تصعيد المعادن النادرة بين أمريكا والصين: كيف أشعلت بكين حربًا اقتصادية تهدد الاقتصاد العالمي وتربك إدارة ترامب؟
تصعيد المعادن النادرة يشعل المواجهة الاقتصادية بين واشنطن وبكين.
في تطور يعيد إشعال نيران الحرب الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين، فرضت بكين قيودًا جديدة على تصدير المعادن النادرة، في خطوة وُصفت بأنها ضربة موجعة لصناعات الدفاع والطيران الأمريكية، قبل أيام من لقاء محتمل بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ.
هذه التطورات تأتي في لحظة سياسية حساسة تشهد فيها واشنطن إغلاقًا حكوميًا هو الأطول منذ سنوات، مما يضع الإدارة الأمريكية أمام اختبار مزدوج: اقتصادي داخلي وضغوط دولية متصاعدة.
الصين تشهر سلاح المعادن النادرة
أعلنت الحكومة الصينية رسميًا فرض قيود صارمة على تصدير المعادن النادرة مثل “النيوديميوم” و“الجرمانيوم” و“الغالوم”، وهي عناصر تدخل في صناعة محركات الطائرات والصواريخ والشرائح الإلكترونية المتقدمة.
وبحسب تقرير نشرته رويترز، فإن الصين تُنتج أكثر من 70% من احتياج العالم من هذه المعادن، بينما تعتمد الولايات المتحدة بنسبة تقارب 70% على الواردات الصينية لتشغيل قطاعاتها الدفاعية والتكنولوجية الحساسة.
ويُنظر إلى القرار الصيني على أنه ورقة ضغط استراتيجية تمهد لمفاوضات القمة المرتقبة مع واشنطن، خصوصًا أن بكين باتت تُدرك أن المعادن النادرة تمثل “النفط الجديد” لعصر التكنولوجيا والذكاء الصناعي.
رد ترامب: جمارك 130% وإجراءات انتقامية
لم يتأخر الرد الأمريكي كثيرًا. فقد أعلن ترامب نيّته فرض جمارك إضافية بنسبة 130% على البضائع الصينية، مبررًا ذلك بما وصفه بـ“الممارسات التجارية غير العادلة”.
كما كشفت بلومبرغ أن الإدارة الأمريكية تستعد لوقف تصدير بعض البرمجيات الحيوية وأنظمة الذكاء الاصطناعي إلى الصين اعتبارًا من نوفمبر المقبل.
هذه الخطوات تأتي ضمن استراتيجية أوسع أطلق عليها ترامب “أمريكا أولًا… تقنيًا”، وهي سياسة تهدف لإبطاء التقدم الصيني في مجالات أشباه الموصلات والتقنيات الحساسة التي تدعم القدرات العسكرية.
الإغلاق الحكومي: صداع داخلي يهدد ترامب
في الداخل الأمريكي، يعيش ترامب واحدة من أعقد الأزمات منذ توليه الحكم. فالإغلاق الحكومي دخل يومه العاشر وسط شلل جزئي في المؤسسات الفيدرالية وتعطل صرف رواتب آلاف الموظفين.
وبحسب CNN، فإن الخلافات بين الجمهوريين والديمقراطيين حول ميزانية الدفاع والإنفاق الاجتماعي هي السبب الرئيسي وراء هذا الجمود.
انعكست الأزمة على الخدمات اليومية للمواطنين: تأخر الرحلات الجوية، وإغلاق المتاحف والمتنزهات الوطنية، فضلاً عن اضطراب خدمات النقل الفيدرالية.
ترامب يستخدم الإغلاق كسلاح ضغط سياسي
بحسب تحليل نشرته واشنطن بوست، فإن ترامب بدأ بتسريح بعض الموظفين الفيدراليين مؤقتًا للضغط على الديمقراطيين من أجل تمرير بنود في الميزانية تمنحه مزيدًا من الصلاحيات المالية.
لكن هذه الخطوة أثارت موجة غضب في النقابات العمالية، التي أعلنت نيتها رفع دعاوى قضائية ضد البيت الأبيض بدعوى “سوء استخدام السلطة”.
ويرى محللون أن ترامب يحاول استخدام الإغلاق كأداة سياسية لصرف الانتباه عن الخسائر الاقتصادية الناتجة عن التصعيد مع الصين.
المواطن الأمريكي يدفع الثمن
فيما يواصل الطرفان السياسيان تبادل الاتهامات، فإن المتضرر الأكبر هو المواطن الأمريكي العادي.
تأخر في الرواتب، وتراجع في الخدمات، وقلق متزايد بشأن مستقبل الوظائف الفيدرالية.
وأكد تقرير نيويورك تايمز أن استمرار الإغلاق لأكثر من أسبوعين قد يؤدي إلى خسائر تتجاوز 5 مليارات دولار يوميًا، ويهدد بتراجع ثقة الأسواق في الإدارة الاقتصادية الأمريكية.
الصين تتقدم للمفاوضات من موقع القوة
بالتوازي مع الأزمة الداخلية الأمريكية، تستغل الصين الموقف لتعزيز أوراقها التفاوضية.
فإجراءاتها بشأن المعادن النادرة ليست مجرد رد فعل، بل تحرك مدروس لتعزيز الموقف الصيني في المفاوضات المقبلة.
وبحسب تحليل لموقع فايننشال تايمز، فإن بكين تراهن على أن واشنطن لن تستطيع تحمل صدمة توقف سلاسل التوريد في الصناعات الحساسة لأكثر من أسابيع قليلة.
الصين تدرك أن العالم في طريقه إلى اقتصاد قائم على التكنولوجيا المتقدمة، والمعادن النادرة هي الركيزة الأساسية لذلك التحول.
ترامب وهوس جائزة نوبل للسلام
بعيدًا عن الاقتصاد، يعيش ترامب هوسًا سياسيًا آخر: جائزة نوبل للسلام.
فمنذ أن حصل الرئيس الأسبق باراك أوباما على الجائزة عام 2009، يسعى ترامب إلى نيل التكريم ذاته لتأكيد “تفوقه التاريخي”.
يُروّج ترامب لدوره في “إيقاف النزاعات” في الشرق الأوسط بين أرمينيا وأذربيجان، ووساطته بين مصر وإثيوبيا في ملف سد النهضة، لكنه – بحسب BBC – لم يحقق أي إنجاز حقيقي يمكن اعتباره مساهمة في السلام العالمي.
الشرق الأوسط كورقة نوبل
يحاول ترامب استغلال الشرق الأوسط كورقة سياسية لتلميع صورته دوليًا.
فهو يقدم نفسه كرجل يسعى للسلام، بينما تشير الوقائع إلى أن تدخله في ملفات المنطقة يخدم مصالح انتخابية بحتة.
من خلال تبني خطاب "التسويات السريعة"، يسعى لإظهار نفسه كقائد قادر على تهدئة الأزمات، بينما الواقع يؤكد أن معظم هذه “النجاحات” رمزية أكثر منها استراتيجية.
نقد لسياسات ترامب الخارجية
تعتمد إدارة ترامب، بحسب معهد بروكينغز، على دائرة ضيقة من المقربين، فيما تراجع دور الدبلوماسيين المحترفين.
وقد أدى ذلك إلى ارتباك في المواقف الأمريكية تجاه العديد من الملفات الدولية، أبرزها الصراع الصيني–الأمريكي والعلاقات مع أوروبا وحلف الناتو.
ويرى الخبراء أن هذه السياسة الشخصية والانتقائية قد تُكلف واشنطن خسائر طويلة المدى في نفوذها العالمي.
خلاف داخلي متصاعد في واشنطن
يبدو أن الداخل الأمريكي مقبل على تصعيد سياسي غير مسبوق.
فالأزمة بين الجمهوريين والديمقراطيين تجاوزت حدود الخلافات حول الميزانية لتتحول إلى صراع وجودي على السلطة والنفوذ.
وبحسب Politico، هناك مخاوف متزايدة من أن الإغلاق قد يتحول إلى أداة انتخابية يستخدمها الطرفان في حملة الانتخابات المقبلة.
وفي خضم كل ذلك، تحاول الصين المراقبة من بعيد، وهي تدرك أن انقسام واشنطن الداخلي هو أفضل سلاح في معركتها الطويلة مع الولايات المتحدة.
خاتمة: مواجهة القرن بين اقتصادين
إن التصعيد بين أمريكا والصين لم يعد مجرد حرب تجارية، بل صراع حضاري واقتصادي على قيادة النظام العالمي القادم.
فالصين تُخطط لبناء نظام عالمي متعدد الأقطاب، فيما تصر أمريكا على الحفاظ على تفوقها مهما كان الثمن.
لكن بينما تنشغل واشنطن بصراعاتها الداخلية وإغلاقها الحكومي، تواصل بكين تعزيز نفوذها في إفريقيا وآسيا، وتراكم أوراق القوة في مجالات المعادن والطاقة والتكنولوجيا.
وإذا استمرت المواجهة على هذا النحو، فإن العالم ربما يقف على أعتاب مرحلة جديدة من الحرب الباردة – ولكن هذه المرة بلغة الاقتصاد والمعادن النادرة.
🔗 المصادر المدمجة داخل النص:
- Reuters
- Bloomberg
- CNN
- Washington Post
- New York Times
- Financial Times
- BBC
- Brookings Institution
- Politico
اقرأ أيضا:
شرم الشيخ: المخابرات المصرية ترسم خريطة جديدة للتفاوض بين حماس وإسرائيل"



تعليقات
إرسال تعليق