من هو العدو" ليس أكاديمياً. إن له تداعيات عملية هائلة على كيفية التعامل مع الأزمات. فعندما تضرب إيران إسرائيل، يرى المصريون (على المستوى الشعبي على الأقل) أن إسرائيل "تستحق ما يحدث"، أو على الأقل يشعرون بنوع من "العداء الطبيعي" لأي طرف يُضرب في إسرائيل. هذا لا يعني أن المصريين يحبون إيران، ولكن يعني أن الكراهية التاريخية لإسرائيل تبقى أعمق وأقوى.
وفي المقابل، عندما تضرب إيران دول الخليج، فإن الخليجيين يرون أن مصر يجب أن تصطف معهم فوراً، لأن التهديد هنا مباشر ووجودي. هذا التباعد في التقدير هو ما يخلق الفجوة، وهي فجوة اتسعت بشكل كبير بعد الاتفاقيات الإبراهيمية.
انقسامات الخليج – لماذا لم يعد هناك "موقف خليجي واحد"؟
أولا: مجلس التعاون الخليجي بين الوحدة النظرية والتعدد العملي
من الأخطاء الشائعة أن نتعامل مع "دول الخليج" ككتلة واحدة متجانسة. الواقع أن مجلس التعاون الخليجي، الذي تأسس عام 1981، لم يعد يعمل كمنصة موحدة للسياسات الخارجية والدفاعية. اليوم، كل دولة خليجية تبني استراتيجيتها بناءً على مصلحتها الوطنية الخاصة، وهذه المصالح غالباً ما تتباين بل وتتصادم.
هذا التحول لم يحدث بين عشية وضحاها. لقد كان تراكماً لعقود من التغيرات. أزمة غزو الكويت عام 1990 كانت نقطة تحول مفصلية. في تلك الأزمة، شعرت دول الخليج أن المظلة الأمنية العربية (بقيادة مصر) لم تكن كافية لمنع الكارثة. لقد استغرق تحرك القوات العربية وقتاً طويلاً، وفي النهاية كان الحل العسكري الفعلي بقيادة أمريكية. هذا الدرس لم ينس.
منذ ذلك الحين، بدأت دول الخليج في التوسع في الاعتماد على القواعد العسكرية الأمريكية، وجعلتها ركيزة أساسية في استراتيجياتها الدفاعية. الولايات المتحدة، وليس الجامعة العربية أو مصر، أصبحت هي الضامن الأول لأمن الخليج. وهذا التوجه تعمق أكثر بعد "الربيع العربي" والانسحاب الأمريكي المذعور من أفغانستان، مما زاد من شعور دول الخليج بأنها بحاجة إلى تأمين نفسها بنفسها، أو عبر تحالفات مباشرة مع القوى الكبرى.

أمن الخليج الذي تراه مصر جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي،1
اليوم، يمكننا الحديث عن تيارين رئيسيين داخل الخليج:
**التيار الأول:** التيار "المتشدد" أو "الموالي لأمريكا وإسرائيل"، وعلى رأسه الإمارات. هذا التيار يرى أن المستقبل الأمني للخليج مرتبط بشكل وثيق بالتحالف مع واشنطن وتل أبيب. وهو التيار الذي دفع بقوة نحو "الاتفاقيات الإبراهيمية" وأقام علاقات استخباراتية وعسكرية وثيقة مع إسرائيل. هذا التيار يعتبر إيران العدو الأول، وهو مستعد للتعاون مع أي جهة لمواجهتها، حتى لو كانت إسرائيل.
**التيار الثاني:** التيار "الأكثر تحفظاً" أو "الأكثر واقعية"، وعلى رأسه السعودية (رغم التذبذب في مواقفها). هذا التيار لا يزال يرى أهمية العمق العربي، ومصر على وجه الخصوص، كركيزة لأمن المنطقة. السعودية تريد علاقة جيدة مع أمريكا، لكنها لا تريد أن تكون أداة في أجندة أمريكية – إسرائيلية ضد إيران. كما أن السعودية لديها حساباتها الخاصة مع إيران، وتفضل الحلول الدبلوماسية (كما ظهر في استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بوساطة صينية).
هذا الانقسام الداخلي في الخليج يضع مصر في موقف بالغ الصعوبة. فمصر، التي تربطها علاقات استراتيجية بالسعودية والإمارات معاً، تجد نفسها مضطرة للمشي على حبل مشدود. دعم موقف السعودية قد يغضب الإمارات. والانحياز للإمارات قد يفقدها حليفها الاستراتيجي الأهم في الرياض.
ثانيا: الخلاف السعودي – الإماراتي: العمق الاستراتيجي والمواجهة الخفية
الخلاف بين الرياض وأبوظبي لم يعد سراً. إنه خلاف استراتيجي عميق يمتد من اليمن إلى السودان إلى ليبيا إلى القرن الأفريقي. وفي كل هذه الملفات، تجد مصر نفسها في قلب الصراع.
**اليمن:** بينما تدعم السعودية جهود التوحيد والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، تتهم الرياض أحياناً بدعم "المجلس الانتقالي الجنوبي" المدعوم إماراتياً، والذي يسعى للانفصال عن الشمال. هذا التهديد لسلامة الأراضي اليمنية يضع مصر في موقف صعب، لأن القاهرة ترفض أي تقسيم للدول العربية وتعتبر وحدة اليمن خطاً أحمر.
**السودان:** تعتبر مصر أن الجيش السوداني هو الضامن لأمن حدودها الجنوبية ومياه النيل. في المقابل، تتهم القاهرة أبا ظبي بدعم "قوات الدعم السريع" بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) في حربها ضد الجيش السوداني. من منظور مصري، أي تفتيت للسودان أو سيطرة "الدعم السريع" على مفاصل الدولة يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري. لذلك، تتحرك مصر بحذر شديد في هذا الملف، محاولة عدم الاصطدام المباشر مع الإمارات مع الحفاظ على علاقاتها الوثيقة مع الجيش السوداني.
**القرن الأفريقي:** بعد اعتراف إسرائيل بما يسمى "أرض الصومال" (المنطقة الانفصالية في شمال الصومال)، والذي قوبل بدعم إماراتي ضمن تحالف إسرائيلي – إماراتي – إثيوبي ناشئ، وجدت مصر والسعودية نفسيهما في مواجهة هذا المشروع. فإسرائيل تبحث عن موطئ قدم في البحر الأحمر، والإمارات تسعى لتأمين مصالحها التجارية والعسكرية، وإثيوبيا تبحث عن منفذ بحري. الثلاثة معاً يهددون المصالح المصرية – السعودية في باب المندب. هذا التقارب الإسرائيلي – الإماراتي – الإثيوبي يثير حفيظة القاهرة بشكل خاص، لأنه يمس أمنها القومي في البحر الأحمر ومصير مياه النيل.
في هذا السياق المتشابك والمعقد، تحاول مصر أن تلعب دور "الموازن". إنها بحاجة إلى الاستثمارات الإماراتية الهائلة التي تعد شريان حياة لاقتصادها، والتي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات (صفقة رأس الحكمة وحدها بلغت 35 مليار دولار). وفي الوقت نفسه، لا يمكنها التخلي عن تحالفها الاستراتيجي مع السعودية في قضايا الأمن القومي الكبرى.
هذا "المشي على الحبل المشدود" يجعل موقف مصر يبدو "بطيئاً" أو "غير حاسم" للبعض. فكلما طالبتها جهة باتخاذ موقف، كانت الجهة الأخرى تراقب. وأي خطوة غير محسوبة قد تكلف مصر ثمناً باهظاً.
الاقتصاد والشعب – هل يختلفان عن السياسة؟
أولا: الاقتصاد – شريان الحياة وسيف المساءلة
لا يمكن فصل السياسة عن الاقتصاد في العلاقات المصرية الخليجية. فدول الخليج، وتحديداً السعودية والإمارات والكويت، كانت ولا تزال المصدر الأول للمساعدات والاستثمارات والودائع التي تدعم الاقتصاد المصري، خاصة في فترات الأزمات.
منذ عام 2013، ضخت دول الخليج عشرات المليارات من الدولارات في الاقتصاد المصري على شكل ودائع في البنك المركزي، ومنح، واستثمارات مباشرة. صفقة "رأس الحكمة" مع الإمارات، والتي بلغت قيمتها 35 مليار دولار، هي أحدث وأكبر مثال على كيف يمكن للدعم الخليجي أن يعيد تشكيل الاقتصاد المصري ويوفر سيولة هائلة تعالج أزمة العملة الصعبة المزمنة.
هذه التبعية الاقتصادية تمنح الخليج نفوذاً كبيراً. وعندما تشتد الخلافات السياسية، تثار المخاوف دائماً من استخدام هذا السلاح الاقتصادي للضغط على مصر. هل يمكن لدولة خليجية أن تسحب ودائعها؟ هل يمكن أن تؤجل استثماراتها؟ هل يمكن أن تفرض قيوداً على العمالة المصرية؟
حتى الآن، لم يحدث أي من هذا بشكل جدي. والسبب أن دول الخليج تدرك أن مصر "أكبر من أن تفشل". فانهيار الاقتصاد المصري، أو حتى تعثره بشكل خطير، سيكون له تداعيات كارثية على أمن الخليج نفسه. مليونير مصري جائع هو خطر على الجميع. لذلك، فإن التهديدات الاقتصادية تبقى عادة ضمن إطار "الإشارات" غير المباشرة – مثل تأخير دفعة استثمارية، أو تبريد الخطاب الإعلامي، أو إصدار تصريحات غير ودية – بدلاً من اتخاذ إجراءات عقابية دراماتيكية.
ثانيا: الروابط الشعبية – خط دفاع أخير ضد التصعيد
على عكس التوترات السياسية التي تتصدر عناوين الأخبار، تظل الروابط الشعبية بين المصريين والخليجيين قوية بشكل لافت. هذه الروابط ليست مجرد مشاعر عابرة، بل هي علاقات إنسانية واجتماعية واقتصادية متجذرة.
هناك ملايين المصريين يعيشون ويعملون في دول الخليج. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في إحصاءات التحويلات المالية. هم آباء، أبناء، إخوة، أزواج. لهم بيوت، أصدقاء، ذكريات، ومصالح في هذه الدول. تحويلاتهم المالية تشكل مصدر دخل أساسي لملايين الأسر المصرية. كما أن آلاف الخليجيين يمتلكون استثمارات وعقارات ومصالح في مصر.
هذه "الجالية المصرية" في الخليج، والتي تعيش كجزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي هناك، تشكل حاجزاً قوياً أمام أي انفصال كامل. فالدول الخليجية تفرق عملياً بين "الموقف السياسي" للحكومة المصرية وبين "المواطن المصري" الذي يعمل في القطاع الخاص، أو يقدم خدمات، أو يدرس في جامعاتها.
لذا، ورغم "ضجيج السوشيال ميديا" والاتهامات المتبادلة، فإن العلاقات الإنسانية والتاريخية والاقتصادية بين الشعوب تظل أكثر رسوخاً من أن تتأثر بمهاترات عابرة. قد يغرد سعودي غاضب ضد مصر، لكنه في نفس اليوم قد يتعامل بكل احترام مع زميله المصري في العمل. وقد يكتب مصري تعليقاً نارياً ضد الخليج، لكنه في المساء يتصل بابنه في دبي ليطمئن عليه.
ثالثا: ملف العمالة المصرية – بين الشائعات والواقع
في أوقات التوتر، تنتشر كالنار في الهشيم شائعات عن نية دول الخليج تقييد العمالة المصرية، أو فرض قيود على تحويل الكفيل، أو حتى ترحيل آلاف المصريين. هذه الشائعات، رغم أنها تثير الذعر بين الجاليات المصرية، تظل في الغالب مجرد "كلام سوشيال ميديا" ولا تعكس السياسات الرسمية.
السبب بسيط: الدول الخليجية تدرك القيمة المضافة للعمالة المصرية الماهرة. المصريون ليسوا مجرد أيدي عاملة رخيصة. هم أطباء، مهندسون، معلمون، محامون، إداريون، ومحترفون في كل المجالات. وجودهم يثري سوق العمل الخليجي ويساهم في تنميته. لا ترغب أي دولة خليجية في خلق أزمة دبلوماسية وإنسانية غير محسوبة بتصرف قد يضر باقتصادها هي أيضاً.
كما أن هناك اعتباراً أخلاقياً وسياسياً. فمعاملة المصريين في الخليج هي جزء من الصورة العامة للدولة. أي إجراء عقابي جماعي ضد العمالة المصرية سيكون له تداعيات سلبية كبيرة على سمعة الدولة الخليجية، وسيُستخدم كورقة دعائية ضدها من قبل خصومها.
لذا، ورغم أن بعض الأصوات المتطرفة على مواقع التواصل قد تطالب بذلك، فإن الحكومات الخليجية تميل إلى ضبط النفس وعدم الخلط بين الخلافات السياسية والعلاقات الإنسانية.
الحرب وإعادة تعريف التحالفات – أين تقف مصر؟
أولا: مشروع إسرائيلي لتفكيك الدول العربية؟
أحد التحليلات الأكثر قتامة، والتي طرحها مراقبون استراتيجيون، هو أن ما يحدث ليس مجرد حرب إقليمية تقليدية، بل هو مشروع منهجي لإعادة تشكيل الشرق الأوسط يقوم على تفكيك الدول العربية الوطنية.
وفقاً لهذا التحليل، فإن "الاتفاقيات الإبراهيمية" كانت مجرد غطاء سياسي لمشروع أعمق. هذا المشروع، الذي تقوده إسرائيل بدعم أمريكي، يسعى إلى إنشاء كيانات طائفية وعرقية ضعيفة في المنطقة، بدلاً من الدول الوطنية القوية التي تشكل عائقاً أمام الهيمنة الإسرائيلية.
كيف يتم ذلك؟ عبر عدة أدوات:
- **إنشاء الميليشيات:** دعم وتغذية الميليشيات المسلحة في ليبيا، السودان، سوريا، واليمن، لإضعاف سلطة الدولة المركزية.
- **الاستيلاء على الموانئ والمواقع الاستراتيجية:** السيطرة على موانئ في البحر الأحمر وخليج عدن (مثل ميناء عصب في إريتريا أو موانئ في الصومال) لتأمين طرق التجارة والملاحة لإسرائيل.
- **تقسيم الدول:** دعم الانفصال في السودان، اليمن، سوريا، والعراق، لخلق كيانات ضعيفة يسهل التحكم فيها.
في هذا السياق، تعتبر مصر، بحكم حجمها وتاريخها وجيشها القوي، هدفاً رئيسياً لهذا المشروع. فمصر القوية الموحدة تمثل عقبة كأداء أمام أي مشروع إقليمي إسرائيلي. لذلك، فإن إضعاف مصر، أو تشتيتها، أو إغراقها في أزمات اقتصادية وسياسية، هو مصلحة إسرائيلية استراتيجية.
هل هذا مجرد نظريات مؤامرة؟ ربما. لكن الوقائع على الأرض، من الحرب في السودان إلى التوتر في البحر الأحمر إلى الانقسامات في ليبيا، تشير إلى وجود نمط من الفوضى المنظمة التي لا تخدم إلا القوى الكبرى وإسرائيل.
ثانيا: خيبة الأمل الأمريكية – نافذة فرصة للعرب؟
أحد المتغيرات المهمة في المعادلة الحالية هو "خيبة الأمل" المتزايدة من الحليف الأمريكي. سواء في الخليج أو مصر أو حتى تركيا، هناك إدراك متزايد بأن الولايات المتحدة تتصرف أولاً وأخيراً لحماية مصالحها الخاصة ومصالح إسرائيل، وليس بالضرورة لضمان أمن حلفائها العرب.
لقد شاهد الجميع كيف انسحبت أمريكا من أفغانستان بشكل فوضوي، تاركة حلفاءها يواجهون مصيرهم. وشاهدوا كيف أن الدعم الأمريكي لأوكرانيا، رغم كونه سخياً، لم يمنع الحرب. وشاهدوا كيف أن واشنطن تتعامل بازدواجية المعايير: تحترم سيادة أوكرانيا لكنها تتجاهل سيادة فلسطين.
في المنطقة العربية، بلغت خيبة الأمل ذروتها عندما منعت الولايات المتحدة (باستخدام الفيتو) أي قرار أممي يلزم إسرائيل بوقف العدوان على غزة، بينما كانت تزود إسرائيل بالأسلحة والذخيرة بشكل غير محدود. هذا جعل العديد من العرب، بما في ذلك نخب سياسية، يتساءلون: ما جدوى التحالف مع أمريكا إذا كانت أمريكا في النهاية ستقف إلى جانب إسرائيل دائماً؟
هذه الخيبة تفتح نافذة فرصة حقيقية لإعادة التفكير في الترتيبات الأمنية الإقليمية. فبدلاً من الاعتماد على "مظلة أمريكية" قد تكون غير مضمونة أو مشروطة، يدعو بعض الاستراتيجيين إلى العودة إلى فكرة **"الأمن القومي العربي الجماعي"** .
هذا المفهوم يعني أن أمن مصر هو أمن الخليج، وأمن الخليج هو أمن مصر، وأن أي تهديد لأي دولة عربية هو تهديد للجميع. وهو يقوم على فكرة أن الدول العربية، إذا اتحدت، تملك من الموارد البشرية والطبيعية والعسكرية ما يكفي لضمان أمنها بنفسها، دون الحاجة إلى وصاية خارجية.
ثالثا: نحو قوة عربية مشتركة – حلم قديم في زمن جديد
مصر كانت سبّاقة في طرح فكرة "القوة العربية المشتركة" في قمة شرم الشيخ عام 2015. الفكرة كانت بسيطة: إنشاء قوة عسكرية عربية مشتركة، قادرة على التدخل السريع لمواجهة أي تهديد للأمن القومي العربي، سواء كان داخلياً (إرهاب) أو خارجياً (عدوان).
في ذلك الوقت، لم تتبنى الفكرة بشكل جدي. واليوم، ومع اشتعال المنطقة، تعود هذه الفكرة إلى الواجهة بقوة. وزير الخارجية المصري الحالي، بدر عبد العاطي، أعاد طرح فكرة التنسيق الأمني المشترك، مؤكداً أن المرحلة القادمة تتطلب آليات عمل عربية أكثر فاعلية.
لكن تحقيق هذا الحلم يواجه عقبات جمة:
- **الخلافات السياسية بين الدول العربية:** كيف يمكن تشكيل جيش موحد ودول الخليج منقسمة فيما بينها، والجامعة العربية تعاني من شلل تام؟
- **السيادة الوطنية:** الدول غير مستعدة للتفريط في سيادة قرارها العسكري. كل دولة تخشى أن يتم استخدام هذه القوة ضدها أو ضد مصالحها.
- **التكاليف:** إنشاء قوة مشتركة فاعلة يحتاج إلى ميزانيات ضخمة، وتدريبات مشتركة، وتوحيد للأسلحة والعتاد، وهو أمر مكلف ومعقد.
- **الموافقة الدولية:** أي قوة عربية مشتركة ستحتاج إلى غطاء دولي، وهذا الغطاء لن يأتي إذا كانت تتعارض مع المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية.
ورغم هذه العقبات، تظل الفكرة هي البديل الاستراتيجي الوحيد القابل للتطبيق على المدى الطويل. فبدون هذه القوة، ستبقى الدول العربية رهينة للتحالفات الخارجية، وسيظل أمنها مرهوناً بنوايا الآخرين.
سيناريوهات المستقبل – أين تتجه العلاقة؟
السيناريو الأول: العودة إلى ما قبل الأزمة
في هذا السيناريو، بمجرد أن تهدأ الحرب وتنحسر الغيوم، تعود العلاقات المصرية الخليجية إلى طبيعتها. تنسى القيادات الخلافات، ويعود التنسيق والتعاون كما كان. الزيارات المتبادلة تستأنف، والاستثمارات تتدفق، والخطاب الإعلامي يعود إلى نبرته الودية.
هذا السيناريو يتطلب عدة شروط:
- أن تكون الخلافات الحالية سطحية بالفعل، وليست هيكلية.
- أن تكون هناك إرادة سياسية قوية على الجانبين لتجاوز الإحراج.
- ألا تؤدي الحرب إلى تغيير جذري في موازين القوى الإقليمية.
**احتمالية الحدوث:** متوسطة إلى منخفضة. الأزمة الحالية ليست مجرد سوء تفاهم عابر. إنها تعكس تحولات عميقة في الرؤى الاستراتيجية. حتى لو عادت الأمور إلى طبيعتها ظاهرياً، فإن جراح الثقة ستظل موجودة تحت السطح.
السيناريو الثاني: التباعد المنظم – شراكة باردة
هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً. في هذا السيناريو، تستمر العلاقات المصرية الخليجية، لكن ببرودة واضحة. يظل التعاون قائماً في المجالات الحيوية (الاقتصاد، مكافحة الإرهاب، التنسيق الدبلوماسي في القضايا الكبرى)، لكن يختفي مستوى الثقة الاستراتيجي العالي الذي كان سائداً.
مظاهر هذا السيناريو:
- مصر لم تعد "الشقيقة الكبرى" التي تلتف حولها الدول العربية، بل أصبحت "شريكاً" من بين شركاء.
- دول الخليج تنوع مصادر أمنها، وتولي أهمية متزايدة للتحالفات مع قوى غير عربية (أمريكا، إسرائيل، الهند، الصين).
- مصر تركز على علاقاتها الإقليمية الأخرى (أفريقيا، تركيا، إيران) كبدائل استراتيجية.
- الخطاب الإعلامي يظل مهذباً، لكنه يخلو من الدفء والحماسة القديمة.
**احتمالية الحدوث:** عالية جداً. هذا هو المسار الطبيعي للتكيف مع الواقع الجديد. فالعلاقات بين الدول، مثل العلاقات بين الأشخاص، نادراً ما تعود إلى ما كانت عليه بعد أزمة كبيرة.
السيناريو الثالث: إعادة الضبط الاستراتيجي – ولادة جديدة
هذا هو السيناريو الطموح، لكنه الأصعب. في هذا السيناريو، تدفع الأزمة القادة العرب إلى مراجعة شاملة لترتيباتهم الأمنية. يدرك الجميع أن الوضع الراهن لا يحمي أحداً، وأن التشتت الحالي يخدم فقط أعداء الأمة.
يتطلب هذا السيناريو:
- **قيادة عربية شجاعة:** قادر على تجاوز المصالح الضيقة والتفكير في المصلحة الجماعية.
- **إصلاح جامعة الدول العربية:** تحويلها من منبر للخطب إلى مؤسسة فاعلة قادرة على اتخاذ قرارات ملزمة.
- **تسوية الخلافات الداخلية:** بين السعودية والإمارات، وبين مصر والسعودية، وبين كل الأطراف.
- **بناء قوة عربية مشتركة:** ليس مجرد ورق، بل قوة حقيقية على الأرض.
**احتمالية الحدوث:** منخفضة حالياً. الظروف غير مهيأة لمثل هذه القفزة النوعية. الثقة منعدمة، والانقسامات عميقة، والتدخلات الخارجية كثيفة. لكن التاريخ يعلمنا أن الأزمات الكبرى تخلق أحياناً فرصاً استثنائية. ربما بعد انتهاء الحرب، ومع exhaustion الجميع، قد يظهر قائد أو أكثر يجرؤ على كسر الجمود.
خلاصة ونتائج: أصعب اختبار أم فرصة لإعادة التعريف؟
بعد هذا التحليل الطويل والمعمق، يمكننا العودة إلى السؤال الذي افتتحنا به المقال: هل تمر العلاقات المصرية الخليجية بأصعب اختباراتها منذ سنوات؟
الجواب ليس بـ"نعم" أو "لا" ببساطة. هو "نعم، ولكن".
**نعم،** تمر العلاقات باختبار حقيقي وصعب. فالهوة في الثقة، والتباين في الرؤى الاستراتيجية (خاصة حول الاتفاقيات الإبراهيمية ودور إسرائيل)، والتوترات التي أفرزتها السوشيال ميديا، كلها عوامل تشكل ضغطاً غير مسبوق على هذه العلاقة العريقة.
**ولكن،** هذا الاختبار ليس بالضرورة "أصعب اختبار" إذا ما قورن بأزمات سابقة. أزمة موقف مصر من غزو الكويت عام 1990 كانت أكثر حدة بكثير. فترة "الربيع العربي" وما تلاها من صعود وهبوط للتيارات السياسية كانت أيضاً أكثر خطورة. ما يميز الأزمة الحالية هو أنها ليست أزمة شخصية بين قادة، ولا حتى أزمة سياسية تقليدية، بل هي **أزمة هيكلية** تعكس تحولاً جيوسياسياً عميقاً في المنطقة.
ما يحدث اليوم هو أن "النموذج القديم" للعلاقة المصرية الخليجية – القائم على القيادة المصرية والتمويل الخليجي – قد استنفد. مصر لم تعد قادرة على إملاء شروطها، والخليج لم يعد يريد الاكتفاء بدور "الممول الصامت". نحن أمام شراكة جديدة يجب أن تُبنى على أسس أكثر واقعية وتوازناً.
الخلاف الحقيقي ليس حول التفاصيل التكتيكية (هل تأخر الرد المصري يوماً أم يومين؟). الخلاف الحقيقي هو حول **جوهر الرؤية الاستراتيجية** لمستقبل المنطقة. هل تريد الدول العربية أن تكون سيدة قرارها، بجامعة عربية قوية وأمن قومي جماعي؟ أم أنها تفضل أن تكون جزءاً من ترتيبات إقليمية تقودها قوى خارجية (أمريكا، إسرائيل، أو حتى الصين)؟
هذا السؤال لا إجابة سهلة عليه. والإجابة لن تأتي من تصريح عاجل أو تغريدة على تويتر. الإجابة ستتحدد في الميدان، على مدى السنوات القادمة، من خلال نجاح أو فشل كل طرف في تحقيق أهدافه الاستراتيجية.
في النهاية، ورغم كل التوتر والضجيج، هناك حقيقة لا يمكن إنكارها: المصريون والخليجيون مرتبطون بروابط الدم، والتاريخ، والمصير المشترك. هذه الروابط ليست مجرد شعارات ترفع في المناسبات. إنها واقع يومي يعيشه الملايين. ومهما كانت حدة الخلافات السياسية، فإن هذه الروابط ستبقى الضمانة الأخيرة التي تمنع الانهيار الكامل.
ربما ما نحتاجه اليوم هو القليل من الحكمة، والقليل من الصبر، والكثير من الثقة المتبادلة. فالأعداء كثر، والتحديات أكبر من أن نواجهها ونحن متفرقون. إما أن نتحد جميعاً، أو سنأكل جميعاً.

تعليقات
إرسال تعليق