اليمن يشتعل وإيران تهتز: هل تقود احتجاجات طهران وحرب الوكالة إلى انفجار إقليمي… أم أن تهديدات ترامب مجرد استعراض قوة؟
اليمن على حافة الانفجار الكبير: كيف تتقاطع حرب الوكالة مع احتجاجات إيران واستعراض القوة الأمريكي؟
المنطقة في لحظة اختناق استراتيجي
يدخل الشرق الأوسط عامه الجديد وهو محمّل بتراكمات غير مسبوقة من الصراعات المؤجلة، والتهديدات المؤجلة، والانفجارات التي لم تقع بعد. من اليمن، حيث تتحول الحرب تدريجيًا من نزاع داخلي إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح، إلى إيران التي تواجه واحدة من أخطر موجات الغضب الشعبي في تاريخها الحديث، وصولًا إلى واشنطن التي تلوّح بالقوة دون أن تحسم خيار الحرب، تتشكل لوحة إقليمية شديدة التعقيد.
الخطورة لا تكمن في حدث واحد بعينه، بل في تزامن الأزمات: اليمن المنقسم، إيران المضغوطة داخليًا، الخليج القَلِق، إسرائيل المترقبة، والولايات المتحدة العالقة بين تعدد الجبهات والرغبة في استعادة الهيبة. في هذا السياق، تصبح تصريحات دونالد ترامب، مهما بدت صاخبة، جزءًا من لعبة أكبر عنوانها: استعراض القوة بدل خوض الحرب.
أولًا: حرب اليمن… من صراع داخلي إلى هندسة تفكك
لم تعد حرب اليمن مجرد مواجهة بين الحكومة المعترف بها دوليًا وجماعة الحوثي. ما يجري اليوم على الأرض يكشف أن الصراع دخل مرحلة إعادة تشكيل جغرافي وسياسي للدولة اليمنية نفسها.
في الجنوب، تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي تجاوزت مربع الضغط السياسي إلى خطوات انفصالية عملية، مدعومة بقوة السلاح والسيطرة على مفاصل استراتيجية. هذا التحول وضع الحكومة الشرعية في مأزق وجودي، وأعاد طرح سؤال الدولة اليمنية الموحدة بوصفه سؤالًا مؤجلًا منذ سنوات، لكنه اليوم يفرض نفسه بقوة الواقع.
تقارير دولية أكدت أن قوات مدعومة من المجلس الانتقالي سيطرت على مواقع حيوية في الشرق والجنوب، ما فاقم التوتر داخل المعسكر المناهض للحوثيين نفسه، وأضعف الجبهة التي كان يُفترض أن تواجه الجماعة المسلحة في الشمال.
(مصدر: رويترز –
https://www.reuters.com/world/middle-east/uae-calls-restraint-amid-rapidly-moving-yemen-crisis-2026-01-03/)
بهذا المعنى، لم تعد الحرب اليمنية حربًا واحدة، بل حروب متداخلة: صراع على السلطة، صراع على الموارد، وصراع على شكل الدولة القادمة.
ثانيًا: الحوثيون… لاعب محلي بوظيفة إقليمية
في مقابل هذا التفكك، يظهر الحوثيون بوصفهم القوة الأكثر تماسكا وتنظيمًا. الجماعة لم تعد مجرد حركة متمردة، بل سلطة أمر واقع تدير مناطق واسعة، وتمتلك أدوات عسكرية متطورة، وقدرة على التأثير خارج حدود اليمن.
الدعم الإيراني للحوثيين لم يعد محل جدل، لكنه أيضًا لم يعد مجرد دعم تقني أو لوجستي. العلاقة تطورت إلى شراكة استراتيجية وظيفية، حيث يشكل الحوثيون إحدى أدوات إيران في سياسة الردع غير المباشر ضد خصومها الإقليميين والدوليين.
الهجمات على الملاحة في البحر الأحمر، والتهديدات المستمرة لباب المندب، لا يمكن فصلها عن سياق الصراع الأوسع بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها. كل تصعيد حوثي يُقرأ إقليميًا باعتباره رسالة إيرانية مكتوبة بلغة النار.
الجزيرة وثّقت كيف تحولت الجماعة إلى عنصر أساسي في معادلة الأمن الإقليمي، وليس مجرد طرف محلي.
(مصدر: الجزيرة –
https://www.aljazeera.net/politics/2025/6/22/كيف-يرد-الحوثيون-بعد-هجمات-واشنطن-على)
ثالثًا: اليمن كساحة حرب بالوكالة… ولماذا يستحيل الحسم؟
تحوّل اليمن إلى ساحة حرب بالوكالة لا يعني فقط تعدد الأطراف، بل يعني استحالة الحسم العسكري. كل طرف إقليمي يمتلك ما يكفي لإبقاء الصراع مشتعلاً، دون امتلاك القدرة أو الرغبة في إنهائه.
السعودية، التي دفعت ثمنًا اقتصاديًا وسياسيًا باهظًا خلال سنوات الحرب، باتت أكثر ميلًا للاحتواء لا التصعيد. الإمارات، التي دعمت قوى جنوبية، أعادت ترتيب أولوياتها. إيران ترى في استمرار النزاع ورقة ضغط منخفضة الكلفة. أما واشنطن، فتدير المشهد من بعيد، دون التورط المباشر.
هذه المعادلة تجعل اليمن مرشحًا لأن يصبح نزاعًا مجمّدًا متفجرًا، لا حربًا منتهية ولا سلامًا ممكنًا.
رابعًا: إيران من الداخل… اقتصاد ينهار وغضب بلا قيادة
في الداخل الإيراني، تتواصل الاحتجاجات على خلفية انهيار اقتصادي حاد. العملة فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها، التضخم ينهش الطبقة الوسطى، والقدرة الشرائية تتآكل بوتيرة متسارعة.
ما يميز هذه الاحتجاجات أنها واسعة جغرافيًا، لكنها مفككة سياسيًا. لا قيادة موحدة، ولا برنامج سياسي جامع، ولا بديل واضح للنظام. هذا ما يمنح السلطة هامشًا لإدارة الأزمة دون تقديم تنازلات جوهرية.
الجارديان نقلت تحذيرات رسمية إيرانية من أي تدخل خارجي، واعتبرت أن تصريحات ترامب تمثل “خطًا أحمر”.
(مصدر: The Guardian –
https://www.theguardian.com/world/2026/jan/02/iranian-officials-warn-trump-not-cross-red-line-threats-intervene-protests)
النظام الإيراني يدرك أن الخطر الحقيقي ليس في التظاهر ذاته، بل في تسييس الغضب الشعبي خارجيًا، وهو ما يسعى لمنعه بكل الوسائل.
خامسًا: ترامب وإيران… لغة التهديد في زمن العجز
عودة دونالد ترامب إلى واجهة الخطاب السياسي تجاه إيران أعادت نغمة التهديدات الصاخبة. حديثه عن “التدخل لحماية المتظاهرين” أثار ضجيجًا إعلاميًا واسعًا، لكنه في العمق يعكس سياسة خطابية أكثر منها استراتيجية عسكرية.
ترامب، الذي يقدّم نفسه كرجل قوة، يدرك في الوقت نفسه حدود القوة الأمريكية الراهنة. الجيش الأمريكي منخرط في أكثر من مسرح عمليات، والداخل الأمريكي لم يعد يحتمل حروبًا طويلة ومكلفة بلا نتائج واضحة.
لهذا، تبدو تهديدات ترامب أقرب إلى ردع نفسي واستثمار انتخابي، لا مقدمة لحرب شاملة مع إيران.
سادسًا: هل يستطيع الجيش الأمريكي ضرب إيران الآن؟
من الناحية النظرية، تمتلك الولايات المتحدة القدرة العسكرية على توجيه ضربات قاسية لإيران. لكن القدرة لا تعني القرار.
الواقع الاستراتيجي يقول إن واشنطن:
- منخرطة في دعم أوكرانيا.
- تراقب الصين في شرق آسيا.
- تدير أمن الملاحة في البحر الأحمر.
- تواجه توترات في أمريكا اللاتينية.
فتح جبهة شاملة مع إيران في هذا التوقيت يعني مخاطرة استراتيجية كبرى، قد تشعل المنطقة بأكملها دون ضمان نتائج حاسمة.
سابعًا: إسرائيل… المراقب القَلِق
إسرائيل تراقب المشهد من زاوية مختلفة. أي انهيار داخلي في إيران قد يبدو مغريًا، لكنه أيضًا يحمل مخاطر الفوضى. وأي حرب أمريكية – إيرانية قد تجر إسرائيل تلقائيًا إلى قلب الصراع.
لذلك، تميل تل أبيب إلى دعم سياسة الضغط دون الانفجار، والإبقاء على مستوى التوتر دون الوصول إلى الحرب الشاملة.
ثامنًا: الخليج العربي… كلفة التصعيد أعلى من المكاسب
دول الخليج، التي خبرت نتائج الفوضى الإقليمية، تبدو اليوم أقل حماسة لأي مواجهة مفتوحة مع إيران. الاستقرار الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، وإدارة التحولات الداخلية، كلها أولويات تجعل خيار الحرب آخر ما يُراد.
اليمن، بالنسبة للخليج، أصبح مثالًا حيًا على كيف تتحول المغامرات العسكرية إلى استنزاف طويل الأمد.
تاسعًا: فنزويلا… جبهة أخرى تُقيّد واشنطن
في موازاة الشرق الأوسط، عاد التوتر بين الولايات المتحدة وفنزويلا إلى الواجهة، مع تصريحات ترامب حول النفط والتدخل الأمريكي.
الجارديان أشارت إلى أن واشنطن تدرس أدوارًا أكثر مباشرة في الملف الفنزويلي، ما يضيف عبئًا جديدًا على السياسة الخارجية الأمريكية.
(مصدر: The Guardian –
https://www.theguardian.com/us-news/2026/jan/03/trump-venezuela-oil-industry)
تعدد الجبهات يعني ببساطة أن إيران ليست أولوية الحرب.
الخلاصة: زمن الاستعراض لا الانفجار
ما يجري في اليمن، وإيران، وواشنطن، ليس مقدمة لحرب كبرى بقدر ما هو إدارة توتر محسوب. كل طرف يلوّح بالقوة، لكن الجميع يدرك كلفة استخدامها.
اليمن سيبقى ساحة صراع بالوكالة. إيران ستواصل امتصاص الغضب الداخلي بالقوة والوقت. الولايات المتحدة ستستمر في التهديد دون الذهاب بعيدًا. وترامب سيستخدم لغة النار دون إشعالها.
إنه شرق أوسط يعيش على حافة الانفجار… لكنه يؤجله عمدًا.
إقرأ أيضًا :
ترامب يعلن القبض على مادورو وترحيله قسرًا: هل بدأت أمريكا إسقاط الأنظمة بالقوة المباشرة؟
أنجلينا جولي في معبر رفح: لماذا تحولت الزيارة الإنسانية إلى رسالة سياسية محرجة للعالم؟
اندلاع وشيك؟ أخطر تحذيرات عن حرب محتملة بين إيران وإسرائيل وتأثيرها على الشرق الأوسط
المتحف المصري الكبير.. "الهرم الرابع" الذي أعاد مصر إلى صدارة الحضارة الإنسانية

تعليقات
إرسال تعليق