مصر والسعودية أمام تحديات المنطقة: مجلس التنسيق الأعلى كآلية لصياغة الأمن القومي العربي
لحظة مفصلية في الإقليم
في مدينة نيوم السعودية، جمع لقاء استراتيجي بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، حيث اتفق الجانبان على تدشين مجلس التنسيق الأعلى المصري السعودي. الحدث بدا أكبر من كونه لقاءً ثنائياً، فهو يأتي في توقيت بالغ التعقيد، مع اشتداد الأزمات في اليمن وليبيا والسودان، واستمرار النزاع في فلسطين، إلى جانب التحولات المرتبطة بـ إيران، وكلها ملفات تنعكس مباشرة على الأمن القومي العربي.
المصدر: العربية
أولاً: العلاقات المصرية السعودية – تاريخ من التحالفات الاستراتيجية
العلاقات بين القاهرة والرياض ليست وليدة اللحظة؛ فقد شكّل البلدان معًا العمود الفقري للنظام العربي منذ خمسينيات القرن الماضي.
- خلال حرب اليمن الأولى (1962-1970) كان البلدان على طرفي نقيض، لكنهما عادا للتقارب بعد توقيع اتفاقية الخرطوم عام 1967.
- في حرب أكتوبر 1973، برز التنسيق عندما استخدمت السعودية سلاح النفط لدعم الموقف المصري في مواجهة إسرائيل.
- بعد اتفاقية كامب ديفيد 1979 شهدت العلاقات فتورًا، لكن سرعان ما استعادت قوتها في ظل التحديات الإقليمية.
- في عاصفة الحزم 2015 ضد الحوثيين في اليمن، دعمت مصر الموقف السعودي عسكريًا وسياسيًا.
اليوم، يبدو أن تأسيس مجلس التنسيق الأعلى يمثل تتويجًا لهذه المسيرة الطويلة نحو شراكة شاملة.
ثانياً: اليمن – خاصرة الأمن القومي العربي
خلفية تاريخية
اليمن ظلّ دائمًا ساحة صراع إقليمي:
- في الستينيات كان ساحة مواجهة بين مصر الناصرية والسعودية الملكية.
- بعد 2011، انهار التوازن الهش عقب سقوط نظام علي عبد الله صالح، لتندلع حرب متعددة الأطراف.
- دخول الحوثيين المدعومين من إيران إلى صنعاء عام 2014 فجّر تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية.
الموقف الحالي
رغم الهدنة الأخيرة، فإن الصراع لا يزال مرشحًا للتصعيد. السعودية تبحث عن مخرج آمن يضمن عدم بقاء الحوثيين كقوة تهدد حدودها، فيما تدرك مصر أن استقرار اليمن يعني حماية باب المندب وخطوط الملاحة العالمية.
المصدر: الجزيرة
ثالثاً: ليبيا – معركة بين الدولة والميليشيات
خلفية تاريخية
ليبيا، الدولة الغنية بالنفط، تحولت بعد سقوط القذافي 2011 إلى ساحة للفوضى. تنازعت على السلطة حكومات موازية، وبرزت الميليشيات المسلحة، مع تدخل قوى خارجية أبرزها تركيا وروسيا.
الموقف المصري السعودي
- مصر ترى أن استقرار ليبيا مسألة أمن قومي، لكونها جارة مباشرة. القاهرة دعمت الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، ووضعت خط سرت – الجفرة كخط أحمر.
- السعودية تدعم أي مسار يعزز وحدة المؤسسات الليبية، خشية أن تتحول ليبيا إلى ملاذ للتنظيمات الإرهابية.
اليوم، بات التنسيق بين القاهرة والرياض ضروريًا لدعم خريطة الطريق الليبية التي ترعاها الأمم المتحدة.
المصدر: BBC
رابعاً: السودان – دولة على حافة الانهيار
خلفية تاريخية
السودان، الذي تقاسم التاريخ والجغرافيا مع مصر، واجه على مدى عقود تحديات داخلية: حرب أهلية أدت لانفصال الجنوب 2011، أزمات اقتصادية، وصراعات قبلية.
الوضع الراهن
منذ اندلاع الحرب بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي" في أبريل 2023، دخل السودان في نفق مظلم.
- مصر تتحرك لحماية حدودها الجنوبية، وتخشى تدفق اللاجئين.
- السعودية قادت جهود الوساطة عبر محادثات جدة، لكنها تدرك أن استمرار الحرب يهدد البحر الأحمر.
إنه ملف يختبر قدرة مجلس التنسيق المصري السعودي على تقديم حلول عملية.
خامساً: فلسطين وإسرائيل – الصراع المركزي
خلفية تاريخية
القضية الفلسطينية كانت دائمًا قلب الصراع العربي الإسرائيلي:
- مصر خاضت 4 حروب مع إسرائيل حتى اتفاقية السلام 1979.
- السعودية طرحت مبادرة السلام العربية 2002 التي نصت على "الأرض مقابل السلام".
الوضع الراهن
اليوم، يستمر العدوان الإسرائيلي على غزة، مع توسع الاستيطان في الضفة.
- مصر تضطلع بدور الوسيط التاريخي بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، ورفضت أي ضغوط لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء.
- السعودية رغم انفتاحها الأخير في الحوار مع واشنطن حول التطبيع، أكدت أن الحل العادل يبدأ من إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967.
تدرك العاصمتان أن استمرار الاحتلال يهدد المنطقة كلها بالانفجار.
المصدر: سكاي نيوز عربية
سادساً: إيران – بين التهدئة والتصعيد
خلفية تاريخية
إيران منذ ثورة 1979 تمثل معضلة للنظام العربي، إذ تبنت خطابًا معاديًا لـ"الهيمنة الأميركية"، لكنها في الوقت ذاته مارست سياسة تصدير الثورة عبر دعم جماعات مسلحة في المنطقة.
الوضع الحالي
- السعودية أعادت فتح قنوات الاتصال مع طهران عبر الوساطة الصينية في 2023، بهدف تخفيف التوترات.
- مصر تراقب بحذر، إذ ترى أن النفوذ الإيراني في سوريا والعراق واليمن يشكل تهديدًا مباشرًا.
ورغم التهدئة الظاهرة، إلا أن خطر تحول إيران إلى قوة نووية يبقى عامل قلق دائم للأمن العربي.
المصدر: رويترز
سابعاً: الأمن القومي العربي أمام التحديات الكبرى
يمكن تلخيص أبرز التحديات كالتالي:
- التوسع الإسرائيلي ورفضه لأي تسوية عادلة.
- الدول المنهارة عربيًا: ليبيا، اليمن، السودان.
- النفوذ الإيراني والتركي في الإقليم.
- التنافس الدولي بين أميركا وروسيا والصين على المنطقة.
- أزمات الطاقة والملاحة في البحر الأحمر والخليج.
في هذا السياق، يشكّل مجلس التنسيق المصري السعودي محاولة لخلق مظلة عربية جديدة، قد تمهّد لاحقًا لتوسيعها نحو إطار إقليمي أشمل يضم الإمارات والأردن وربما العراق.
ثامناً: الأبعاد الاقتصادية والأمنية
- اقتصادياً: تسعى القاهرة والرياض لزيادة الاستثمارات المشتركة، خاصة في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر.
- أمنيًا: يعزز التنسيق العسكري عبر مناورات مشتركة مثل "تبوك" و"فيصل"، بما يضمن بناء قوة ردع عربية.
خاتمة: نحو صياغة جديدة للمنطقة.
لقاء السيسي وبن سلمان لم يكن مجرد اجتماع ثنائي، بل إعادة رسم لخريطة التحالفات العربية في مواجهة أخطر مرحلة تمر بها المنطقة منذ عقود. فالشرق الأوسط أمام خيارين:
- إما الوحدة والتنسيق العربي لمواجهة التحديات.
- أو الاستسلام للتفكك والفوضى التي تخدم مصالح إسرائيل وقوى إقليمية ودولية أخرى.
وبين هذين الخيارين، يبدو أن مصر والسعودية عازمتان على لعب دور القيادة في صياغة مستقبل جديد للأمن القومي العربي.
المصدر: BBC
المصدر: العربية
المصدر: رويترز
المصدر: الجزيرة
المصدر: سكاي نيوز عربية
