"الحقيقة المفقودة في خرائط الإدريسي: هل قلب العالم رأسًا على عقب؟"

وثائقي خرائط الإدريسي: هل حقًا رسم خريطة الأرض الحقيقية وسد يأجوج ومأجوج وجزيرة الواق واق؟

الإدريسي ولغز الخرائط المفقودة

حين نفتح كتب التاريخ والجغرافيا، يطل علينا اسم "الشريف الإدريسي" كأحد أعظم العقول التي عرفتها الحضارة الإسلامية. الرجل الذي عاش في القرن الثاني عشر الميلادي (493هـ – 560هـ)، وترك لنا إرثًا مذهلًا جمع بين العلم والدين والأسطورة. أشهر أعماله كان كتابه الضخم "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"، الذي ألّفه في بلاط الملك النورماني روجر الثاني بصقلية، حيث رسم فيه خريطة للعالم على لوح من الفضة وزنه 300 رطل.

هذه الخريطة عُرفت باسم "خريطة العالم المقلوبة" لأن الجنوب فيها في الأعلى والشمال في الأسفل، على عكس الخرائط الحديثة. لكن ما يجعلها أكثر إثارة هو أنها لم تقتصر على الجغرافيا، بل أشارت أيضًا إلى أماكن غامضة مثل سد يأجوج ومأجوج، جزيرة الواق واق، وجبل قاف، ما جعلها موضوعًا للأساطير والتحقيقات العلمية على حد سواء.

اليوم، ما زال السؤال مطروحًا:

  • هل كانت خريطة الإدريسي أكثر دقة من خرائطنا الحديثة؟
  • هل كان سد يأجوج ومأجوج حقيقة جغرافية رسمها بدقة مذهلة؟
  • وهل جزيرة الواق واق مجرد أسطورة، أم أنها كانت أرضًا مجهولة؟

لنغوص الآن معًا في أسرار هذا العالم الغامض.


أولًا: من هو الشريف الإدريسي؟ سيرة ومسار علمي استثنائي

وُلد الإدريسي في مدينة سبتة بالمغرب الأقصى عام 1100م، وكان من سلالة الأدارسة المنتمين إلى البيت النبوي الشريف. تنقل في أرجاء العالم الإسلامي والأوروبي، فدرس في قرطبة بالأندلس، وزار آسيا الصغرى، وشمال إفريقيا، وحتى فرنسا وإنجلترا.

الادريسي

اهتمامه لم يكن فقط بالجغرافيا، بل شمل النبات والطب والفلك. لكنه خُلد في التاريخ أساسًا بسبب براعته في علم الخرائط الذي جعله يُلقب بـ"أبو الجغرافيا".

حين استدعاه الملك روجر الثاني إلى صقلية، كان هدف الأخير واضحًا:

"أريد أن أمتلك معرفة بالعالم كله، حتى أستطيع أن أُحكم دولتي على أسس علمية."

فأشرف الإدريسي على مشروع ضخم دام أكثر من 15 عامًا، جمع فيه المعارف من الرحالة والتجار والكتب، لينتج أعظم خريطة للعالم في العصور الوسطى.

يمكن الاطلاع على دراسة جامعة كامبريدج حول سيرة الإدريسي وكتابه "نزهة المشتاق".


ثانيًا: خريطة العالم المقلوبة – لماذا قلب الإدريسي اتجاه الأرض؟

أبرز ما يميز خريطة الإدريسي أنها مقلوبة مقارنة بخرائطنا اليوم.
ففي حين نضع الشمال في الأعلى، وضع الإدريسي الجنوب في الأعلى.

هذه لم تكن خطأ، بل تقليدًا علميًا عند الجغرافيين المسلمين الذين اعتبروا أن "اليمن والقبلة في الجنوب، فهي أرفع شأنًا". ولذلك جاءت الخرائط الإسلامية بهذا الشكل.

الخريطة مقسمة إلى 70 قسمًا، تضم قارات العالم المعروفة وقتها:

  • إفريقيا
  • أوروبا
  • آسيا

والمفاجأة أنها أظهرت تفاصيل دقيقة جدًا لدرجة أن بعض السواحل والأنهار تتطابق مع الخرائط الحديثة، خصوصًا حوض البحر الأبيض المتوسط.

خريطة العالم المقلوبة


لكن الأكثر غموضًا هو أنها تضمنت أراضٍ غير معروفة، مثل:

  • جزيرة الواق واق التي وضعها في أقصى الشرق.
  • سد يأجوج ومأجوج في أقصى الشمال الشرقي من آسيا.
  • جبل قاف كحافة للعالم.

للاطلاع على نسخة رقمية لخريطة الإدريسي من مكتبة الكونغرس الأمريكية.


ثالثًا: الإدريسي وسد يأجوج ومأجوج – أسطورة قرآنية على الخريطة

القرآن الكريم تحدث عن يأجوج ومأجوج في سورة الكهف، وارتبط ذكرهم بقصة ذو القرنين الذي بنى سدًا عظيمًا ليمنع خروجهم حتى يأذن الله في آخر الزمان.

الإدريسي أشار في خرائطه وكتبه إلى أرض يأجوج ومأجوج، ووضعها في أقصى شمال آسيا، حيث جبال شاهقة وممرات ضيقة. يرى بعض الباحثين أن المكان الذي حدده يقع في منطقة سيبيريا أو القوقاز.

لكن السؤال:

  • هل نقل الإدريسي هذه المعلومة من المصادر الإسلامية والقرآنية فقط؟
  • أم أنه كان يمتلك معطيات جغرافية حقيقية تشير إلى موقع مشابه؟

بعض الدراسات الغربية ترى أن سد يأجوج ومأجوج قد يكون رمزًا لجدار الصين العظيم. بينما باحثون مسلمين يؤكدون أن الموقع مختلف تمامًا.

دراسة منشورة في "Journal of Historical Geography" تناقش ارتباط خرائط الإدريسي بمفاهيم دينية مثل يأجوج ومأجوج.


رابعًا: جزيرة الواق واق – حقيقة أم أسطورة؟

من أكثر الألغاز التي حيرت العلماء وجود جزيرة الواق واق في خرائط الإدريسي. وصفها بأنها أرض تقع "خلف بحر الصين، تسكنها شعوب عجيبة، فيها الذهب بكثرة، وتُذكر أشجارها بأنها تصدر أصواتًا تشبه نباح الكلاب أو صياح الطيور".

تعددت النظريات حولها:

  1. أنها قد تكون جزر اليابان، لأن الإدريسي وصفها في أقصى الشرق.
  2. أو جزر الفلبين أو إندونيسيا.
  3. أو مجرد أسطورة أدبية تناقلها الجغرافيون المسلمون.

لكن اللافت أن ذكر الواق واق تكرر في الكتب الجغرافية العربية والفارسية والصينية، ما يطرح سؤالًا: هل كانت مجرد خيال، أم أنها انعكاس لمكان حقيقي مجهول؟

مقالة عن "لغز جزيرة الواق واق" على موقع الجزيرة نت.


خامسًا: جبل قاف – حافة العالم بين الأسطورة والعلم

جبل قاف من الرموز التي ارتبطت بالتصور الكوني الإسلامي القديم. كان يُعتقد أنه جبل ضخم يحيط بالأرض كإطار.

الإدريسي ذكره في خريطته، ربما كرمز أسطوري أكثر من كونه موقعًا جغرافيًا. لكنه ظل حاضرًا في الأدبيات الإسلامية، حتى اعتقد بعض الناس أنه الجبل الذي يثبت الأرض.

اليوم، يُنظر إليه كجزء من "الميثولوجيا الجغرافية" أكثر من كونه حقيقة. ومع ذلك، يبقى إدراجه في خريطة علمية أمرًا مثيرًا للدهشة.

خريطة الإدريسي



سادسًا: هل كانت خريطة الإدريسي أكثر دقة من الخرائط الحديثة؟

  • بعض أجزاء الخريطة مثل البحر المتوسط، شمال إفريقيا، أوروبا الغربية، شبه الجزيرة العربية جاءت بدقة مذهلة.
  • بينما مناطق الشرق الأقصى وأمريكا لم تكن معروفة بعد، فبدت ناقصة أو أسطورية.

لكن الأهم أن خريطة الإدريسي ظلت المرجع الأساسي في أوروبا والعالم الإسلامي لأكثر من 3 قرون، أي حتى عصر الكشوف الجغرافية.

اطلع على دراسة اليونسكو عن أثر خرائط الإدريسي على تطور الجغرافيا الأوروبية.


سابعًا: المؤامرات الغربية ومحاولة الاستحواذ على علم الإدريسي

من المثير أن الغرب حين بدأ عصر الاستكشافات الجغرافية، اعتمد بشكل مباشر على خرائط الإدريسي. حتى أن بعض المؤرخين يرون أن كريستوفر كولومبوس نفسه استفاد من المعارف الإسلامية.

لكن مع صعود الاستعمار الأوروبي، جرى طمس اسم الإدريسي في المناهج الغربية، ونُسبت إنجازاته إلى الجغرافيين الغربيين.

وهكذا تحولت خرائط الإدريسي من مرجع عالمي إلى "لغز منسي" في الوعي المعاصر.


ثامنًا: خرائط الإدريسي ونهاية العالم – من يأجوج ومأجوج إلى المسيح الدجال

الربط بين خرائط الإدريسي ونبوءات آخر الزمان ليس مجرد خيال شعبي. بل إن بعض الباحثين المعاصرين يرون أن تحديده لمواقع مثل يأجوج ومأجوج وجزيرة الواق واق يدخل في إطار محاولة لفهم نبوءات دينية من منظور جغرافي.

ففي الوقت الذي تحدثت فيه نصوص دينية عن أحداث كبرى مثل خروج يأجوج ومأجوج أو ظهور المسيح الدجال، جاءت خرائط الإدريسي لتضع "إحداثيات تقريبية" لهذه الأماكن الغامضة.


الخاتمة: لغز الإدريسي بين الحقيقة والأسطورة

بعد مرور نحو 900 عام على وفاة الإدريسي، ما زالت خرائطه تثير الجدل.
هل كانت مجرد نتاج لعصره؟ أم أنها تحتوي على أسرار جغرافية ضائعة من حضارات أقدم؟

الحقيقة أن الإدريسي جمع بين العلم والأسطورة في عمل واحد، وهذا ما جعل خرائطه خالدة. فقد كانت مرجعًا علميًا لثلاثة قرون، وأيضًا مصدرًا للأساطير التي غذت الخيال البشري حتى اليوم.

يبقى الإدريسي بحق "أبو الجغرافيا الإسلامية"، ورجلًا سبق عصره بقرون.
وخرائطه ليست فقط خرائط جغرافية، بل خرائط للروح والفكر والأسطورة، تذكرنا بأن المعرفة في الحضارة الإسلامية لم تكن تفصل بين العلم والدين والخيال.


أسئلة للنقاش:

  • هل تعتقد أن سد يأجوج ومأجوج ما زال قائمًا في مكان ما لم يُكتشف بعد؟
  • هل جزيرة الواق واق حقيقة جغرافية مفقودة، أم مجرد أسطورة؟
  • هل قلب الإدريسي الخريطة عمدًا، أم أن الخرائط الحديثة هي المقلوبة حقًا؟


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اجتماع الجنرالات الأكبر في تاريخ البنتاغون: هل ينفجر العالم من أوكرانيا إلى تايوان والشرق الأوسط نحو حرب عالمية ثالثة؟"

تطبيق ياسين تي في على آيفون: رابط التحميل والمميزات الكاملة لمشاهدة المباريات

تحميل تطبيق ياسين Yacine tv اخر اصدار