الشرق الأوسط في قلب الحرب الباردة الجديدة: لماذا تحوّلت المنطقة إلى ساحة الصراع الأمريكي–الروسي الأخطر في العالم؟
الشرق الأوسط في قلب الحرب الباردة الجديدة: كيف تحوّلت المنطقة إلى ساحة صراع أمريكي–روسي مفتوح؟
لم يعد الحديث عن الحرب الباردة الجديدة ترفًا نظريًا أو توصيفًا إعلاميًا مبالغًا فيه، بل أصبح توصيفًا دقيقًا لنظام دولي يعاد تشكيله على مهل، وبأدوات مختلفة، ولكن بالمنطق ذاته الذي حكم الصراع بين المعسكرين طوال النصف الثاني من القرن العشرين. وإذا كان الصدام الأمريكي–الروسي هو العنوان الأبرز لهذا التحول، فإن الشرق الأوسط لم يعد مجرد مسرح جانبي، بل بات في قلب هذا الصراع، وأحد أكثر ساحاته اشتعالًا وتعقيدًا.
في المقال السابق، تناولنا كيف ولماذا لم تنتهِ الحرب الباردة فعليًا، وكيف أعادت موسكو وواشنطن إنتاج الصراع بصيغ جديدة. أما هنا، فننتقل من الإطار العالمي إلى الساحة الأكثر حساسية: الشرق الأوسط، حيث تتقاطع الطاقة، والجغرافيا، والأمن، والعقيدة السياسية، وحروب الوكالة، في مزيج يجعل المنطقة ساحة مثالية لحرب باردة لا تريد أي من أطرافها أن تتحول إلى مواجهة مباشرة.
لماذا لا تستطيع القوى الكبرى تجاهل الشرق الأوسط؟
منذ اكتشاف النفط، لم يعد الشرق الأوسط مجرد تجمع دول نامية تعاني من اضطرابات سياسية، بل تحول إلى ركيزة أساسية في معادلات القوة العالمية. ورغم كل الحديث عن التحول إلى الطاقة المتجددة، لا تزال المنطقة تمسك بمفاتيح مؤثرة في سوق الطاقة العالمي، سواء من حيث الإنتاج أو خطوط النقل أو القدرة على التأثير في الأسعار.
لكن الطاقة وحدها لا تفسر هذا الحضور الطاغي. فالموقع الجغرافي للشرق الأوسط، الذي يربط آسيا بأفريقيا وأوروبا، ويشرف على أهم الممرات البحرية في العالم مثل مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، يجعل أي قوة عظمى حريصة على تثبيت نفوذها فيه، أو على الأقل منع خصومها من السيطرة عليه.
إلى جانب ذلك، تمثل المنطقة عقدة أمنية دائمة، تتداخل فيها الصراعات الدينية والعرقية والسياسية، ما يجعلها بيئة خصبة لحروب الوكالة، حيث يمكن للقوى الكبرى إدارة صراعاتها من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، وبكلفة أقل، وإن كانت طويلة الأمد.
كيف عادت روسيا بقوة إلى الشرق الأوسط؟
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، بدا وكأن موسكو خرجت نهائيًا من الشرق الأوسط، تاركة الساحة للولايات المتحدة وحلفائها. غير أن هذا الانسحاب لم يكن خيارًا استراتيجيًا بقدر ما كان نتيجة ضعف داخلي وانشغال بإعادة بناء الدولة الروسية. ومع صعود فلاديمير بوتين، بدأت موسكو تدريجيًا في استعادة حضورها، مستفيدة من أخطاء واشنطن وفراغاتها.
كانت سوريا نقطة التحول الأهم. فالتدخل العسكري الروسي عام 2015 لم يكن مجرد دعم لحليف تقليدي، بل إعلانًا واضحًا بأن روسيا عادت لاعبًا لا يمكن تجاوزه في معادلات المنطقة. من خلال سوريا، حصلت موسكو على قواعد عسكرية دائمة على البحر المتوسط، ورسخت صورة القوة القادرة على حماية حلفائها، في مقابل صورة أمريكية باتت تُتهم بالتخلي عن شركائها عند أول اختبار حقيقي.
إلى جانب العامل العسكري، لعبت روسيا بورقة الطاقة بذكاء، سواء عبر التنسيق مع دول منتجة داخل وخارج أوبك، أو من خلال استخدام الغاز كسلاح سياسي في صراعها الأوسع مع الغرب. هذا الحضور المتشابك، العسكري والاقتصادي، جعل روسيا طرفًا أساسيًا في أي معادلة تخص الشرق الأوسط.
الولايات المتحدة: من الهيمنة المباشرة إلى إدارة النفوذ
في المقابل، لم تعد الولايات المتحدة القوة المتدخلة عسكريًا بشكل مباشر كما كانت في العراق وأفغانستان. التجارب المكلفة، ماديًا وبشريًا وسياسيًا، دفعت واشنطن إلى إعادة صياغة استراتيجيتها في المنطقة، والانتقال من منطق الاحتلال والتدخل المباشر إلى منطق إدارة النفوذ عن بُعد.
تعتمد هذه الاستراتيجية على مزيج من الأدوات: العقوبات الاقتصادية، الضغوط الدبلوماسية، التحالفات الإقليمية، والدعم غير المباشر لقوى محلية. وفي هذا السياق، تحتفظ إسرائيل بمكانة محورية في الاستراتيجية الأمريكية، ليس فقط كحليف تقليدي، بل كنقطة ارتكاز أمنية متقدمة في منطقة مضطربة.
غير أن هذا التحول الأمريكي أتاح لروسيا، وكذلك لقوى إقليمية أخرى، توسيع هامش حركتها. فالفراغ النسبي الذي تركته واشنطن في بعض الملفات لم يظل فراغًا طويلًا، بل امتلأ سريعًا بقوى تبحث عن موطئ قدم في نظام دولي يتغير.
غزة وسوريا وإيران: جبهات حرب باردة بلا مواجهة مباشرة
تتجلى الحرب الباردة الجديدة في الشرق الأوسط بوضوح من خلال ما يمكن تسميته «الجبهات غير المباشرة». ففي غزة، لا يقتصر الصراع على بعده الفلسطيني–الإسرائيلي، بل يتداخل مع حسابات إقليمية ودولية أوسع، حيث تتحول كل جولة تصعيد إلى اختبار لموازين القوى، وحدود الدعم، وخطوط الردع.
أما سوريا، فقد أصبحت النموذج الأكثر اكتمالًا لحرب الوكالة، حيث تتقاطع المصالح الروسية والأمريكية والإيرانية والتركية، من دون أن تصل إلى حد الصدام المباشر بين القوى الكبرى. كل طرف يدير صراعه بعناية، واضعًا خطوطًا حمراء لا يتجاوزها، في تجسيد عملي لمنطق الحرب الباردة.
وفي الملف الإيراني، يظهر الصراع بأدوات أكثر تعقيدًا: عقوبات اقتصادية، مفاوضات نووية متعثرة، عمليات أمنية غير معلنة، وضغوط إقليمية متبادلة. هنا أيضًا، لا تسعى أي من القوى الكبرى إلى حرب شاملة، لكنها في الوقت ذاته لا تسمح بحسم الصراع لصالح طرف واحد.
ماذا يعني ذلك للدول العربية؟
بالنسبة للدول العربية، فإن التحول إلى ساحة صراع في حرب باردة جديدة يعني تضييق هامش المناورة السياسية. فالحياد يصبح أكثر كلفة، والاصطفاف أكثر خطورة، في ظل نظام دولي يعيد إنتاج الاستقطاب، ولكن من دون قواعد واضحة كما كان الحال في الحرب الباردة التقليدية.
اقتصاديًا، تدفع المنطقة ثمن هذا الصراع من خلال اضطراب الأسواق، وارتفاع كلفة التأمين والنقل، وتزايد الضغوط على العملات والديون. أمنيًا، تستمر حالة عدم الاستقرار، مع ما تحمله من استنزاف طويل الأمد للموارد والطاقات.
غير أن هذا الواقع لا يعني غياب الخيارات تمامًا. فبعض الدول تحاول اللعب على التوازنات، واستثمار موقعها الجغرافي أو ثقلها السياسي لتقليل الخسائر، وربما تحقيق مكاسب محدودة. لكن النجاح في ذلك يظل مرهونًا بقدرة هذه الدول على قراءة التحولات الدولية بدقة، وعدم الارتهان الكامل لأي محور.
في الخلاصة: الشرق الأوسط كمرآة للنظام الدولي الجديد
ما يحدث في الشرق الأوسط ليس سوى انعكاس لتحول أعمق في النظام الدولي. فالحرب الباردة الجديدة لا تُدار بالشعارات الإيديولوجية وحدها، بل بالمصالح، والطاقة، والتكنولوجيا، وإدارة الأزمات. وفي هذا السياق، تبقى المنطقة إحدى أكثر الساحات قابلية للاشتعال، وأشدها حساسية لأي خلل في توازنات القوة.
الرهان الحقيقي ليس على من ينتصر في جولة هنا أو هناك، بل على من ينجح في التكيف مع نظام دولي لم يعد أحادي القطبية، ولم يصل بعد إلى تعددية مستقرة. وبين هذا وذاك، يظل الشرق الأوسط، مرة أخرى، في قلب العاصفة.
إقرأ أيضًا:
لماذا لم تنتهِ الحرب الباردة؟ كيف أعادت روسيا وأمريكا العالم إلى منطق الصراع
من مصادرة ناقلة نفط إلى حافة الحرب النووية: كيف أشعل “أسطول الظل” مواجهة بحرية بين أمريكا وروسيا؟
«أمريكا على حافة الانفجار: مقتل رينيه جود يكشف الوجه القمعي لترامب وانقسام الديمقراطية»

تعليقات
إرسال تعليق