الملك فاروق، الحارس الشخصي للملك فاروق، ثورة يوليو 1952، يخت المحروسة، تنازل الملك فاروق عن العرش، محمد نجيب، شهادة عبد المنعم جنيد، قصر المنتزه، فاروق الأول، نهاية الملكية في مصر
شاهد على العصر: شهادة الحارس الشخصي للملك فاروق تكشف أسرار اللحظات الأخيرة قبل الرحيل
في واحدة من أهم الشهادات التاريخية النادرة، كشف الدكتور عبد المنعم جنيد، الحارس الشخصي للملك فاروق الأول، عن كواليس اللحظات الأخيرة للملك قبل مغادرته مصر في 26 يوليو 1952، بعد تنازله عن العرش إثر ثورة الضباط الأحرار. جاءت هذه الشهادة في حوار خاص مع جريدة الوفد، لتضيء جانبًا إنسانيًا ووطنياً لطالما غاب عن الصورة النمطية المروّجة للملك فاروق.
الملك فاروق: رجل متدين ووطني حتى النخاع
يروي الحارس الشخصي أن الملك فاروق لم يكن كما صوّرته بعض الروايات، بل كان إنسانًا بسيطًا، متواضعًا، وشرقيًا محافظًا على صلاته، مواظبًا على إقامة مقرأة رمضانية داخل قصر عابدين. ويؤكد الدكتور جنيد:
"الملك فاروق لم يكن عاشقًا للخمر أو النساء كما روج البعض، بل كان يقضي وقته في نادي السيارات للترفيه فقط".
هذا التوصيف الإنساني يعيد الاعتبار لصورة الملك الذي لطالما وُصف بغير ما كان عليه واقعًا، وفقًا لروايات شهود العيان من المقرّبين منه.
شجاعة في مواجهة الثورة.. ورفض الدعم الأجنبي
خلافًا لما يعتقده البعض، يقول جنيد إن الملك لم يكن جبانًا ولم يهرب تحت ضغط، بل كان شجاعًا في قراره بالتنحي تجنبًا لسفك الدماء.
"الجيش لم يكن كله ضده، فهناك قادة مثل سليمان عزت قائد البحرية ظلوا مخلصين له حتى النهاية"، حسب شهادة الحارس.
ويضيف أن الملك رفض عرضًا واضحًا من السفارة البريطانية بالتدخل لصالحه صباح يوم الثورة، وأصر على أن يتحمّل مسؤوليته الوطنية وحده، ليجنب مصر الدخول في اقتتال داخلي.
لحظة التنازل عن العرش.. قرار تاريخي صامت
في صباح 26 يوليو 1952، وصل المستشار سليمان حافظ حاملاً وثيقة التنازل. ويكشف جنيد أن الطاولة التي وقّع عليها الملك كانت منخفضة، ما تسبب في ارتعاش يده، فطلب توقيعًا ثانيًا على طاولة أعلى لتأكيد صحة توقيعه.
"فاروق لم يوقّع خوفًا، بل حفاظًا على مصر من الانقسام"، بحسب رواية الحارس، التي تعكس موقفًا تاريخيًا بُني على إدراك مسؤولية الدولة لا على الهروب من المواجهة.
الوداع من قصر المنتزه.. ودقة ملكية في الموعد
يتحدث جنيد عن اللحظة التي غادر فيها الملك قصر المنتزه متوجهًا إلى يخت المحروسة:
"جهزنا 27 حقيبة بملابس صيفية فقط، فقد تركوا الشتوية في القاهرة، وكان الملك دقيقًا في مواعيده، أصرّ على المغادرة في الوقت المحدد، وقال: "لابد أن أحافظ على كلمتي وموعد المغادرة".
رغم أنه كان يفارق بلده وعرشه، إلا أن الملك حافظ على التزامه بالتقاليد الملكية والدقة التي تليق بمقامه.
تحية أخيرة من البحر.. الملك يودّع رجاله
خلال الرحلة البحرية، التحق بهم اللواء محمد نجيب وعدد من الضباط لتحية الملك، الذي قال لهم:
"أرجو لكم التوفيق في مهمتكم الصعبة"، في مشهد وصفه الحارس بـ"المؤثر" والمفعم بروح المسؤولية.
وفي لحظة مغادرتهم، أطلقت المدفعية البحرية طلقات التحية الملكية، وكأنها تعلن نهاية فصلٍ طويل من الحكم الملكي في مصر.
الأسطول الأمريكي يحيّي المحروسة.. والأميرة فريال تعلق بأسى
وعند دخول المياه الإقليمية الإيطالية، حيّا الأسطول السادس الأمريكي يخت المحروسة، وتحدث الحارس مع الأميرة فريال التي علّقت بأسى:
"هو فيه ملك خرج وتنازل عن العرش ورجع تاني؟".
كلمات موجعة تلخص مأساة ملك فقد عرشه ووطنه في لحظة.
دموع الوداع.. الملك يبكي مصر
وقبل الوصول إلى نابولي، جمع الملك مرافقيه وقال لهم:
"لو احتجتم شيئًا قولوا لي، وإن شاء الله تكونوا مبسوطين".
ثم ودّعهم فردًا فردًا، لكنه ما إن دخل حجرته حتى انفجر باكيًا بحرقة.
"كان مصريًا حتى النخاع، لم يكن سهلًا عليه أن يترك وطنه"، يروي جنيد. ويؤكد أن الملك طلب عدم التقاط صور له أثناء النزول، احترامًا لخصوصية اللحظة، وغادر على متن لانش صغير يملكه صديقه الإيطالي بوسيتي.
الرحيل الأخير: كبرياء الملوك وصمت المحاربين .
بصمت الملوك، وبكبرياء المحاربين، غادر الملك فاروق أرض مصر، لا مهزومًا بل مضحيًا من أجل دماء شعبه.
لقد اختار الرحيل بهدوء على أن يبقى ويشعل فتيل حرب أهلية.
خاتمة: شهادة للتاريخ لا تُنسى
شهادة الحارس الشخصي للملك فاروق تكشف الكثير من الجوانب الإنسانية والوطنية المغيّبة عن تلك المرحلة. إنها شهادة تسلط الضوء على رجل حكم مصر في وقت حساس، وخرج منها في لحظة صدق وكرامة.
"ربما غادر فاروق القصر، لكنه لم يغادر ذاكرة التاريخ".



تعليقات
إرسال تعليق