مصر بلا كاش؟ كيف غيّر الدفع الإلكتروني ميزان القوة بين الدولة والمواطن
الدفع الإلكتروني في مصر: أداة إصلاح اقتصادي أم بوابة رقابة مالية؟
حين تتحول التكنولوجيا إلى سياسة
لم يعد الحديث عن الدفع الإلكتروني في مصر مجرد نقاش تقني أو تكنولوجي، بل أصبح نقاشًا سياسيًا–اقتصاديًا بامتياز.
فما يبدو على السطح كخطوة تحديث وتسهيل للمعاملات المالية، يخفي تحته شبكة معقدة من المصالح، الضغوط، والرهانات الاقتصادية التي تمس علاقة الدولة بالمواطن، والسوق بالسلطة، والمال بالرقابة.
السؤال لم يعد:
هل الدفع الإلكتروني مفيد؟
بل أصبح السؤال الحقيقي:
لمن يُفيد؟ وبأي ثمن؟ وعلى حساب من؟
هذا المقال لا يروّج، ولا يهاجم، بل يحلل.
يحاول تفكيك التحول من الكاش إلى الرقمي في مصر، بوصفه جزءًا من مشروع أوسع لإعادة تشكيل الاقتصاد، وضبط المجتمع ماليًا، وربط الأفراد أكثر بالنظام الرسمي.
أولًا: الكاش في مصر… أكثر من مجرد وسيلة دفع
لفهم ما يجري الآن، يجب أن نفهم ماذا كان الكاش يمثل في مصر.
الكاش لم يكن فقط:
-
وسيلة تبادل
-
أداة شراء
بل كان:
-
مساحة حرية
-
هامش حركة
-
منطقة رمادية خارج عين الدولة
في بلد يعاني تاريخيًا من:
-
بيروقراطية
-
ضرائب غير عادلة
-
ضعف الثقة بين المواطن والمؤسسات
أصبح الكاش وسيلة دفاع غير معلنة.
التاجر الصغير، الحرفي، العامل الحر، وحتى الموظف…
الجميع استخدم الكاش كـ آلية توازن أمام دولة لا يشعر أنها شريك عادل.
ثانيًا: لماذا تريد الدولة إنهاء عصر الكاش؟
التحول نحو الدفع الإلكتروني ليس قرارًا مصريًا خالصًا، بل جزء من اتجاه عالمي، لكن في الحالة المصرية له دوافع خاصة:
الاقتصاد غير الرسمي (العدو الأكبر)
تشير التقديرات إلى أن الاقتصاد غير الرسمي في مصر يمثل نسبة ضخمة من الناتج المحلي.
وهذا يعني:
-
أموال لا تُحصّل منها ضرائب
-
أنشطة خارج السيطرة
-
فجوة هائلة في البيانات الاقتصادية
الدفع الإلكتروني = إدخال هذه الكتلة إلى الضوء.
أزمة الدولة المزمنة مع الإيرادات
مع:
-
ارتفاع الدين العام
-
تراجع العملة
-
ضغط المؤسسات الدولية
تحتاج الدولة إلى:
-
توسيع القاعدة الضريبية
-
تحسين كفاءة التحصيل
-
مراقبة التدفقات المالية
والدفع الرقمي هو الأداة الأسهل والأقل كلفة سياسيًا.
ضغط المؤسسات الدولية
لا يمكن فصل التحول الرقمي المالي عن:
-
توصيات صندوق النقد
-
سياسات البنك الدولي
-
شروط الإصلاح الهيكلي
كلها تدفع نحو:
دولة ترى المال… قبل أن تراه الناس.
ثالثًا: من الإصلاح إلى السيطرة… أين الخط الفاصل؟
هنا يبدأ الجدل الحقيقي.
الدولة تقول:
نريد اقتصادًا منظمًا.
المواطن يسمع:
نريد أن نراك.
الفارق بين الاثنين سياسي وليس تقني.
الدفع الإلكتروني كأداة ضبط
حين تتحول كل معاملة إلى:
-
رقم
-
سجل
-
بيانات
فإن:
-
الدخل يصبح واضحًا
-
الإنفاق يمكن تحليله
-
السلوك الاقتصادي يُرصد
وهذا بحد ذاته سلطة.
ليست سلطة قمعية بالضرورة،
لكنها سلطة معرفية.
رابعًا: هل الرقابة حقيقية أم مبالغ فيها؟
الإجابة المعقدة:
نعم… ولكن ليس كما يتخيل البعض.
الدولة لا تراقب:
-
تحويلات الأم لابنها
-
مصروفات الأفراد الصغيرة
لكنها تستطيع – متى أرادت – أن:
-
ترسم خريطة اقتصادية للفئات
-
تحدد أنماط الدخل
-
تكتشف التناقض بين الإنفاق والدخل المعلن
وهنا يصبح الدفع الإلكتروني أداة سيادية.
خامسًا: الفئات الأكثر تضررًا من التحول الرقمي
ليس الجميع رابحًا في هذه المعادلة.
1) العاملون في الاقتصاد الهش
-
حرفيون
-
باعة
-
فريلانسر غير مسجلين
الدخول للنظام يعني:
-
ضرائب
-
التزامات
-
فقدان المرونة
2) الطبقة الوسطى الدنيا
هذه الفئة:
-
لا تملك حماية كافية
-
ولا تستطيع التهرّب
فتتحمل العبء الأكبر.
3) صغار التجار
بين مطرقة:
-
الزبائن
وسندان: -
النظام الضريبي
سادسًا: من المستفيد الحقيقي؟
1) الدولة
-
تحصيل أعلى
-
بيانات أدق
-
سيطرة أفضل
2) البنوك
-
توسع قاعدة العملاء
-
زيادة السيولة
-
تقليل التعامل النقدي
3) الشركات الكبرى
-
تنظيم السوق
-
إقصاء المنافسين الصغار غير المنظمين
سابعًا: هل يمكن فصل الدفع الرقمي عن السياسة؟
الإجابة الواضحة: لا
لأن:
-
المال = قوة
-
من يرى المال… يملك التأثير
والتحول الرقمي المالي هو إعادة توزيع للقوة:
من الهامش → إلى المركز
من الفرد → إلى النظام
ثامنًا: هل يملك المواطن خيار الرفض؟
نظريًا: نعم
عمليًا: يتقلص الخيار يومًا بعد يوم.
-
خدمات تُرقمن
-
رسوم تُخفض رقميًا
-
الكاش يُعاقَب ضمنيًا
وهكذا، يصبح “الاختيار” إجبارًا ناعمًا.

تعليقات
إرسال تعليق