"مصر تتحرك استراتيجيًا في القرن الإفريقي: صفقة ميناء جيبوتي ورسائل القوة للقاهرة"

مصر تمسك بمفتاح التجارة الإثيوبية عبر ميناء دوراليه في جيبوتي .

"تحليل شامل للصفقة المصرية في ميناء دوراليه بجيبوتي، وتأثيرها على أمن البحر الأحمر والتوازنات الإقليمية مع إثيوبيا والسودان. تعرف على أبعاد التحرك المصري ورسائله للداخل والخارج."

 مناورات القاهرة الذكية في القرن الأفريقي

في خطوة وُصفت بأنها ضربة موجعة لإثيوبيا، نجحت مصر في إبرام اتفاق استراتيجي مع جيبوتي يمنحها دورًا محوريًا في إدارة ميناء دوراليه، وهو المنفذ البحري الأهم الذي تمر عبره نحو 95% من تجارة إثيوبيا الخارجية. الاتفاق الذي تم خلال زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى جيبوتي في أبريل 2025، لم يكن مجرد تفاهم اقتصادي، بل تحول استراتيجي يعيد رسم خرائط النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى جيبوتي في أبريل 2025


بحسب ما نشرته وكالة رويترز فإن الاتفاق تضمن تخصيص 150 ألف متر مربع للشركات المصرية داخل المنطقة الحرة، إضافة إلى مشروعات للطاقة المتجددة والنقل واللوجستيات. أما على المستوى العربي، فقد وصفت صحيفة الأهرام الاتفاق بأنه نقلة نوعية تمنح القاهرة ورقة ضغط نادرة على إثيوبيا.

ميناء دوراليه: شريان إثيوبيا الاقتصادي

أهمية الميناء لأديس أبابا

منذ استقلال إريتريا عام 1993، فقدت إثيوبيا منفذها البحري الوحيد على البحر الأحمر. ومنذ ذلك الحين، أصبح ميناء دوراليه في جيبوتي هو الشريان الرئيسي لتجارتها مع العالم.

تقارير بي بي سي أكدت أن أكثر من 90% من واردات وصادرات إثيوبيا تمر عبر هذا الميناء، خاصة المواد الغذائية والوقود. كما أن خط السكك الحديدية أديس أبابا–جيبوتي الذي افتتح عام 2018 بتمويل صيني، جعل الميناء بمثابة رئة اقتصادية لإثيوبيا.

ماذا يعني النفوذ المصري؟

أي تحكم في سياسات الميناء أو رسوم الخدمات اللوجستية يضع مصر في موقع يمكنها من التأثير المباشر على الاقتصاد الإثيوبي. صحيفة العربي الجديد وصفت الخطوة بأنها أشبه بـ"إمساك القاهرة بمفتاح الهواء" الذي تتنفس منه التجارة الإثيوبية.

مفاتيح الاقتصاد الإثيوبي فى يد مصر


الأبعاد الاستراتيجية والعسكرية

1. تعزيز النفوذ المصري في البحر الأحمر

وجود القاهرة في جيبوتي يكمّل دائرة السيطرة المصرية على البحر الأحمر، من قناة السويس شمالًا وحتى مضيق باب المندب جنوبًا. وهو ما يمنحها تفوقًا في الأمن البحري الإقليمي، خاصة في ظل التنافس الدولي على المنطقة.

2. ورقة ضغط على أديس أبابا

لم تعد المواجهة مع إثيوبيا مقتصرة على ملف سد النهضة فقط، بل باتت تمتد إلى إمكانية خنق شرايين الاقتصاد الإثيوبي. دراسة لمعهد Middle East Institute رأت أن الصفقة تجعل القاهرة في موقع أفضل لإجبار أديس أبابا على التهدئة.

3. رسائل إقليمية ودولية

الاتفاق لم يُقرأ فقط في سياق مصري–إثيوبي، بل كان أيضًا رسالة إلى قوى إقليمية مثل السعودية والإمارات وتركيا، ودولية مثل الصين وأمريكا، التي تتصارع على النفوذ في البحر الأحمر. تقرير Al-Monitor وصف الخطوة بأنها "إعادة تموضع مصري ذكي في قلب التنافس الدولي".

الأبعاد الاقتصادية

1. الطاقة المتجددة

الاتفاق يشمل مشروعات تعاون في الطاقة الشمسية والرياح، وهو ما يعزز موقع مصر كمحور إقليمي للطاقة النظيفة. ووفق Egypt Independent فإن المشروع يفتح فرصًا للشركات المصرية للاستثمار في البنية التحتية للطاقة بجيبوتي.

2. المراكز اللوجستية

إنشاء مركز مصري للتخزين والخدمات في المنطقة الحرة بدوراليه يمنح الشركات المصرية سيطرة على تسعير ورسوم الخدمات المينائية. موقع African Business أشار إلى أن هذه الخطوة ستجعل من القاهرة لاعبًا رئيسيًا في سلاسل الإمداد الأفريقية.

السيناريوهات أمام إثيوبيا

1. خيار التهدئة

قد تجد أديس أبابا نفسها مضطرة للتراجع عن التصعيد في ملف سد النهضة، والبحث عن تسوية ترضي القاهرة والخرطوم. صحيفة الشرق الأوسط رأت أن "التهدئة هي الخيار الأقل كلفة".

2. البحث عن بدائل صعبة

من الناحية النظرية، يمكن لإثيوبيا محاولة استخدام موانئ مثل بربرة في صومالي لاند أو بورتسودان. لكن Financial Times أكدت أن هذه البدائل مكلفة وغير مستقرة سياسيًا.

3. اللجوء للحلفاء الدوليين

إثيوبيا قد تحاول تعزيز تعاونها مع تركيا أو إسرائيل أو الصين للضغط على مصر وجيبوتي. لكن واقع الحال أن القاهرة تتمتع اليوم بعلاقات قوية مع بكين وأنقرة، ما يقلل من جدوى هذه الورقة.

خلاصة: مفتاح الهواء في يد القاهرة

الصفقة المصرية–الجيبوتية في ميناء دوراليه لم تكن مجرد استثمار اقتصادي، بل ورقة جيوسياسية كبرى جعلت مصر تمسك بمفتاح الهواء الذي تتنفس منه التجارة الإثيوبية.

اليوم، باتت أديس أبابا أمام خيارات محدودة:

  • إما التهدئة والعودة إلى التفاوض.
  • أو مواجهة عزلة اقتصادية خانقة قد تعجّل بانهيار اقتصادها، في وقت تعصف به أزمات داخلية واحتقانات عرقية.

ومع هذا الاتفاق، أثبتت القاهرة أنها قادرة على إدارة معركة السد بذكاء استراتيجي يتجاوز الخيار العسكري المباشر، إلى استخدام أدوات النفوذ الاقتصادي واللوجستي.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اجتماع الجنرالات الأكبر في تاريخ البنتاغون: هل ينفجر العالم من أوكرانيا إلى تايوان والشرق الأوسط نحو حرب عالمية ثالثة؟"

تطبيق ياسين تي في على آيفون: رابط التحميل والمميزات الكاملة لمشاهدة المباريات

تحميل تطبيق ياسين Yacine tv اخر اصدار