"بحر الصداقة" بين مصر وتركيا في شرق المتوسط تغير خريطة التحالفات الإقليمية
بعد 13 عامًا من القطيعة: ماذا يعني تمرين "بحر الصداقة" بين القاهرة وأنقرة للتحالفات الإقليمية؟
في خطوة عسكرية ودبلوماسية لافتة، أعلنت مصر وتركيا عن إجراء مناورات بحرية مشتركة تحت اسم "بحر الصداقة" (Bahr el Sadaka / Sea of Friendship) في شرق البحر المتوسط، خلال الفترة من 22 إلى 26 سبتمبر 2025. (AP News)
هذه المناورات، الأولى من نوعها منذ 13 عامًا، تشارك فيها فرقاطات، غواصات، طائرات مقاتلة، وزوارق سريعة من الجانبين، وتُعقد في ظل مشهد إقليمي متوتر يتشابك فيه ملف الغاز، الحدود البحرية، الحروب بالوكالة، والتحالفات المتغيرة.
الخطوة لا تُقرأ عسكريًا فقط، بل تحمل دلالات سياسية واستراتيجية كبرى على مستوى إعادة تشكيل خرائط التحالفات الإقليمية.
1. خلفية العلاقات المصرية-التركية
1.1 مسار متعرّج بين التعاون والتوتر
- قبل 2013، اتسمت العلاقات بقدر من التعاون، رغم التباين السياسي والثقافي. (Egypt–Turkey relations)
- بعد 2013، دخلت في قطيعة شديدة بسبب الخلاف حول جماعة الإخوان المسلمين ودور تركيا الداعم لها.
1.2 التوترات الإقليمية
- الخلاف حول ليبيا كان الأشد، حيث دعمت القاهرة وبرلمان طبرق، بينما دعمت أنقرة حكومة طرابلس.
- ملف الحدود البحرية واتفاق أنقرة–طرابلس أثار رفضًا مصريًا ويونانيًا وقبرصيًا. (Libya–Turkey maritime deal)
1.3 بدايات الانفراج
- منذ 2023، بدأت خطوات التقارب عبر تبادل السفراء وزيارات رسمية، وصولًا إلى إعلان المناورات. (Al-Ahram Online)
2. تفاصيل مناورات "بحر الصداقة"
2.1 التوقيت والمكان
- موعدها: 22–26 سبتمبر 2025.
- مكانها: شرق البحر المتوسط. (Greek Reporter)
2.2 القوات المشاركة
- تركيا: فرقاطات (TCG Oruçreis، TCG Gediz)، غواصة (TCG Gür)، زوارق سريعة (TCG İmbat، TCG Bora)، مقاتلات F-16. (Agenzia Nova)
- مصر: فرقاطات وسفن حربية ووحدات خاصة بحرية لم يُعلن جميع تفاصيلها.
2.3 أهداف التمرين
- رفع الكفاءة التشغيلية.
- تعزيز التنسيق البحري.
- مواجهة سيناريوهات أمنية (مكافحة تهريب، تأمين طرق ملاحة، حماية منصات الغاز). (Türkiye Today)
3. دوافع القاهرة وأنقرة
3.1 دوافع مصر
- حماية مصالحها البحرية ومواردها الغازية.
- تجنب عزلة إقليمية.
- خلق توازن مع قوى شرق المتوسط (اليونان، قبرص، إسرائيل).
3.2 دوافع تركيا
- كسر عزلتها السياسية في المتوسط.
- تعزيز "الوطن الأزرق" كنظرية استراتيجية بحرية. (Insight Turkey)
- إظهار القدرة على إعادة التموضع في التحالفات.
4. الأبعاد الجيوسياسية للمناورات
- منافسات الغاز: كل طرف يسعى لحماية مصالحه الاقتصادية.
- التحالفات: مصر كانت أقرب لليونان وقبرص وفرنسا، بينما تركيا تحالفت مع قطر وليبيا.
- الرسالة: القاهرة وأنقرة قادرتان على تجاوز خلافات الماضي لبناء شراكات واقعية.
5. التحديات والعقبات
- بقاء خلافات حول ليبيا والإخوان.
- اعتراضات محتملة من اليونان وقبرص على أي تفاهمات بحرية جديدة.
- إمكانية عرقلة داخلية في كلا البلدين نتيجة حساسيات سياسية.
6. ردود الأفعال الداخلية
6.1 في مصر
- رسميًا: الخطوة تُروَّج كجزء من إعادة صياغة الدور المصري الإقليمي. الإعلام الرسمي يركز على "توازن القوى" و"تأمين المصالح البحرية".
- شعبيًا: هناك تحفظات لدى فئات من الرأي العام ترى أن تركيا كانت خصمًا شرسًا في السنوات الماضية، مما يثير تساؤلات عن دوافع هذا التقارب.
6.2 في تركيا
- رسميًا: الحكومة تعتبر المناورات "نجاحًا دبلوماسيًا" يعزز نفوذها البحري.
- معارضة: بعض القوى السياسية (مثل أحزاب قومية ويسارية) قد ترى أن الثقة بمصر محدودة، وأن التعاون مؤقت يخدم صورة الحكومة أكثر مما يخدم مصالح استراتيجية طويلة الأمد.
7. ردود الأفعال الخارجية
7.1 إقليميًا
- اليونان وقبرص: قلقان من فقدان مصر كحليف رئيسي ضد النفوذ التركي في المتوسط.
- إسرائيل: تراقب بحذر، لأن التقارب المصري-التركي قد ينعكس على ترتيبات الغاز وخطوط الأنابيب.
- الخليج: دول مثل قطر تدعم التقارب، بينما الإمارات والسعودية تراقبان تأثيره على توازن القوى.
7.2 دوليًا
- الولايات المتحدة: ترحب بخطوة تقلل التوترات بين حليفين استراتيجيين لها، وتساهم في استقرار المتوسط.
- روسيا: قد ترى المناورات كرسالة مزدوجة؛ تقارب عربي-تركي خارج نفوذها، لكنه أيضًا يخفف من التصعيد في مناطق حيوية لمصالحها.
- الاتحاد الأوروبي: مواقف متباينة، بين دول جنوب أوروبا المتضررة من التوسع التركي، ومؤسسات الاتحاد التي تشجع على الاستقرار الإقليمي.
خاتمة
تمرين "بحر الصداقة" ليس مجرد حدث عسكري تقني، بل هو مؤشر على بداية تحول في خرائط التحالفات في شرق المتوسط. داخليًا، تتباين المواقف في مصر وتركيا بين الترحيب الحذر والتحفظ الشعبي أو الحزبي، وخارجيًا، يثير التقارب قلق بعض القوى الإقليمية ويجذب انتباه القوى الكبرى.
المستقبل سيعتمد على مدى قدرة القاهرة وأنقرة على تحويل المناورات من مجرد "رسالة سياسية" إلى شراكة استراتيجية تُعيد رسم موازين القوى في البحر المتوسط.

تعليقات
إرسال تعليق