لماذا يخاف المصريون من الاستثمار طويل الأجل رغم تآكل قيمة المال؟
لماذا يخاف المصريون من الاستثمار طويل الأجل؟
قراءة نفسية واقتصادية في عقلية المال والقرار
الخوف ليس صدفة
إذا سألت أي مصري عن الاستثمار طويل الأجل، فغالبًا ستسمع جملة واحدة تتكرر بصيغ مختلفة:
«مش ضامن بكرة».
هذه الجملة القصيرة تختصر تاريخًا طويلًا من القلق، والتجارب القاسية، والتغيرات الاقتصادية المتلاحقة، التي جعلت فكرة “الاستثمار طويل الأجل” تبدو وكأنها رفاهية لا يملكها المواطن العادي.
لكن السؤال الحقيقي ليس:
هل الاستثمار طويل الأجل مربح؟
بل: لماذا يخاف المصريون منه أصلًا؟
هذا المقال لا يناقش البورصة فقط، ولا يقدم نصائح مالية مباشرة، بل يحاول تفكيك العقلية النفسية والاقتصادية التي تشكلت عبر عقود، وجعلت الخوف هو القرار الافتراضي.
أولًا: الذاكرة الاقتصادية الجماعية… حين يصبح الماضي حاكمًا للحاضر
الاقتصاد لا يُقرأ بالأرقام فقط، بل بالذاكرة.
المصري العادي يحمل في وعيه الجمعي مشاهد متراكمة:
- تعويم الجنيه أكثر من مرة
- ارتفاع الأسعار المفاجئ
- تغيّر القواعد دون إنذار
- أزمات ضربت المدخرات
- وعود لم تتحقق
هذه التجارب لا تُنسى، بل تتحول إلى ما يشبه “جرس إنذار داخلي” يمنع التفكير الهادئ طويل الأجل.
الاستثمار بطبيعته يحتاج:
- صبر
- استقرار نسبي
- ثقة في المستقبل
لكن حين يكون الماضي مليئًا بالانقطاعات، يصبح القلق منطقيًا وليس ضعفًا.
ثانيًا: ثقافة «الأمان أولًا»… لماذا نحب الشهادة البنكية؟
في مصر، لا تُقاس الحكمة المالية بالعائد، بل بـ الأمان.
الشهادة البنكية ليست أعلى ربحًا، لكنها:
- مفهومة
- مضمونة
- بلا مفاجآت
- لا تحتاج متابعة
في المقابل، الاستثمار طويل الأجل:
- يحتاج صبر
- يتحرك صعودًا وهبوطًا
- يتطلب فهمًا
- ويعاقب التسرّع
لذلك، يختار أغلب الناس “النوم الهادئ” بدل “النمو البطيء”.
وهنا المفارقة:
الخوف من المخاطرة يحمي المال على المدى القصير…
لكنه يستنزفه على المدى الطويل بسبب التضخم.
ثالثًا: التضخم… العدو الصامت الذي لا نراه
كثيرون لا يخافون من التضخم لأنهم لا يرونه مباشرة.
المال في الحساب ثابت رقميًا، لكن قوته الشرائية تتآكل بهدوء:
- نفس الراتب يشتري أقل
- نفس المدخرات تفقد قيمتها
- الأسعار ترتفع بينما المال واقف
الاستثمار طويل الأجل وُجد أصلًا ليواجه هذا العدو.
لكن حين يكون الخوف أقوى من الفهم، يظل المال جامدًا… ويتآكل.
رابعًا: الصدمات الاستثمارية… حين تتحول التجارب الفردية إلى قواعد عامة
كثير من المصريين يقول:
“أنا أعرف واحد خسر فلوسه في البورصة”
هذه الجملة وحدها كافية لإغلاق أي نقاش.
المشكلة ليست في التجربة، بل في تعميمها:
- تجربة فردية
- قرار خاطئ
- توقيت سيئ
→ يتحول إلى “الاستثمار كله خطر”
وهنا يتكون حاجز نفسي قوي جدًا، يجعل أي حديث عن الاستثمار طويل الأجل يبدو كأنه مقامرة.
وقد ناقشنا هذا بالتفصيل في مقال:
لماذا يخسر أغلب المصريين في البورصة؟
حيث أوضحنا أن الخسارة غالبًا ليست في الأداة، بل في السلوك.
خامسًا: غياب التعليم المالي… حين يُترك الفرد وحده
في المدارس والجامعات:
- لا نتعلم معنى الاستثمار
- لا نفهم الفرق بين الادخار والنمو
- لا نُدرّب على إدارة المخاطر
النتيجة؟ شخص بالغ يتخذ قرارات مالية مصيرية اعتمادًا على:
- تجارب الأصدقاء
- توصيات السوشيال ميديا
- الخوف
- أو الطمع
في هذا المناخ، يصبح الاستثمار طويل الأجل فكرة “نخبوية” وليست ممارسة طبيعية.
سادسًا: الخوف من الانتظار… عقلية العائد السريع
الاستثمار طويل الأجل يقوم على فكرة بسيطة:
اليوم تزرع… غدًا تحصد
لكن الواقع النفسي مختلف:
- نريد نتيجة سريعة
- نريد إثباتًا فوريًا
- نريد شعور النجاح الآن
لذلك:
- الأسهم التي لا تتحرك تُملّ
- الاستثمار الهادئ يُمل
- الصبر يُنظر إليه كعجز
وهنا يظهر التناقض: من يخاف من المخاطرة… غالبًا يقع في مخاطرة أكبر بسبب العجلة.
سابعًا: متى يكون الخوف منطقيًا؟
الخوف ليس دائمًا عدوًا.
في أحيان كثيرة، هو حماية.
الخوف منطقي عندما:
- لا تفهم ما تستثمر فيه
- تحتاج المال قريبًا
- لا تملك صندوق طوارئ
- تعتمد على توصيات عشوائية
لكن الخوف يتحول إلى عائق عندما:
- يمنعك من التعلم
- يجمد المال لسنوات
- يجعلك تقبل بخسارة التضخم بصمت
الفرق بين الاثنين هو الوعي.
ثامنًا: الاستثمار طويل الأجل ليس حكرًا على الأغنياء
أحد أكبر الأخطاء الشائعة:
“الاستثمار طويل الأجل للأغنياء فقط”
الحقيقة:
- الاستثمار الطويل يبدأ بمبالغ صغيرة
- الأهم هو الاستمرارية
- الزمن هو العامل الأقوى
وقد شرحنا ذلك عمليًا في مقال:
كيف يستثمر الموظف المصري 1000 جنيه بدون مخاطرة كبيرة؟
تاسعًا: كيف نغيّر هذه العقلية؟
التغيير لا يكون بقرار واحد، بل بخطوات:
- الفهم قبل المال
- بناء صندوق طوارئ
- البدء بمبلغ لا يؤلم
- قبول التذبذب
- التفكير بالسنوات لا بالأيام
الاستثمار طويل الأجل ليس “قفزة”، بل رحلة هادئة.
عاشرًا: ماذا لو لم يتغير شيء؟
السؤال المؤلم:
ماذا يحدث لو استمر الخوف؟
الإجابة بسيطة:
- المال ثابت
- التضخم مستمر
- الفجوة تتسع
عدم القرار… هو قرار أيضًا.
خاتمة: الخوف مفهوم… لكن لا يجب أن يقود
الخوف من الاستثمار طويل الأجل عند المصريين ليس جهلًا، ولا ضعفًا، بل نتاج تاريخ وتجارب حقيقية.
لكن التحدي اليوم هو:
هل نسمح لهذا الخوف أن يشلّنا؟
أم نحوله إلى حذر واعٍ يقود قرارات أفضل؟
في المقال القادم، سنناقش سؤالًا مكملًا:
متى يكون عدم الاستثمار هو المخاطرة الأكبر؟
إقرأأيضًا :
- لماذا يخسر أغلب المصريين في البورصة؟
- هل الاستثمار في البورصة المصرية مجدٍ للموظف؟
- كيف يستثمر الموظف المصري 1000 جنيه بدون مخاطرة كبيرة؟

تعليقات
إرسال تعليق