لماذا عادت القوات الأمريكية إلى السعودية؟ قاعدة الأمير سلطان تكشف خريطة الردع الجديدة في الخليج وإيران في قلب المشهد
قاعدة الأمير سلطان والخرائط المتحركة للنفوذ الأمريكي في الخليج.
عودة القوات الأمريكية إلى قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية ليست خطوة عسكرية عابرة، بل تحوّل استراتيجي يعيد رسم خريطة النفوذ الأمريكي في الخليج مع تصاعد التوتر مع إيران. تحليل معمّق يكشف دلالات صور الأقمار الاصطناعية، وأسباب تمركز منظومات باتريوت، وعلاقة ذلك بتوسيع قاعدة العديد في قطر، وكيف تقرأ إسرائيل هذا الانتشار الأمريكي في العمق السعودي، وما يعنيه ذلك لمعادلات الردع والأمن الإقليمي ومستقبل الصراع في الشرق الأوسط.
لم يكن الكشف عن صور الأقمار الاصطناعية التي أظهرت نشاطًا إنشائيًا لافتًا داخل قاعدة الأمير سلطان الجوية مجرد سبق إعلامي عابر، بقدر ما كان نافذة كاشفة لتحولات أعمق في هندسة الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، وفي طبيعة الحسابات الأمنية الإقليمية التي أعقبت تصاعد التوتر مع إيران في تلك المرحلة. فالسعودية، التي ظلت لسنوات حريصة على إبقاء الوجود العسكري الأجنبي في حدوده الدنيا، عادت فجأة إلى واجهة المشهد العسكري الأمريكي، في لحظة بدت وكأنها تعيد رسم خرائط ما بعد حرب الخليج الأولى ولكن بشروط سياسية وأمنية مختلفة.
![]() |
قاعدة الأمير سلطان والخرائط المتحركة للنفوذ الأمريكي في الخليج. |
صور الأقمار الاصطناعية: حين يتحدث العمران لغة السياسة.
الصور التي تداولتها وسائل إعلام أمريكية، وعلى رأسها شبكة CNN، لم تكن مجرد لقطات هندسية لمبانٍ أو مدارج قيد التطوير، بل حملت دلالات سياسية واضحة. حديث جيفري لويس من معهد ميديلبوري عن وصول قوة أمريكية إلى القاعدة منتصف يونيو 2019، وظهور معدات بناء قرب نهاية المدرج الجوي، أعاد إلى الأذهان النمط المعروف لتحركات سلاح المهندسين الأمريكي قبل تحويل أي موقع إلى قاعدة قادرة على استقبال أدوار قتالية أو دفاعية متقدمة.
في هذا السياق، لم يكن تأكيد مسؤولي وزارة الدفاع الأمريكية على أن التحضيرات تهدف إلى دعم منظومة صواريخ باتريوت تفصيلاً تقنيًا بقدر ما كان رسالة ردع موجهة إلى طهران، مفادها أن العمق السعودي نفسه بات جزءًا من شبكة الدفاع الصاروخي الأمريكية في المنطقة، وليس فقط القواعد المنتشرة على أطراف الخليج.
من الدعم المحدود إلى الانتشار المدروس.
الأرقام التي تم تسريبها حول حجم القوة الأمريكية داخل القاعدة، والتي قُدرت بنحو 500 جندي في مرحلة الدعم الأولي، ثم الحديث عن إرسال 1000 عسكري إضافي إلى الشرق الأوسط، كشفت عن استراتيجية تقوم على الانتشار المرن لا الحشود الضخمة. فالولايات المتحدة، التي خرجت تدريجيًا من نمط القواعد الثقيلة بعد حرب العراق، باتت تفضل نقاط ارتكاز قادرة على التوسع السريع عند الحاجة، وهو ما تنطبق عليه قاعدة الأمير سلطان الجوية.
اللافت أن الإعلان السعودي الرسمي عن موافقة الملك سلمان بن عبد العزيز على استقبال قوات أمريكية جاء ليضع حدًا لأي تأويلات حول سرية الترتيبات، وليمنح الخطوة غطاءً سياسيًا واضحًا، في توقيت بالغ الحساسية إقليميًا. ولم تمض ساعات حتى جاء بيان البنتاغون ليؤكد أن القرار يمثل «رادعًا إضافيًا» في مواجهة تهديدات «حقيقية»، وهي صياغة اعتادت واشنطن استخدامها عندما تريد الجمع بين طمأنة الحلفاء وإرسال إنذار مبطن للخصوم.
ذاكرة القاعدة: من حرب الخليج إلى ما بعدها.
قاعدة الأمير سلطان ليست موقعًا جديدًا في الذاكرة العسكرية الأمريكية. فقد لعبت دور مركز القيادة خلال حرب الخليج الأولى عام 1991، ثم عادت إلى الواجهة خلال التحضيرات لغزو العراق عام 2003. لكن تلك المرحلة انتهت بانسحاب نحو 4500 جندي أمريكي وانتقالهم إلى قطر، في خطوة عكست آنذاك حساسية الوجود العسكري الأمريكي داخل الأراضي السعودية بعد أحداث 11 سبتمبر.
عودة القاعدة إلى المشهد بعد أكثر من عقد ونصف تعكس تغيرًا جوهريًا في البيئة الأمنية. فالتحدي لم يعد مرتبطًا بتنظيمات عابرة للحدود فحسب، بل بدولة إقليمية كبرى تمتلك قدرات صاروخية وشبكات نفوذ ممتدة، ما أعاد الاعتبار لفكرة الدفاع عن العمق لا الاكتفاء بحماية الممرات البحرية.
قطر في المشهد الموازي: تعدد القواعد وتكامل الأدوار
التزامن بين الإعلان السعودي وافتتاح الدوحة لقاعدة الظعاين البحرية لم يكن محض صدفة. فالقاعدة القطرية، الواقعة قبالة إيران، جاءت في إطار تعزيز أمن الحدود البحرية، لكنها في الوقت ذاته أرسلت إشارة واضحة بأن قطر ماضية في تعميق شراكتها العسكرية مع الولايات المتحدة، في لحظة إقليمية مشحونة بالخلافات الخليجية.
هذا المسار تعزز مسبقًا باتفاق يناير 2019 خلال الجولة الثانية من مؤتمر الحوار الاستراتيجي الأمريكي-القطري، والذي نص على توسيع قاعدة العديد على نفقة الدوحة. القاعدة التي تضم نحو 11 ألف عسكري أمريكي ليست مجرد منشأة عسكرية، بل تمثل حجر الزاوية في الوجود الجوي الأمريكي في الشرق الأوسط، ومركز قيادة للعمليات الممتدة من العراق إلى أفغانستان.
تعدد القواعد أم إعادة توزيع النفوذ؟
من منظور استراتيجي، لا يمكن قراءة تعزيز الوجود الأمريكي في السعودية بمعزل عن إعادة توزيع الأدوار بين القواعد الخليجية. فواشنطن تسعى إلى تقليل الاعتماد على قاعدة واحدة، مهما بلغت أهميتها، لصالح شبكة موزعة تقلل المخاطر وتزيد من المرونة العملياتية. وفي هذا الإطار، تبدو السعودية وقطر وجهين لمعادلة واحدة، رغم التباينات السياسية بينهما.
بالنسبة للرياض، يمثل استقبال القوات الأمريكية رسالة مزدوجة: الأولى للخارج، تؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة الردع الدولية، والثانية للداخل، تعكس تحولا في إدارة الملف الأمني يقوم على الشراكات لا الانكفاء. أما بالنسبة لقطر، فإن توسيع العديد وافتتاح قواعد جديدة يأتيان في سياق تثبيت موقعها كحليف لا غنى عنه لواشنطن، خاصة في ظل أزماتها مع جيرانها.
كيف تقرأ إسرائيل التمركز الأمريكي في السعودية؟
بعيدًا عن التصريحات العلنية والحسابات الدبلوماسية التقليدية، تتابع إسرائيل أي تحرك عسكري أمريكي في الشرق الأوسط بعين أمنية دقيقة، خاصة عندما يتعلق الأمر بإعادة تموضع داخل العمق الجغرافي لدولة بحجم وتأثير المملكة العربية السعودية. فالتمركز الأمريكي في قاعدة الأمير سلطان الجوية لا يُقرأ في تل أبيب بوصفه خطوة سعودية أمريكية ثنائية فحسب، بل كجزء من معادلة أوسع تتعلق بتوازن الردع الإقليمي، وبشكل خاص بموقع إيران داخل هذه المعادلة.
من منظور إسرائيلي، يمثل أي توسع في شبكة القواعد الأمريكية في الخليج عنصر استقرار نسبي، طالما أنه يندرج ضمن إطار الردع ضد طهران. فإسرائيل، التي تخوض منذ سنوات ما تصفه بـ«المعركة بين الحروب» ضد التمدد الإيراني، ترى في الوجود الأمريكي المكثف عامل كبح غير مباشر يخفف عنها عبء المواجهة المباشرة، ويمنحها هامش حركة أوسع في ساحات أخرى مثل سوريا ولبنان.
اللافت أن التمركز الأمريكي في السعودية يختلف في طبيعته عن القواعد القريبة من إسرائيل جغرافيًا، مثل تلك الموجودة في الأردن أو شرق المتوسط. فهنا نحن أمام تموضع في عمق دولة عربية مركزية، ما يضيف بعدًا سياسيًا ونفسيًا جديدًا لمعادلة الردع. من وجهة النظر الإسرائيلية، فإن وجود قوات أمريكية داخل الأراضي السعودية يبعث برسالة مزدوجة: الأولى إلى إيران، مفادها أن أي تصعيد واسع قد يجر واشنطن مباشرة إلى قلب المواجهة، والثانية إلى حلفاء الولايات المتحدة الإقليميين، بأن المظلة الأمريكية لا تزال قائمة رغم كل الحديث عن الانسحاب أو تقليص الالتزامات.
في الأوساط البحثية الإسرائيلية، يُنظر إلى قاعدة الأمير سلطان باعتبارها حلقة مكملة لقواعد قائمة مثل العديد في قطر، وليس بديلًا عنها. هذا التكامل يحقق لإسرائيل مصلحة غير مباشرة، تتمثل في توزيع العبء الأمريكي وتقليل احتمالات الانكفاء المفاجئ. فكلما تشعبت شبكة القواعد، تراجعت فرص الانسحاب السريع أو التخلي عن المنطقة في لحظة أزمة.
في الوقت نفسه، لا تغفل إسرائيل عن حساسية الوجود العسكري الأجنبي داخل السعودية تاريخيًا، وهي حساسية تدرك تل أبيب أنها قد تفرض سقوفًا سياسية على طبيعة الأدوار الأمريكية المنطلقة من هناك. لكن هذه القيود لا تُنظر إليها كعامل ضعف، بل كعنصر استقرار يقلل من احتمالات المغامرات العسكرية غير المحسوبة، وهو ما يتماشى مع المصلحة الإسرائيلية التي تفضل ردعًا قويًا دون حرب شاملة.
على صعيد آخر، يربط بعض المحللين الإسرائيليين بين هذا التمركز وبين مسار أوسع لإعادة دمج السعودية، ولو بشكل غير معلن، داخل منظومة الأمن الإقليمي التي تقودها الولايات المتحدة. هذا الإدماج، حتى في غياب علاقات دبلوماسية رسمية، يخلق تقاطع مصالح موضوعي بين الرياض وتل أبيب في مواجهة التهديد الإيراني، دون الحاجة إلى إعلانات سياسية قد تثير حساسيات داخلية أو إقليمية.
من زاوية أكثر براغماتية، ترى إسرائيل أن تعزيز الدفاعات الجوية الأمريكية في السعودية، خاصة منظومات باتريوت، يخفف الضغط على أنظمة الإنذار المبكر الإسرائيلية، ويعزز فكرة الدفاع الطبقي المتكامل في المنطقة. فكل طبقة إضافية من الدفاع تقلل من احتمالات اختراق صاروخي واسع النطاق، وتمنح صناع القرار وقتًا ثمينًا للتقدير والتصرف.
في المحصلة، لا تنظر إسرائيل إلى التمركز الأمريكي في قاعدة الأمير سلطان باعتباره خطوة موجهة لخدمة مصالح سعودية بحتة، بل كجزء من لوحة إقليمية أكبر تتقاطع فيها مصالح واشنطن وتل أبيب والرياض عند نقطة واحدة: منع إيران من تغيير قواعد اللعبة بالقوة. وبينما تبقى هذه القراءة حبيسة مراكز الأبحاث وغرف التقدير الأمني، فإنها تفسر قدرًا من الهدوء الإسرائيلي إزاء تحركات أمريكية كانت في ظروف أخرى ستُقابل بقلق أو تحفظ.
هكذا، يصبح الوجود الأمريكي في السعودية عامل توازن صامت، لا يعلن عن نفسه بخطابات أو بيانات مشتركة، لكنه يحضر بقوة في الحسابات الإسرائيلية، باعتباره أحد الأعمدة غير المرئية لاستقرار هش، لكنه ضروري، في منطقة اعتادت العيش على حافة الانفجار.
إيران في قلب الحسابات.
لا يمكن فصل كل هذه التحركات عن العامل الإيراني. فالتصعيد الذي بلغ ذروته في صيف 2019، سواء عبر الهجمات على ناقلات النفط أو إسقاط الطائرات المسيرة، جعل الخليج ساحة اختبار مفتوحة لسياسة «الضغط الأقصى» الأمريكية. وفي مثل هذا المناخ، تصبح القواعد العسكرية رسائل سياسية بقدر ما هي أدوات قتالية.
وجود قوات أمريكية في عمق الأراضي السعودية، إلى جانب قواعد متقدمة في قطر والإمارات والبحرين، يرسم طوقًا استراتيجيًا حول إيران، دون الوصول إلى حد المواجهة المباشرة. وهو ما ينسجم مع العقيدة الأمريكية القائمة على الردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
خاتمة: الخليج بين الردع وإعادة التموضع.
ما جرى في قاعدة الأمير سلطان الجوية لم يكن حدثًا منفصلًا، بل حلقة في سلسلة إعادة التموضع الأمريكي في الشرق الأوسط. عودة السعودية إلى خريطة القواعد الأمريكية، بالتوازي مع تعاظم دور قطر، تكشف عن مرحلة جديدة عنوانها تنويع نقاط النفوذ وتحديث أدوات الردع.
وفي منطقة لا تعرف الثبات، تبقى القواعد العسكرية مؤشرات صامتة على التحولات الكبرى. صور الأقمار الاصطناعية التي التقطت مدارج ومبانٍ قيد الإنشاء كانت في حقيقتها صورة مكثفة لصراع إرادات، وحسابات أمن، ورسائل سياسية متبادلة، ستظل تلقي بظلالها على معادلات الخليج لسنوات قادمة.
إقرأ أيضًا :
تراجع ترامب عن ضرب إيران في اللحظة الأخيرة: خدعة تهدئة أم تحضيرات لحرب أكبر خلف الكواليس؟

تعليقات
إرسال تعليق