"زيارة أحمد الشرع إلى البيت الأبيض: صفقة القرن الجديدة بين واشنطن ودمشق تكشف تحولاً تاريخيًا في الشرق الأوسط"

زيارة أحمد الشرع إلى البيت الأبيض: الحدث الذي غيّر معادلات الشرق الأوسط

الزيارة التاريخية التي جمعت الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، أول لقاء بين رئيس سوري وأمريكي منذ عام 1946، أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط العربية والدولية. المقال يقدّم تحليلًا شاملًا لخلفيات اللقاء، أبعاده الجيوسياسية، الدور السعودي والمصري، الاتفاقيات السرية، وردود الفعل الأمريكية والعربية، وتأثير الحدث على مستقبل الشرق الأوسط.

لحظة تاريخية في السياسة العربية والدولية

في 10 نوفمبر 2025، دخل الرئيس السوري أحمد الشرع التاريخ من أوسع أبوابه حين زار البيت الأبيض بدعوة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في أول زيارة من نوعها لرئيس سوري منذ استقلال سوريا عام 1946.
الحدث كان صادمًا ومثيرًا في آنٍ واحد، ليس فقط لأنه أنهى عقودًا من القطيعة بين واشنطن ودمشق، بل لأن الزائر نفسه كان حتى وقت قريب مدرجًا على قوائم الإرهاب الأمريكية، مع مكافأة قدرها عشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عنه.
اللقاء، الذي رتبت له المملكة العربية السعودية ضمن رؤية تهدف إلى إبعاد سوريا عن النفوذ الإيراني، اعتبره محللون تحوّلًا استراتيجيًا في خريطة الشرق الأوسط الجديدة، وعودة أمريكية محسوبة إلى الساحة السورية بعد سنوات من الانسحاب النسبي.

زيارة أحمد الشرع إلى البيت الأبيض


لكن الجدل لم يقف عند مضمون اللقاء، بل بدأ من شكله الغريب: دخول الشرع من الباب الخلفي للبيت الأبيض، وجلوسه أمام ترامب في المؤتمر الصحفي وليس بجانبه، وهي لقطات وثّقتها القنوات العالمية وأثارت سيلًا من التساؤلات حول مغزى المشهد ودلالاته السياسية.


من القطيعة إلى اللقاء – الطريق الطويل بين دمشق وواشنطن

1. سنوات الجفاء والدم

منذ نهاية الأربعينيات، ساد التوتر علاقات سوريا والولايات المتحدة. في عهد حافظ الأسد ثم بشار الأسد، اعتبرت واشنطن دمشق دولة راعية للإرهاب، وفرضت عليها عقوبات قاسية، كان آخرها قانون قيصر الذي جمد التعاملات الاقتصادية السورية بشكل شبه كامل.
بلغت القطيعة ذروتها بعد اندلاع الحرب الأهلية السورية عام 2011، حين وصفت الخارجية الأمريكية النظام السوري بأنه فاقد للشرعية.

2. صعود أحمد الشرع – من "قائمة الإرهاب" إلى قصر الشعب

أحمد الشرع، المعروف سابقًا باسمه الحركي أبو محمد الجولاني، كان أحد أبرز قادة هيئة تحرير الشام في إدلب. وضعته وزارة الخارجية الأمريكية على لائحة الإرهاب عام 2017، وأعلنت مكافأة عشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تقود إلى اعتقاله.
لكن بعد انهيار النظام السابق في أواخر 2024، نجح الشرع في السيطرة على العاصمة دمشق بدعم فصائل محلية وتوافق ضمني بين أطراف عربية، قبل أن يُعلن نفسه رئيسًا انتقاليًا لسوريا.
المفارقة أن الرجل الذي كانت واشنطن تعتبره “إرهابيًا”، أصبح اليوم جالسًا أمام الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض.

3. لماذا الآن؟

بحسب تقرير BBC وAl Jazeera English، فإن اللحظة جاءت في إطار صفقة أوسع لإعادة سوريا إلى الحضن العربي وتحييدها عن إيران، بمباركة سعودية وإماراتية وبدعم مصري غير معلن.


مشهد اللقاء الغامض – بين البروتوكول والرمزية

1. دخول من الباب الخلفي

الصور المسربة من داخل البيت الأبيض أظهرت الشرع يدخل من الباب الخلفي دون مراسم رسمية أو استقبال على السجادة الحمراء، بخلاف الأعراف المتبعة.
بحسب The Guardian، تم الأمر بطلب من ترامب نفسه لتجنّب احتجاجات في محيط البيت الأبيض من جماعات سورية معارضة.

2. جلوس غير متوازن في المؤتمر الصحفي

خلال المؤتمر الصحفي، جلس الرئيس الأمريكي خلف مكتبه، بينما جلس الشرع أمامه لا بجانبه، في وضع غير مسبوق دبلوماسيًا.
صحيفة Le Monde وصفت المشهد بأنه “رسالة متعمّدة تُظهر من هو صاحب اليد العليا في التفاوض”.

3. كلمات ترامب المثيرة

قال ترامب في المؤتمر الصحفي:

“أحمد الشرع رجل قاسٍ يأتي من مكان صعب… لكنه يريد السلام، وأنا أحترم ذلك.”
جملة بدت كإشادة متحفظة، لكنها فتحت الباب لتأويلات متناقضة بين الدعم والاتهام بالتواطؤ مع شخصية مثيرة للجدل.


خلفيات اللقاء – صفقة القرن الجديدة؟

1. الدور السعودي الحاسم

بحسب Arab News، لعبت الرياض دور الوسيط بين واشنطن ودمشق، مستغلة قنواتها المفتوحة مع الجانبين، في إطار رؤية تهدف إلى تقليص نفوذ إيران في سوريا.
مصادر دبلوماسية أكدت أن ولي العهد السعودي عرض على واشنطن خطة ثلاثية تشمل:

  • تطبيع تدريجي مع سوريا.
  • إخراج المستشارين الإيرانيين من أراضيها.
  • تقديم دعم اقتصادي عبر الصناديق الخليجية مقابل رفع جزئي للعقوبات الأمريكية.

2. رؤية واشنطن: كبح إيران وتطويق روسيا

وفق تحليل Responsible Statecraft، واشنطن رأت في الصفقة فرصة لإضعاف النفوذ الروسي والإيراني في المنطقة، خصوصًا بعد فشل العقوبات في تحقيق نتائج ملموسة.
البيت الأبيض أشار إلى أن “التفاهم مع دمشق الجديدة” جزء من إعادة تموضع استراتيجي أوسع يشمل أيضًا ملفات العراق واليمن ولبنان.

3. موقف القاهرة: تنسيق حذر ومراقبة دقيقة

مصر، بحسب مصادر قريبة من وزارة الخارجية نقلها موقع Sky News Arabia، رحّبت مبدئيًا بالتحرك، لكنها تتعامل معه بحذر، خشية أن يكون مجرد خطوة أمريكية مؤقتة تهدف إلى استمالة دمشق دون ضمانات حقيقية.
القاهرة تنسق بهدوء مع موسكو بشأن نقل جزء من النشاط الروسي العسكري من سوريا إلى ليبيا، خاصة في مناطق نفوذ المشير خليفة حفتر، ما يجعلها مراقبًا مباشرًا لأي تحول في توازن القوى الإقليمي.


انتقادات أمريكية داخلية – “كيف يلتقي ترامب إرهابيًا سابقًا؟”

الجدل الأكبر داخل الولايات المتحدة جاء من داخل الحزب الجمهوري نفسه، حيث شنّت النائبة اليمينية تايلور مارغوري غرين هجومًا على الرئيس قائلة:

“كيف يمكن أن يجلس رئيس أمريكا مع رجل كان على قوائم الإرهاب منذ أقل من عام؟”
معلقو CNN أشاروا إلى أن اللقاء قد يُستخدم كورقة انتخابية لترامب في حملته الرئاسية، خاصة أنه يسعى لتقديم نفسه كصانع سلام قادر على ما فشل فيه غيره.
البيت الأبيض ردّ بأن الشرع “لم يعد على قوائم الإرهاب”، وأن واشنطن “تفتح صفحة جديدة في العلاقات مع دمشق” وفق معايير أمنية واضحة.


الاتفاقيات والتفاهمات – ما وراء الأبواب المغلقة

1. تخفيف العقوبات وفتح باب الإعمار

وزارة الخزانة الأمريكية أعلنت تعليقًا مؤقتًا للعقوبات على سوريا لمدة 180 يومًا، في خطوة وُصفت بأنها “اختبار للنوايا”.
التفاهم تضمن السماح لشركات غربية وخليجية بالدخول إلى السوق السورية للمشاركة في إعادة الإعمار، بشرط ضمان شفافية التمويل ومراقبة أمريكية مباشرة.

2. الحد من النفوذ الإيراني

نقطة مركزية في المحادثات تمثلت في التزام الشرع بتقليص تدريجي لوجود المستشارين الإيرانيين وقوات حزب الله داخل سوريا، مقابل تعاون استخباراتي أمريكي في مكافحة الإرهاب.
التقرير الصادر عن Time Magazine أشار إلى أن الاتفاق يتضمن “إعادة هيكلة شاملة للأمن السوري” بإشراف أمريكي–خليجي.

3. موقف روسيا الحذر

موسكو التزمت الصمت رسميًا، لكنها عبّرت عبر وسائلها عن امتعاض غير مباشر، ووصفت الخطوة بأنها “محاولة أمريكية للالتفاف على التفاهمات السابقة”.
تحليل Reuters أكد أن الكرملين يخشى فقدان جزء من نفوذه في شرق المتوسط لصالح واشنطن والرياض.


انعكاسات الزيارة على مصر والمنطقة

1. الملف الليبي: إعادة تموضع روسي–مصري

تشير تقديرات استراتيجية إلى أن روسيا ومصر تدرسان نقل بعض قوات “فاغنر” السابقة من سوريا إلى ليبيا، خاصة في مناطق سرت وبنغازي، في محاولة لتقوية حفتر وإعادة التوازن بعد التغير السوري.
هذا التحرك قد يمنح مصر نفوذًا أوسع في شرق المتوسط، لكنه يضعها أمام تحدي الموازنة بين علاقاتها بروسيا وتفاهماتها مع واشنطن والخليج.

2. الأمن المائي والعربي

استقرار سوريا – إن تحقق – سيساهم في تخفيف الضغط الأمني على الحدود الشرقية للمنطقة العربية، خصوصًا مع انحسار التنظيمات المتطرفة. كما أن أي تعاون اقتصادي جديد قد يفتح لمصر قنوات استثمارية في إعادة إعمار سوريا، خاصة في قطاعي الطاقة والبنية التحتية.

3. إيران وحزب الله في موقف دفاعي

إيران اعتبرت الزيارة “طعنة في الظهر” بحسب تصريح وكالة IRNA، مؤكدة أن “سوريا لن تكون منصة أمريكية في الشرق الأوسط”.
لكن التحليل الواقعي يُظهر أن طهران تدرك حدود قوتها الحالية بعد تراجع نفوذها في العراق ولبنان، ما يجعلها تميل إلى التهدئة بدل التصعيد.


الداخل الأمريكي – أزمة سياسية وتكنولوجية

زيارة الشرع جاءت في وقت تعيش فيه واشنطن أزمة داخلية مزدوجة:

  • إغلاق جزئي للحكومة الفيدرالية بسبب خلافات الميزانية.
  • فضيحة إعلامية بعد انكشاف تزوير مقطع فيديو لترامب باستخدام الذكاء الاصطناعي، ما أدى إلى استقالات في BBC ووسائل إعلام أمريكية كبرى.

هذا السياق جعل الزيارة تبدو كـ “مسرحية سياسية” لتشتيت الانتباه، لكنّها مع ذلك أحدثت أثرًا عميقًا على صورة ترامب بوصفه الرئيس القادر على عقد الصفقات المستحيلة.


فرص ومخاطر أمام العالم العربي

1. الفرص

  • عودة سوريا إلى النظام العربي قد تفتح المجال أمام تكامل اقتصادي إقليمي جديد.
  • انحسار النفوذ الإيراني يمنح الدول العربية فرصة لترتيب ملفاتها الداخلية بعيدًا عن الصراعات الطائفية.
  • فتح الأبواب أمام استثمارات عربية في إعادة إعمار سوريا.

2. المخاطر

  • إذا فشلت واشنطن في إدارة العلاقة مع دمشق، فقد يؤدي ذلك إلى عودة الفوضى أو حتى انقلاب سياسي جديد.
  • احتمال استغلال الزيارة لإضفاء شرعية على رئيس ماضٍ جهادي من دون إصلاحات حقيقية قد يثير قلقًا دوليًا واسعًا.
  • صراع النفوذ بين روسيا وأمريكا على الأراضي السورية قد يتحول إلى حرب باردة جديدة.

قراءة استراتيجية مصرية

من منظور مصري، الزيارة تمثل معادلة معقدة:

  • من جهة، القاهرة ترحب بأي خطوة تُبعد سوريا عن النفوذ الإيراني.
  • من جهة أخرى، تخشى أن تُستبدل الهيمنة الإيرانية بهيمنة أمريكية–خليجية مطلقة تهمّش الدور المصري.
    التحرك الأمثل لمصر في المرحلة القادمة يتمثل في:
  1. التمسك بتوازن العلاقات بين واشنطن وموسكو والرياض.
  2. استثمار موقعها الجغرافي في مشاريع النقل والطاقة التي قد تربط شرق المتوسط بسوريا والعراق.
  3. المشاركة الفاعلة في إعادة الإعمار عبر شركات مصرية وخبرات هندسية معترف بها إقليميًا.
  4. المتابعة الأمنية الدقيقة لأي تحولات في ليبيا وسوريا لتجنّب تسلل عناصر متطرفة أو شبكات تهريب عبر الحدود.

ماذا بعد؟ – سيناريوهات محتملة

السيناريو الأول: شراكة استراتيجية حقيقية

يُتوّج الاتفاق بتعاون اقتصادي وأمني مستقر بين دمشق وواشنطن، وتبدأ مرحلة جديدة من إعادة الإعمار.
تستفيد مصر والسعودية من هذا الاستقرار اقتصاديًا، وتتحول سوريا إلى محور تنمية إقليمي.

السيناريو الثاني: صفقة مؤقتة تنهار سريعًا

يتراجع ترامب تحت ضغط الكونغرس، وتفشل دمشق في الوفاء بتعهداتها تجاه واشنطن، لتعود العقوبات ويُجمّد التعاون.
في هذه الحالة، ستكون مصر والدول العربية قد خسرت ورقة مهمة في إعادة التوازن الإقليمي.

السيناريو الثالث: إعادة رسم الشرق الأوسط

تتحول الزيارة إلى نقطة انطلاق لمشروع أمريكي جديد يعيد ترتيب المنطقة بأكملها، يشمل تسويات في ليبيا واليمن وغزة، وتصبح سوريا منصة نفوذ غربي–عربي بديلة عن إيران وروسيا.


ما بين الباب الخلفي والمشهد الأمامي

زيارة أحمد الشرع إلى البيت الأبيض ليست مجرد حدث دبلوماسي، بل زلزال سياسي أعاد خلط الأوراق في الشرق الأوسط.
من الباب الخلفي دخل رجل كان على قوائم الإرهاب إلى صالون أكبر قوة في العالم، ومن على الكرسي الأمامي جلس أمام رئيس أمريكا متحديًا بروتوكول السياسة والتاريخ.
اللقاء لم ينهِ الصراع في سوريا، لكنه بدأ فصلاً جديدًا من لعبة الأمم، عنوانها “التفاهمات الرمادية”.
ويبقى السؤال الأهم:
هل سيكون الشرع بالفعل بوابة سلام لسوريا والعرب… أم مقدمة لتوازنات أكثر تعقيدًا في القادم من السنوات؟


المصادر الموثوقة:

اقرأ أيضا:


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اجتماع الجنرالات الأكبر في تاريخ البنتاغون: هل ينفجر العالم من أوكرانيا إلى تايوان والشرق الأوسط نحو حرب عالمية ثالثة؟"

تطبيق ياسين تي في على آيفون: رابط التحميل والمميزات الكاملة لمشاهدة المباريات

تحميل تطبيق ياسين Yacine tv اخر اصدار