قبول الدعم السريع بهدنة 3 أشهر
الإمارات تهدد حميدتي وتدعو لوقف حرب السودان فورًا… ومصر تتحرك تحت راية حفظ السلام.
قراءة معمقة في مشهد متداخل بين النفوذ والإنسانية والجغرافيا السياسية.
عندما يخرج مستشار القيادة الإماراتية، د. أنور قرقاش، ليعلن صراحة أن السودان يمر بـ كارثة إنسانية كبرى، ويشير إلى أرقام "9 ملايين نازح" و**"30 مليون إنسان يحتاجون للمساعدة"** وفق تقارير الأمم المتحدة
(UNHCR — OCHA ReliefWeb),
فهذا ليس مجرد توصيف إنساني، بل إنذار دبلوماسي يحمل في طياته ما هو أبعد: الإمارات تتحرك الآن لتغيير مسار الحرب، وربما فرض شروط إنهائها.
في المقابل، يخرج قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) ليعلن قبولًا أوليًا بهدنة إنسانية لمدة 3 أشهر، مع فتح الممرات، وتبادل الجثامين، ووقف استهداف المدنيين.
وبالتوازي، يعود الجيش السوداني بقيادة البرهان ليؤكد أن الحوار لا يسبق استعادة الدولة.
خريطة جديدة تتشكل.
والسؤال الكبير: أين تقف مصر في هذا المشهد؟
تبدو القاهرة وكأنها انتقلت من مرحلة الانتظار والمراقبة إلى مرحلة التحرك الاستراتيجي:
- حديث عن قوات حفظ سلام بتمويه أبيض.
- انخراط عبر منظومة ASF (قوة جاهزية الاتحاد الإفريقي)
(AU Peace & Security). - إحياء دور EASF / NARC شمال إفريقيا.
- مشاركة مرتقبة في بعثة AUSSOM في الصومال
(EU AUSSOM Somalia). - تأمين الذراع اللوجستية عبر ميناء دوراليه في جيبوتي
(Doraleh Container Terminal). - حماية البحر الأحمر وخطوط التجارة، وخاصة ما يتعلق بـ إثيوبيا التي تمر 95% من تجارتها عبر جيبوتي.
هنا لا نتحدث عن تدخل عسكري مباشر، بل عن شبكة نفوذ أفريقية تتشكل حول مصر، تستخدم القوة بطابع حفظ السلام بدل المواجهة المباشرة.
هل هذه بداية "ناتو إفريقي" بقيادة مصر؟
دعونا نفكك المشهد خطوة بخطوة.
تصريح قرقاش… لماذا الآن؟
في 2024–2025، التزمت الإمارات خطابًا حذرًا بخصوص السودان، تجنبًا للانحياز العلني.
لكن تصريح قرقاش الأخير كان مختلفًا في 3 نقاط:
-
تسمية الكارثة الإنسانية بالأرقام
وذلك يعني تجريم الحرب نفسها وليس فقط "أطرافها". -
الإشارة إلى جرائم الفاشر بالاسم
والفاشر ليست مدينة عادية… هي مفتاح دارفور الكبرى، حيث التوازن العرقي – القبلي هش للغاية. -
التهديد الضمني بوقف الدعم
الرسالة لم تكن مباشرة، ولكنها مفهومة على مستوى الإقليم:
"لن نتحمل تبعات إنسانية أو إعلامية أو قانونية مستقبلية مرتبطة بمجازر ممكن إثباتها."
والإعلام الغربي بدأ فعلًا بفتح ملف الإبادة المحتملة في درافور
(Human Rights Watch — Al Jazeera English).
هذا يعني أن الإمارات تريد الخروج من صور الراعي العسكري إلى الوسيط الدولي.
لماذا هذا الانعطاف؟
لسببين رئيسيين:
| السبب | التفاصيل |
|---|---|
| الضغط الدولي | الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يضغطان لوقف الدعم اللوجستي والمالي للحرب. |
| الصورة والسمعة الدولية | الإمارات تبني الآن دورها كوسيط إقليمي في ملفات ليبيا، غزة، اليمن، والقرن الإفريقي. |
بمعنى آخر:
الإمارات لم تتغير مصالحها… تغيّر فقط شكل خطابها.
قبول الدعم السريع بهدنة 3 أشهر… هل هو تنازل أم مناورة؟
إعلان الهدنة ليس استسلامًا. هو تكتيك سياسي لإعادة التموضع بعد معركة الفاشر التي أدت إلى تدهور الصورة الأخلاقية لقوات الدعم السريع دوليًا.
لماذا وافق حميدتي؟
- انخفاض القدرة القتالية النسبي مع طول الحرب.
- ضغط أمريكي مباشر عبر مبادرة الرباعية
(US State Department Sudan Briefing). - محاولة إعادة فتح القنوات مع الأمم المتحدة لاستعادة شرعية سياسية.
لكن السؤال العملي:
من سيشرف على الهدنة؟
الإجابة قيد التشكيل… وهنا يأتي دور مصر.
لماذا تتحرك مصر الآن؟
القاهرة ترى السودان امتدادًا للأمن القومي المصري.
ليس فقط لأن الحدود طويلة، بل لأن:
- الحرب في السودان تتحول تدريجيًا إلى حرب بالوكالة.
- وجود مرتزقة وشبكات تهريب سلاح يفتح الباب على عدم استقرار طويل المدى.
- البحر الأحمر شريان حياة لمصر والسعودية.
فشل مشروع "ناتو عربي"… فماذا بعد؟
قبل سنوات، طرحت السعودية مشروع قوة عربية مشتركة.
المشروع سقط بسبب:
- اختلاف العقائد العسكرية.
- تضارب أولويات الأمن القومي.
- غياب مركز قيادة موحد.
الآن، القاهرة تدرك أن بوابة التحالفات ليست الخليج… بل إفريقيا.
مصر و"الناتو الإفريقي" عبر ASF/NARC
ما هي ASF؟
African Standby Force
قوة جاهزية قارية تتبع الاتحاد الإفريقي.
تم تقسيم القارة إلى 5 أقاليم، من بينها شمال إفريقيا (NARC).
(AU Peace & Security Structure)
لماذا هذا مهم لمصر؟
لأن الانخراط عبر إطار AFRICAN UNION يمنح أي تحرك مصري:
- شرعية دولية
- غطاء قانوني
- هوية حفظ سلام بدل هوية تدخل عسكري
هذه النقطة تغير الصورة بالكامل.
ماذا يعني "تفتيش حرب بتمويه أبيض"؟
هذا مصطلح داخل المؤسسات العسكرية يعني:
أن القوة تدخل منطقة صراع بزي حفظ السلام، ولكن بقدرة تدخل سريع عند الحاجة.
هي ليست قوات رمزية.
بل قوة صلبة… بهوية ناعمة.
تبدو الحرب في السودان كأنها نار في صحراء مفتوحة: تمتد، تتشعب، وتعيد رسم خرائط النفوذ الإقليمي. خلال الأيام الأخيرة، تحركت ثلاث دوائر بشكل متوازٍ:
- الإمارات رفعت خطابها السياسي ضد قوات الدعم السريع بشكل واضح ومباشر، مع دعوة عاجلة لوقف الحرب.
- قوات الدعم السريع أعلنت قبولًا مبدئيًا لهدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر.
- مصر شرعت في تحرك متدرج نحو القرن الإفريقي، تحت مظلة "حفظ السلام" وليس التدخل العسكري المباشر.
نحن أمام لوحة مركّبة:
ضغط سياسي + أزمة إنسانية + شبكة مرتزقة + خطوط نفوذ + صراع على البحر الأحمر.
هذا المقال يحاول فك الاشتباك ورسم حدود الصورة من جديد.
خطاب الإمارات… من “الحياد الحذر” إلى “الإدانة المباشرة”
في 21 أكتوبر، قال الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، تصريحًا لافتًا حمل نبرة جديدة:
“هناك 30 مليون سوداني بحاجة للمساعدة، و9 ملايين نازح، والكارثة الإنسانية تتوسع. الوضع لا يمكن احتماله.”
العبارات هذه ليست توصيفًا محايدًا. إنها عتبة خطاب جديد.
التحول في لهجة أبوظبي
- من دعم تسوية سياسية شاملة
- إلى تحذير صريح من استمرار الحرب
- ثم التلميح بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات في دارفور وخاصة الفاشر.
وهنا النقطة الأخطر:
خطاب الإمارات تضمّن لأول مرة إشارة ضمنية لمسؤولية قوات الدعم السريع عن انتهاكات وحصار مدينة الفاشر.
هذا التحول ليس مجرد تصريح…
إنه سحب غطاء سياسي كان يمنح حميدتي مساحة حركة دولية.
لماذا الآن؟
1) تغير صورة الحرب دوليًا
التقارير الأممية الأخيرة وثّقت عمليات القتل والتطهير العرقي في غرب السودان.
تقرير الأمم المتحدة:
https://www.ohchr.org/en/press-releases/2024/09/sudan-atrocities-must-be-investigated
2) ضغط غربي واضح
واشنطن ولندن وضعتا ملف السودان على طاولة العقوبات والحد من التدفقات المالية.
وزارة الخزانة الأمريكية:
https://home.treasury.gov/news/press-releases/jy1921
3) انهيار القدرة العسكرية المتوازنة داخل الميدان
- الجيش استعاد أجزاء واسعة من شرق السودان.
- الدعم السريع حافظ على جيوب قوية في غرب السودان.
- الحرب لم تعد حرب تحديد منتصر… بل حرب استنزاف.
الإمارات هنا لا تريد أن تُسجَّل تاريخيًا كطرف يغذي حربًا بلا أفق.
قوات الدعم السريع تعلن قبول “هدنة إنسانية” لمدة 3 أشهر
في 23 أكتوبر، أعلنت قوات الدعم السريع قبولها هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر مع إشراف دولي.
المصدر (فرانس برس):
https://www.france24.com/en/live-news/20241023-sudan-paramilitary-says-it-will-consider-3-month-ceasefire
لكن… ما وراء الإعلان؟
- الهدنة هنا ليست سياسية، بل إنسانية.
- الهدف: إعادة ترتيب خطوط الإمداد وليس وقف الحرب.
- قبول الهدنة يتزامن مع ضغط إماراتي… وليس مبادرة ذاتية.
ومع ذلك، هذا القبول يمثل نافذة ضيقة جدًا يمكن البناء عليها.
مصر تدخل المشهد لكن بلغة مختلفة: “حفظ السلام” وليس “الحرب”
هنا ندخل المنطقة الأكثر حساسية.
ما الذي تغير في موقف القاهرة؟
القاهرة لم تعلن دعم أي طرف في السودان.
لكنها فتحت أبوابًا تحركت عبرها أدوات دبلوماسية وعسكرية واستراتيجية.
مفاتيح التحرك المصري:
| المجال | التفسير |
|---|---|
| الاتحاد الإفريقي | القاهرة تعتمد على الأطر القانونية لتجنب صدام مباشر أو اتهام بالتدخل. |
| قوة ASF (القوة الإفريقية الجاهزة)** | مصر عضو مؤسس ومركزي في جناح شمال إفريقيا NARC. |
| دوراليه (ميناء جيبوتي) | نقطة السيطرة على 95% من تجارة إثيوبيا. |
| AUSSOM (مهمة الاتحاد الإفريقي في الصومال)** | تدريب، إمداد، تمويه أبيض (زي حفظ السلام). |
التمويه الأبيض:
في الدبلوماسية العسكرية، يطلق على دخول قوة تحت راية حفظ السلام اسم:
White Mask Deployment
أي: نشر قوات بزي أبيض بدل الزي العسكري الوطني.
القاهرة لا تريد أن تظهر كدولة تدخل حربًا
بل كدولة تمنع انهيار السودان.
لماذا يريد الجيش المصري التقدم نحو إفريقيا الآن؟
1) الأمن القومي لمصر يبدأ من جنوبها
- انهيار السودان = حدود ممتدة بلا سيطرة.
- ميليشيات + تهريب + سلاح + مرتزقة = تهديد داخلي.
2) القرن الإفريقي = شريان البحر الأحمر
- من السويس حتى باب المندب.
- 12% من تجارة العالم تمر من هنا.
3) ضغط إثيوبي مستمر بملف سد النهضة
وجود مصر في جيبوتي أو السودان الغربي = توازن جيوبوليتكي أمام أديس أبابا.
ملف المرتزقة… العقدة الأخطر في الحرب
وجود مرتزقة أجانب في السودان حقيقة موثقة
تقرير المفوضية الأوروبية عن تدفقات المرتزقة الكولومبيين:
https://eeas.europa.eu/headquarters/headquarters-homepage/12450/security-report-mercenaries-latin-america_en
الدعم السريع اعتمد على:
- مقاتلين من دول الساحل والصحراء
- شبكات تهريب تمتد من ليبيا إلى تشاد
- شركات أمنية خاصة في أمريكا اللاتينية
كيف يمكن إخراجهم؟
-
خنق التمويل عبر تتبع الذهب السوداني
تقرير بلومبرغ عن شبكة الذهب:
https://www.bloomberg.com/news/features/2023-12-11/sudan-gold-war -
عقوبات موجهة للأفراد الداعمين للميليشيات
https://www.state.gov/sanctions/ -
فتح ممرات إنسانية مقابل نزع السلاح التدريجي
هذا السيناريو لا ينجح إلا إذا دخلت قوة حفظ سلام بضمان دولي.
سيناريوهات المستقبل
السيناريو الأول: هدنة مراقَبة دوليًا
- يتم نشر قوات مراقبة في غرب السودان
- خروج تدريجي للمرتزقة
- بدء مفاوضات سياسية بين الجيش والدعم السريع
- فرصة نجاح: متوسطة
السيناريو الثاني: فرض الاستقرار بقوة حفظ السلام
- تدخل مصري إفريقي منظم تحت علم الاتحاد الإفريقي
- ضبط المدن الاستراتيجية (نيالا، الفاشر، الأبيض)
- فرصة نجاح: عالية إذا تم تجهيز دعم لوجستي من جيبوتي
السيناريو الثالث: استمرار الحرب حتى الانهيار الكامل
- تفكك السودان إلى 3 أقاليم متنازعة
- موجات نزوح هائلة لمصر وتشاد
- تهديد مباشر لأمن البحر الأحمر
- النتيجة: كارثية
ماذا تريد الإمارات؟
الإمارات لا تبحث عن انتصار طرف
ولا تريد أن تُسجَّل كصانعة حرب.
هدفها الآن:
إدارة سمعة + وقف نزيف إنساني + إعادة التموضع في ملف القرن الإفريقي.
وأبوظبي تعرف أن:
لا حل في السودان بدون مصر.
الخلاصة التحليلية
-
السودان ليس حربًا أهلية فقط
إنه صراع نفوذ دولي على معابر البحر الأحمر والذهب وخطوط التجارة. -
الإمارات تضغط لإيقاف الحرب.
-
الدعم السريع قبل هدنة، لكن لأسباب تكتيكية.
-
مصر تتحرك بذكاء تحت مظلة حفظ السلام وليس التدخل العسكري المباشر.
وإذا تم تأسيس نواة قوة إفريقية بقيادة مصر
على غرار ناتو إفريقي
فإن شمال وشرق إفريقيا سيدخلان مرحلة جديدة تمامًا من توازن القوى.
سؤال النقاش للجمهور
هل تؤيد تدخل الجيش المصري في إفريقيا لتأسيس “ناتو إفريقي” تحت شرعية حفظ السلام؟
اكتب رأيك
اقرأ أيضا:
أخطر مفاجأة مصرية: بردية «إيبوير» تكشف أن فرعون موسى كان ملكًا هكسوسيًا محتلًا وليس مصريًا

تعليقات
إرسال تعليق