قمة ألاسكا - صفقة المصالح بين روسيا وأمريكا
قمة ألاسكا: صفقة المصالح وتوازنات القوى في ظل التحديات.
في زمن تتسارع فيه المتغيرات الدولية، وتتعاظم فيه التحديات الأمنية والاقتصادية، تأتي اللقاءات بين القوى الكبرى لتكشف عن اتجاهات السياسة العالمية. غير أن الأهمية الحقيقية لأي قمة لا تكمن فقط فيما يُعلن على المنصات الإعلامية، بل فيما يُحاك خلف الكواليس. قمة ألاسكا التي جمعت الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في أغسطس 2025، مثلت محطة فارقة في العلاقات الدولية، ليس فقط لأنها عُقدت في ظروف الحرب المستعرة بين روسيا وأوكرانيا، بل لأنها جسّدت بوضوح مبدأ: "لا صداقات دائمة في السياسة، بل مصالح دائمة".
لقد أثارت القمة جدلاً واسعاً بشأن الملفات التي طُرحت على الطاولة، من أوكرانيا إلى إيران، مروراً بالشرق الأوسط وملف اللاجئين. ورغم أن واشنطن أعلنت أن اللقاء لم يُسفر عن نتائج ملموسة، إلا أن الكثير من التحليلات رأت فيه صفقة مصالح غير معلنة تعكس التحولات الكبرى في ميزان القوى العالمي (Times of India).
1. السياسة الدولية: سوق للمصالح لا للمبادئ
المعادلة الصعبة
السياسة الداخلية كثيراً ما تُبنى على الشعارات ومخاطبة الجماهير، لكن السياسة الدولية تُدار بمبدأ المقايضة والمصالح. فما كشفته تسريبات ما بعد قمة ألاسكا يشير إلى أن موسكو كانت مستعدة لتخفيف دعمها العسكري لإيران، مقابل تراخٍ أمريكي في الملف الأوكراني. هذه المقايضة تعكس أن "العدو بالأمس" قد يتحول إلى "ورقة تفاوض" اليوم.
الواقع أن هذا النمط من الصفقات ليس جديداً؛ فالولايات المتحدة وروسيا تبادلتا تنازلات مماثلة إبان الحرب الباردة، كما حدث خلال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 حين قبلت واشنطن بسحب صواريخها من تركيا مقابل سحب موسكو صواريخها النووية من كوبا. التاريخ يُعيد نفسه اليوم، وإن اختلفت الأدوات والسياقات.
درس من التاريخ
من يتأمل مسار العلاقات الدولية يدرك أن الدول الصغيرة غالباً ما تتحول إلى أوراق تفاوضية بين الكبار. في الحرب الباردة، كانت دول العالم الثالث مسرحاً للصراع السوفيتي–الأمريكي. واليوم، نرى إيران وسوريا وأوكرانيا تُستخدم كأوراق مساومة. القاعدة واضحة: من لا يمتلك أوراق ضغط، يصبح هو نفسه ورقة في يد الآخرين.
2. الشرق الأوسط: ساحة للصفقات لا للحروب
إيران واللعبة الكبرى
إحدى أبرز النقاط التي أُثيرت في سياق القمة هي وضع إيران. فقد بدا أن طهران تم استبعادها من المعادلة المباشرة، لتجد نفسها في مواجهة خصومها الإقليميين بيدين مكبلتين. فالاتفاق الروسي الأمريكي الضمني جعل من إيران ضحية حسابات أكبر منها، تماماً كما حدث مع دول عربية في الماضي تحولت إلى أدوات في لعبة القوى العظمى.
دور إسرائيل
إسرائيل أيضاً كانت حاضرة في المشهد، ولو بطريقة غير مباشرة. فثقة تل أبيب بأن موسكو لن تمنح إيران غطاءً عسكرياً كاملاً تعكس تحولها من مجرد "حليف استراتيجي" للولايات المتحدة إلى "شريك في الصفقات". ومع ذلك، يبقى السؤال: هل يمكن أن تصبح إسرائيل نفسها ورقة تفاوضية في المستقبل إذا اقتضت مصالح واشنطن أو موسكو ذلك؟
التاريخ يقول نعم. فكما لم تتردد واشنطن في الضغط على إسرائيل في أوقات معينة، فإن التحالفات في السياسة الدولية ليست مقدسة، بل خاضعة لمعادلة المصالح وموازين القوى.
3. لماذا ألاسكا؟ رسائل خفية وراء المكان
الرمزية الجغرافية
اختيار ولاية ألاسكا لعقد القمة لم يكن عفوياً. فهي ليست مجرد أرض أمريكية نائية، بل تحمل رمزية خاصة؛ فقد كانت مستعمرة روسية حتى عام 1867، حين باعتها موسكو للولايات المتحدة. المسافة الفاصلة بين ألاسكا وروسيا لا تتجاوز 55 ميلاً في بعض النقاط، ما يجعلها منطقة ذات دلالة على التداخل الجغرافي والتاريخي بين البلدين (Time, RFERL).
قاعدة عسكرية مؤمنة
انعقاد القمة في قاعدة Joint Base Elmendorf–Richardson العسكرية منحها بعداً أمنياً صارماً، وأتاح سرية أكبر للمفاوضات بعيداً عن أعين الإعلام. هذه القاعدة تمثل رمزاً للحضور العسكري الأمريكي في المحيط الهادئ، وهو ما يبعث برسالة واضحة أن القمة ليست مجرد "لقاء ودي"، بل حدث استراتيجي محسوب بدقة (StudyIQ).
حماية بوتين من الملاحقة الدولية
جانب آخر لا يقل أهمية هو أن الولايات المتحدة لا تعترف بالمحكمة الجنائية الدولية، التي أصدرت مذكرة توقيف بحق بوتين على خلفية الحرب في أوكرانيا. وبالتالي، فإن اختيار ألاسكا وفر للرئيس الروسي حصانة عملية من أي تبعات قانونية أثناء وجوده على الأراضي الأمريكية (LiveMint).
4. القمة بلا نتائج… لكن الرسائل أوضح من الكلمات
رغم الضجة الإعلامية التي سبقت قمة ألاسكا، خرجت التصريحات الرسمية لتؤكد أن اللقاء لم يُسفر عن اتفاق ملموس لوقف الحرب في أوكرانيا. فقد صرّح ترامب بأن التوصل إلى اتفاق "متعذر حالياً"، بينما وصف بوتين المحادثات بأنها "إيجابية وبنّاءة"، دون أي التزام واضح (AP News, Reuters, WSJ).
لكن غياب النتائج المعلنة لا يعني غياب الاتفاقات الحقيقية؛ فالتاريخ يخبرنا أن كثيراً من التفاهمات الكبرى لا تُعلن فوراً، بل تُطبق لاحقاً على أرض الواقع عبر خطوات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية متدرجة.
5. ما بعد القمة: استحقاقات مصر والعرب
الوقوف في المنتصف
في ظل هذا المشهد المعقد، على الدول العربية – ومصر خاصة – أن تُدرك أن الرهان على تحالف ثابت لم يعد خياراً آمناً. المطلوب اليوم هو "دبلوماسية المرونة"، أي القدرة على التعامل مع القوى الكبرى جميعاً دون انحياز كامل لطرف، والحفاظ على مساحة مناورة تسمح بتأمين المصالح الوطنية.
مصر والملفات الإقليمية
مصر، بثقلها الإقليمي ومكانتها الجيوسياسية، ليست مجرد متفرج على لعبة القوى. فملف سد النهضة والأمن القومي العربي يجعلان القاهرة لاعباً لا يمكن تجاهله. ومن هنا، فإن السياسة المصرية المتوازنة – القائمة على عدم الانحياز الكامل لأي طرف – يجب أن تتحول إلى ورقة تفاوضية قوية تعزز من موقعها في أي ترتيبات دولية مقبلة.
التحذير من الرهان على طرف واحد
التجربة السورية أثبتت أن الاعتماد على دعم روسيا أو الولايات المتحدة وحدهما يؤدي إلى خسائر استراتيجية. لذلك، من الحكمة أن تواصل مصر انتهاج سياسة متوازنة تُكسبها المرونة في مواجهة الضغوط الأمريكية والروسية على حد سواء.
الخاتمة: "من لا يملك أوراقاً… يصبح ورقة"
كشفت قمة ألاسكا أن القانون الوحيد في العلاقات الدولية هو البقاء للأقوى. لكن القوة لم تعد محصورة في التفوق العسكري فقط، بل تشمل القدرة على المناورة السياسية، وبناء التحالفات، واستغلال اللحظات التاريخية لصالح الدولة.
على العرب أن يدركوا الدرس جيداً: لا تحالف دائم ولا عداوة أبدية، بل شبكة مصالح متغيرة يجب التعامل معها بذكاء. ومصر، بما تملكه من موقع جغرافي واستراتيجي، تستطيع أن تقود هذا التوازن إذا ما أحسنت توظيف أوراقها.
فالسياسة الدولية أشبه بسوق مفتوح: من يملك أوراقاً يفرض شروطه، ومن لا يملك يتحول إلى ورقة في يد الآخرين. حفظ الله مصر وشعبها العظيم وجيشها، وتحيا مصر رغم أنف كل المتربصين.

تعليقات
إرسال تعليق