كيف دخلت مصر وتركيا حرب السودان بالمسيّرات… ولماذا أصبح حميدتي تحت القصف؟

من شرق العوينات إلى دارفور

كيف دخلت مصر وتركيا حرب السودان من الباب الذي لا يُرى؟

هل استخدمت مصر قاعدة جوية سرّية في شرق العوينات لإطلاق مسيّرات تركية ضد قوات الدعم السريع في السودان؟ تحقيق نيويورك تايمز يفتح أخطر ملفات حرب السودان، من سقوط الفاشر إلى حرب المسيّرات، مرورًا بالتقارب المصري التركي، ودور الذهب في تمويل الصراع، وتهديدات حميدتي بالتصعيد خارج الحدود. تحليل سياسي معمّق يكشف ما يحدث خلف الكواليس ولماذا تغيّر موقف القاهرة بصمت.

في السياسة، اللحظات التي تبدو هادئة على السطح غالبًا ما تكون الأكثر ضجيجًا تحت الماء. لا أحد يوقّع اتفاقيات تعاون عسكري واستثماري علنية، في نفس التوقيت الذي تظهر فيه تقارير استخباراتية وصحفية عن نشاط جوي غير معلن، ثم يتوقع من المتابع الجاد أن يتعامل مع الأمر باعتباره صدفة. ما حدث مع زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة، وتوقيعه اتفاقيات شاملة مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، لم يكن مجرد عودة علاقات طبيعية بين بلدين اختلفا طويلًا، بل كان لحظة إعادة تموضع إقليمي كامل، أحد مسارحه الصامتة هو السودان، وأحد أدواته الرئيسية هو الطيران المسيّر.

تحقيق صحيفة نيويورك تايمز، الذي نُشر مدعومًا بصور أقمار صناعية وبيانات طيران وتحليل خبراء عسكريين غربيين، لم يقل صراحة إن مصر تشن حربًا في السودان، لكنه فعل ما هو أخطر: وضع سلسلة من الوقائع المتماسكة التي تجعل السؤال نفسه مشروعًا. التحقيق، الذي أعادت نشره وتحليله منصات عربية ودولية مثل عربي21 وميدل إيست آي، تحدث عن قاعدة جوية غير معلنة في الصحراء الغربية المصرية قرب شرق العوينات، تحولت – وفق الرواية – إلى منصة تشغيل لطائرات مسيّرة تركية متقدمة من طراز “بيرقدار أقنجي”، تُستخدم في تنفيذ ضربات دقيقة ضد قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، الرجل الذي تحوّل من حليف للجيش السوداني إلى خصمه الوجودي.

حميدتي تحت القصف

حرب السودان

الرابط العربي للتحقيق عبر عربي21 يضع القصة في إطارها الكامل دون تهويل:
https://arabi21.com/story/1735371

والنسخة التحليلية التي نشرها Middle East Eye تذهب أبعد في ربط الخيوط الإقليمية:
https://www.middleeasteye.net/news/egypt-carrying-out-air-strikes-rsf-sudan-secret-base

لفهم لماذا هذا التحقيق خطير فعلًا، يجب أولًا أن نعود خطوة للوراء، إلى السودان نفسه، لا بوصفه دولة منهارة فقط، بل بوصفه ساحة تصادم مصالح إقليمية مؤجلة.

الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة حميدتي لم تكن حربًا مفاجئة، بل نتيجة طبيعية لفشل تسوية سياسية حاولت دمج ميليشيا شديدة التسليح، ذات اقتصاد مستقل وعلاقات خارجية معقّدة، داخل مؤسسة عسكرية تقليدية. منذ اللحظة الأولى، كان واضحًا أن الصراع لن يُحسم بسرعة، وأنه سيتحول إلى حرب استنزاف طويلة، وهو ما حدث فعلًا. ملايين النازحين، مدن مدمرة، اقتصاد منهار، وسلطة مركزية تتآكل يومًا بعد يوم.

لكن ما جعل السودان يتحول من أزمة داخلية إلى ملف إقليمي هو الموقع، والموارد، وطبيعة الأطراف. السودان يجاور مصر من الجنوب، ليبيا من الغرب، تشاد وأفريقيا الوسطى من الجنوب الغربي، وإثيوبيا من الشرق. هو عقدة جغرافية لكل أنواع التهريب، من السلاح إلى البشر إلى الذهب. ومع غياب الدولة، تصبح هذه العقدة مفتوحة لكل من يملك المال والسلاح والطموح.

في هذا السياق، برز حميدتي ليس فقط كقائد مليشيا، بل كفاعل اقتصادي-عسكري عابر للحدود. سيطرته على مناجم الذهب في دارفور، وعلاقاته التجارية التي وثقتها تقارير دولية مثل تقرير Global Witness حول ذهب السودان، جعلته قادرًا على تمويل حرب طويلة دون الاعتماد الكامل على دولة راعية واحدة.
https://www.globalwitness.org/en/campaigns/conflict-minerals/sudans-gold/

لكن نقطة التحول الكبرى جاءت في أواخر 2025، عندما سقطت مدينة الفاشر، آخر معاقل السلطة الرسمية في دارفور. هذا السقوط لم يكن مجرد حدث عسكري، بل كان كسرًا لتوازن هش. الفاشر ليست مدينة عادية؛ هي عقدة لوجستية، إنسانية، وسياسية. بسقوطها، أصبح غرب السودان مفتوحًا بالكامل أمام قوات الدعم السريع، وباتت خطوط الإمداد القادمة من ليبيا وتشاد أكثر أمانًا، وأكثر قربًا من الحدود المصرية.

هنا تحديدًا تغيّر الخطاب في القاهرة. للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، بدأت تظهر عبارات من نوع “الأمن القومي” و”الخط الأحمر” في سياق الحديث عن السودان. هذه اللغة ليست جديدة على السياسة المصرية، لكنها نادرًا ما تُستخدم بلا معنى عملي. التاريخ القريب، من ليبيا إلى سيناء، يقول إن القاهرة عندما تستخدم هذا القاموس، فإن الخيارات العسكرية – ولو غير المعلنة – تكون على الطاولة.

لكن لماذا المسيّرات؟ ولماذا شرق العوينات؟

الإجابة تكشف الكثير عن طبيعة التفكير المصري في هذه المرحلة. التدخل العسكري التقليدي مكلف سياسيًا وإقليميًا. إرسال قوات، أو تنفيذ غارات مأهولة، يعني اعترافًا صريحًا بالتدخل، ويضع الدولة في مواجهة مباشرة مع أطراف دولية أخرى متورطة في الملف السوداني. أما المسيّرات، فهي أداة العصر. تضرب، وتنسحب، وتترك خلفها مساحة واسعة للإنكار الدبلوماسي.

شرق العوينات، من حيث الجغرافيا، موقع مثالي لهذا النوع من العمليات. منطقة نائية، بعيدة عن الإعلام، قريبة نسبيًا من مسرح العمليات في دارفور، وتحت غطاء نشاط مدني وزراعي يسمح بوجود مطار ومنشآت لوجستية دون إثارة الأسئلة. صور الأقمار الصناعية التي حللتها نيويورك تايمز أظهرت توسعات في المدرج، وبناء هناغر جديدة، ونشاط شحن غير معتاد. هذه ليست أدلة قاطعة على عمل عسكري، لكنها ليست طبيعية أيضًا.

ما أعطى التحقيق ثقله الحقيقي هو ربط هذه الصور بنوع الطائرات المحتملة. “بيرقدار أقنجي” ليست مسيّرة تكتيكية صغيرة، بل منصة استراتيجية قادرة على الطيران لساعات طويلة، وحمل ذخائر موجهة بدقة عالية، وتنفيذ ضربات في عمق مئات الكيلومترات. مواصفاتها منشورة رسميًا على موقع شركة Baykar التركية، ولا خلاف عليها تقنيًا.
https://baykartech.com/en/uav/akinci/

وجود هذا الطراز في أي مسرح عمليات يعني شيئًا واحدًا: هناك طرف دولة، أو تحالف دول، يقف خلفه. وهنا يدخل العامل التركي.

تركيا، منذ سنوات، تستخدم تصدير المسيّرات كأداة نفوذ سياسي وعسكري. من ليبيا إلى أذربيجان إلى أوكرانيا، لعبت المسيّرات التركية دورًا في تغيير موازين القوى دون تدخل تركي مباشر بالمعنى التقليدي. عودة العلاقات مع مصر، وتوقيع اتفاقيات تعاون عسكري، فتح الباب أمام تنسيق من نوع جديد: ليس تحالفًا كاملًا، بل تقاطع مصالح ظرفي. مصر تريد كبح تمدد قوات الدعم السريع، وتركيا تريد موطئ قدم مؤثر في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، دون الصدام مع القاهرة.

رويترز تحدثت صراحة عن هذا التحول في العلاقات المصرية–التركية، وربطته بإعادة ترتيب الملفات الإقليمية، من ليبيا إلى شرق المتوسط.
https://www.reuters.com/world/middle-east/egypt-turkey-reset-relations-analysis/

في المقابل، لم يكن رد حميدتي عسكريًا بقدر ما كان سياسيًا-نفسيا. تصريحاته عن أن “أي مطار تنطلق منه مسيّرات هو هدف مشروع” ليست إعلان حرب بقدر ما هي محاولة لرفع كلفة التدخل، وبث رسالة ردع. لكن السؤال الواقعي يظل: هل يملك حميدتي القدرة على تنفيذ هذا التهديد خارج السودان؟ معظم التقديرات العسكرية تشير إلى أن قدراته الجوية محدودة، تعتمد على مسيّرات تجارية أو صينية خفيفة، مع غياب عمق استخباراتي يسمح له بضرب أهداف محمية داخل دولة بحجم مصر.

الأخطر في المشهد كله ليس الضربات نفسها، بل ما تعنيه. إذا صحّت رواية التحقيق، فنحن أمام انتقال مصري واضح من سياسة الانتظار والترقب إلى سياسة الردع الصامت. هذا لا يعني أن القاهرة تريد حربًا مفتوحة في السودان، بل يعني أنها لا تقبل بسيناريو انهيار كامل على حدودها الجنوبية، ولا بصعود كيان مسلح مستقل، ثري بالذهب، متصل بشبكات إقليمية معقدة.

في النهاية، القاعدة – إن وُجدت – ليست هي القصة. القصة هي التحول في طريقة إدارة الصراعات. لم تعد الدول تنتظر حتى تصل النار إلى حدودها، ولم تعد تدخل بجيوشها كما في القرن الماضي. المسيّرات، والضربات الدقيقة، والحروب التي لا تُعلن رسميًا، أصبحت هي اللغة الجديدة.

والسؤال الحقيقي، الذي سيبقى مفتوحًا، ليس هل قصفت مصر أو لم تقصف، بل: هل هذا النوع من الردع قادر على إيقاف حرب السودان، أم أنه مجرد فصل جديد في حرب طويلة، تتغير أدواتها بينما يبقى الخراب ثابتًا؟

إقرأ أيضا  :

الفرصة الأخيرة قبل الضربة: لماذا تُعد مفاوضات واشنطن وطهران في عُمان أخطر جولة دبلوماسية في الشرق الأوسط؟

تسجيلات إبستين السرّية تهز السياسة الأمريكية: كيف تكشف علاقة «المفترس» بدونالد ترامب انهيار أخلاق النخبة الحاكمة؟

إثيوبيا تشتعل من جديد: مستقبل سد النهضة، انهيار الذهب في مصر وفرص التحوط المالي 2026

قناة السويس تحت النار: كيف أصبحت مصر عقدة الصراع العالمي على التجارة والطاقة؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تطبيق ياسين تي في على آيفون: رابط التحميل والمميزات الكاملة لمشاهدة المباريات

"اجتماع الجنرالات الأكبر في تاريخ البنتاغون: هل ينفجر العالم من أوكرانيا إلى تايوان والشرق الأوسط نحو حرب عالمية ثالثة؟"

تحميل تطبيق ياسين Yacine tv اخر اصدار