لماذا ترك ترامب الخلاف السعودي الإماراتي يتصاعد؟ صراع النفوذ الخفي في الخليج قبل المواجهة مع إيران
أزمة العلاقات السعودية الإماراتية… لماذا لم يتدخل ترامب؟ قراءة تحليلية في توازنات الخليج ومستقبل التحالفات.
المشهد العام للصراع السياسي في الخليج.
شهدت منطقة الخليج العربي خلال العقد الأخير تحولات استراتيجية عميقة أعادت رسم خريطة التحالفات السياسية والعسكرية والاقتصادية، ووضعت العلاقات بين القوى الإقليمية الكبرى تحت اختبار مستمر. وفي قلب هذه التحولات برزت تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، وهما الدولتان اللتان شكلتا لعقود محور الاستقرار السياسي والاقتصادي في مجلس التعاون الخليجي.
غير أن ما بدا في مرحلة سابقة تحالفًا استراتيجيًا صلبًا، تحول تدريجيًا إلى حالة من التنافس الصامت والخلافات غير المعلنة، التي أثارت جدلًا واسعًا حول مستقبل التوازنات الإقليمية، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة مع إيران، وتراجع الثقة في الضمانات الأمنية الأمريكية.
وسط هذا المشهد المعقد، برز سؤال جوهري: لماذا لم يتدخل الرئيس الأمريكي السابق Donald Trump لحل الخلاف السعودي الإماراتي رغم تصريحاته المتكررة بقدرته على إنهائه بسهولة؟ وهل يمثل عدم التدخل استراتيجية أمريكية محسوبة أم مجرد انعكاس لتحولات أعمق في السياسة الدولية؟
هذا المقال يقدم تحليلًا سياسيًا معمقًا يربط بين جذور الخلاف، ودوافع واشنطن، وتوازنات القوى الإقليمية، ومستقبل التحالف الخليجي.
جذور التحالف السعودي الإماراتي: من الشراكة إلى التنافس
التقارب الأول بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد
![]() |
| ولي العهد السعودي محمد بن سلمان |
![]() |
| الشيخ محمد بن زايد |
![]() |
التحالف السعودي الإماراتي |
![]() |
تطورات التحالف السعودي الإماراتي |
لفهم طبيعة الخلاف الحالي، لا بد من العودة إلى بدايات العلاقة بين ولي العهد السعودي Mohammed bin Salman ورئيس دولة الإمارات Mohammed bin Zayed Al Nahyan.
في السنوات الأولى لصعود محمد بن سلمان داخل النظام السياسي السعودي، لعب محمد بن زايد دورًا محوريًا في دعمه إقليميًا ودوليًا. تشير تحليلات نشرتها مجلة The New Yorker إلى أن القيادة الإماراتية كانت من أبرز الداعمين لصعود ولي العهد السعودي، حيث روجت له في العواصم الغربية كشريك إصلاحي قادر على إعادة تشكيل المنطقة.
كان التقارب بين الرجلين قائمًا على رؤية مشتركة تشمل:
مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة
إعادة تشكيل النظام الإقليمي العربي
التحول الاقتصادي بعيدًا عن النفط
إعادة تعريف دور الدولة في الاقتصاد
دعم أنظمة الحكم المركزية القوية
هذا التقارب أنتج تحالفًا غير مسبوق بين الرياض وأبوظبي، ظهر بوضوح في عدة ملفات إقليمية.
التحالف في حرب اليمن
![]() |
| جماعة الحوثي في اليمن |
![]() |
| خلافات استراتيجية حول مستقبل اليمن ووحدة أراضيه |
شكّل التدخل العسكري في اليمن عام 2015 أول اختبار حقيقي للتحالف السعودي الإماراتي. فقد قادت السعودية التحالف العسكري ضد جماعة الحوثيين المدعومة من إيران، بينما لعبت الإمارات دورًا ميدانيًا أساسيًا في العمليات العسكرية.
غير أن أهداف الطرفين لم تكن متطابقة تمامًا:
السعودية ركزت على حماية حدودها ومنع قيام كيان موالٍ لإيران.
الإمارات ركزت على السيطرة على الموانئ الجنوبية وتأمين طرق التجارة البحرية.
ومع مرور الوقت، ظهرت خلافات استراتيجية حول مستقبل اليمن ووحدة أراضيه، مما زرع بذور التوتر بين الحليفين.
مقاطعة قطر وتشكيل المحور الإقليمي
ساهمت السعودية والإمارات مع مصر والبحرين في تشكيل ما عرف بالرباعي العربي الذي فرض مقاطعة على قطر عام 2017، في خطوة عكست مستوى التنسيق السياسي العالي بين الرياض وأبوظبي آنذاك.
لكن هذه المرحلة مثلت أيضًا ذروة التحالف، قبل أن تبدأ التباينات الاستراتيجية بالظهور نتيجة اختلاف الرؤى الاقتصادية والجيوسياسية.
نقطة التحول: هجمات أرامكو وتراجع الثقة في واشنطن
الهجوم الإيراني على منشآت النفط السعودية



مثّلت الهجمات على منشآت شركة Saudi Aramco عام 2019 لحظة فاصلة في العلاقات السعودية الأمريكية، وأيضًا في العلاقة السعودية الإماراتية.
الهجوم، الذي اتُهمت إيران بالوقوف خلفه، أدى إلى تعطيل جزء كبير من إنتاج النفط السعودي مؤقتًا. لكن رد الفعل الأمريكي كان محدودًا، إذ لم تقدم واشنطن ردًا عسكريًا مباشرًا على الهجوم.
هذا الموقف أحدث تحولًا في التفكير الاستراتيجي السعودي، إذ بدأت القيادة في الرياض تشكك في مدى موثوقية الحماية الأمريكية التقليدية.
اختلاف الاستراتيجيات بعد الهجوم
بعد هجمات أرامكو، اتخذت السعودية مسارًا أكثر حذرًا تجاه المواجهة مع إيران، وسعت إلى تخفيف التوترات الإقليمية. في المقابل، تبنت الإمارات سياسة أمنية أكثر استقلالًا، مع استمرار دعم حلفائها في جنوب اليمن.
هنا بدأت العلاقة تتحول من تحالف استراتيجي إلى منافسة جيوسياسية هادئة.
لماذا لم يتدخل ترامب؟
الحسابات الأمريكية في إدارة الصراعات


لفهم موقف Donald Trump، يجب النظر إلى فلسفة السياسة الخارجية التي تبناها خلال رئاسته، والتي قامت على مبدأ "أمريكا أولًا".
هذه السياسة تقوم على عدة ركائز:
تقليل التدخل العسكري المباشر
تعظيم المكاسب الاقتصادية
استخدام الصراعات الإقليمية لتعزيز النفوذ الأمريكي
تحويل الحلفاء إلى شركاء ماليين في الأمن
في هذا السياق، يمكن تفسير عدم تدخله لحل الخلاف السعودي الإماراتي باعتباره خيارًا استراتيجيًا وليس تقصيرًا سياسيًا.
الصراع كأداة نفوذ أمريكي
ترى بعض التحليلات أن استمرار الخلاف بين حليفين رئيسيين لواشنطن يمنح الولايات المتحدة نفوذًا أكبر عليهما. فكل طرف يسعى إلى كسب الدعم الأمريكي، ما يعزز قدرة واشنطن على التأثير في قراراتهما.
هذا النموذج ليس جديدًا في السياسة الدولية، حيث تستخدم القوى الكبرى التوازنات الإقليمية لتعظيم مصالحها دون تحمل تكلفة المواجهة المباشرة.
الاقتصاد وصفقات السلاح
خلال فترة حكم ترامب، ارتفعت صفقات السلاح الأمريكية مع دول الخليج بشكل كبير. وقد اعتبر الرئيس الأمريكي حينها أن العلاقات مع الحلفاء يجب أن تحقق عوائد اقتصادية مباشرة للولايات المتحدة.
في هذا الإطار، فإن وجود تنافس بين الحلفاء يمكن أن يزيد من الإنفاق العسكري ويعزز المصالح الاقتصادية الأمريكية.
البعد الاقتصادي للخلاف السعودي الإماراتي
التنافس على قيادة الاقتصاد الإقليمي
![]() |
| الاقتصاد الخليجي والمنافسة علي الريادة |
![]() |
| الاقتصاد الخليجي والمنافسة علي الصدارة |
إلى جانب العوامل السياسية، يلعب التنافس الاقتصادي دورًا رئيسيًا في توتر العلاقات بين الرياض وأبوظبي.
فالسعودية، من خلال رؤية 2030، تسعى إلى تحويل الرياض إلى مركز اقتصادي عالمي ينافس دبي، بينما تسعى الإمارات للحفاظ على موقعها كمركز مالي وتجاري إقليمي.
ظهر هذا التنافس في عدة مجالات:
جذب الشركات العالمية
سياسات الاستثمار الأجنبي
السياحة العالمية
النقل والطيران
الطاقة المتجددة
هذا التنافس الاقتصادي يعكس تحولًا أعمق في بنية الاقتصاد الخليجي.
مصر ودورها في التوازن الخليجي.
الوساطة المصرية بين الحليفين.
![]() |
مصر ودورها في التوازن الخليجي |
| مصر ودورها في التوازن في الخليج العربي |
![]() |
| مصر ودورها في التوازن الخليجي والتمسك بالقضية الفلسطينية |
تلعب مصر دورًا مهمًا في إدارة التوازن بين السعودية والإمارات، نظرًا لعلاقاتها الاستراتيجية القوية مع الطرفين.
تحاول القاهرة الحفاظ على موقف محايد يهدف إلى:
منع تفكك التحالف العربي
الحفاظ على الاستقرار الإقليمي
تجنب الانحياز لأي طرف
دعم التنسيق الأمني العربي
ويعكس هذا الدور أهمية مصر في منظومة الأمن الإقليمي.
تأثير الخلاف على التوازن العسكري في الخليج
خطر تفكك الجبهة ضد إيران
![]() |
| التواجد العسكري الامريكي في منطقة الخليج |
![]() |
| الردع الصاروخي الايراني |
أحد أخطر تداعيات الخلاف السعودي الإماراتي يتمثل في احتمال تراجع التنسيق العسكري والاستخباراتي بين الدولتين، وهو ما قد يضعف الجبهة الخليجية في مواجهة إيران.
السيناريوهات المحتملة تشمل:
ضعف الردع العسكري الجماعي
تراجع التنسيق الأمني
زيادة المخاطر على القواعد الأمريكية
تصاعد احتمالات المواجهة الإقليمية
المستفيدون من الخلاف
إعادة تشكيل موازين القوى
يرى عدد من المحللين أن استمرار الخلاف بين الرياض وأبوظبي قد يخدم مصالح عدة أطراف، منها:
إيران التي تستفيد من تراجع وحدة خصومها
إسرائيل التي تتعامل مع كل دولة بشكل منفصل
الولايات المتحدة التي تعزز نفوذها على الحلفاء
هذا التعدد في المستفيدين يعكس تعقيد المشهد الجيوسياسي في المنطقة.
مستقبل التحالف الخليجي: سيناريوهات محتملة
سيناريو المصالحة الاستراتيجية
قد تدفع التهديدات المشتركة، خاصة التوتر مع إيران، إلى إعادة توحيد الموقف الخليجي وتعزيز التنسيق الأمني والاقتصادي.
سيناريو التنافس المستمر
في هذا السيناريو، يستمر التنافس الاقتصادي والسياسي بين الدولتين دون الوصول إلى صدام مباشر، مع الحفاظ على حد أدنى من التعاون.
سيناريو إعادة تشكيل النظام الإقليمي
قد تؤدي التحولات الدولية وتراجع الدور الأمريكي إلى نشوء نظام إقليمي جديد قائم على توازنات متعددة بدلاً من التحالفات التقليدية.
الخلاصة: صراع النفوذ لا صراع الحلفاء
إن الخلاف السعودي الإماراتي لا يعكس انهيارًا للتحالف بقدر ما يعكس تحولات عميقة في طبيعة النظام الإقليمي، حيث تتنافس الدول الصاعدة على النفوذ الاقتصادي والسياسي في عالم يشهد تراجع الهيمنة الأمريكية الأحادية.
أما عدم تدخل ترامب، فيمكن فهمه ضمن استراتيجية أوسع تقوم على إدارة التوازنات بدلاً من حلها، بما يضمن استمرار النفوذ الأمريكي وتعظيم المكاسب الاقتصادية.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستنجح دول الخليج في تجاوز خلافاتها قبل أن تتحول المنافسة إلى صراع مفتوح يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط؟
العلاقات السعودية الإماراتية والتحولات الإقليمية
Council on Foreign Relations – Gulf Alliances
https://www.cfr.orgCarnegie Middle East Center – Gulf Politics Analysis
https://carnegie-mec.org
هجمات أرامكو وتأثيرها الاستراتيجي
BBC News – Saudi Aramco attacks analysis
https://www.bbc.com/news/world-middle-east-49705127Reuters – Saudi oil facility attacks coverage
https://www.reuters.com/world/middle-east
السياسة الخارجية الأمريكية وترامب
Brookings Institution – Trump Middle East Policy
https://www.brookings.eduU.S. Department of State – Foreign Policy Strategy
https://www.state.gov
حرب اليمن والتدخل الخليجي
United Nations Yemen Reports
https://www.un.orgInternational Crisis Group – Yemen Conflict
https://www.crisisgroup.org
الاقتصاد الخليجي والتنافس الإقليمي
World Bank Gulf Economic Update
https://www.worldbank.orgIMF Middle East Regional Outlook
https://www.imf.org
تحليل العلاقات السعودية الإماراتية
The New Yorker – Gulf Leadership Dynamics
https://www.newyorker.com
إقرأ أيضا :
الخليج على فوهة البركان: سيناريوهات الحرب بين أمريكا وإيران وتأثيرها على مصر والاقتصاد العالمي












تعليقات
إرسال تعليق