السعودية بين إيران وإسرائيل: قراءة في التحركات العسكرية الأخيرة وتداعياتها السياسية.
في خضم تصاعد التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط، تبدو المملكة العربية السعودية وكأنها تتحرك في مسارين متوازيين: الأول عسكري دفاعي يهدف إلى تعزيز قدراتها الجوية والصاروخية تحسبًا لأي تصعيد محتمل مع إيران أو حتى انخراط غير مباشر في مواجهة مع إسرائيل؛ والثاني سياسي استراتيجي، يسعى إلى تعزيز مكانتها كقوة إقليمية صاعدة في ظل التحولات الدولية.
ومع أن الإعلام العربي لم يغطّ بعمق هذه التحركات الأخيرة، فإن الصحف الغربية ووسائل الإعلام الدولية رصدت إشارات واضحة إلى تغييرات في بنية الدفاعات السعودية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات كبيرة: هل المملكة تستعد لمواجهة مباشرة؟ أم أنها تراهن على الردع وخلق توازن قوى جديد في المنطقة؟
أولًا: التحركات العسكرية السعودية – بين الردع والاستعداد
زيادة التغطية الغربية مقابل الغياب العربي
خلال الأسابيع الماضية، نشرت تقارير في وسائل إعلام غربية مثل Reuters وArab News إشارات إلى تعزيزات سعودية في الدفاعات الجوية، أبرزها نشر وحدات THAAD وتوسيع منظومات باتريوت.
الغريب أن الإعلام العربي التقليدي، بما في ذلك العربية والشرق، لم يمنح هذه التطورات مساحة واسعة، ربما لأسباب تتعلق بالبعد الأمني أو الحساسية السياسية لهذه التحركات.
الاحتفاظ بالباتريوت اليونانية – رسالة استراتيجية
رغم انتهاء الحرب مع الحوثيين بعد اتفاق الهدنة، رفضت المملكة إعادة منظومة باتريوت التي أرسلتها اليونان عام 2021. هذا القرار أثار تساؤلات واسعة، خاصة أن المنظومة كان يفترض أن تكون مؤقتة. الاحتفاظ بها يعكس خشية الرياض من سيناريوهات تصعيدية جديدة مع إيران، أو حتى انهيار اتفاقيات السلام في اليمن.
أزمة الصواريخ الأمريكية – فجوة في التسليح
بحسب تقارير نشرتها Defense News، طلبت السعودية أكثر من 300 صاروخ MIM-104E Patriot، لكن واشنطن لم تُسلّمها جميعًا بعد. التأخير في التسليم يعكس توترًا غير معلن في العلاقة العسكرية بين الرياض وواشنطن، ما قد يفسر تمسك السعودية بالمنظومة اليونانية واستثمارها في بدائل مثل THAAD.
ثانيًا: منظومة "ثاد" – ركيزة دفاعية جديدة
تخريج دفعات جديدة
أعلنت قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي مؤخرًا عن تخريج الدفعة الثالثة من منسوبي منظومة "ثاد" في قاعدة فورت بليس بولاية تكساس الأمريكية (Saudi Gazette). هذا التطور يعكس التزامًا سعوديًا متزايدًا بالتحول نحو منظومات أكثر تقدمًا، قادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية بعيدة المدى.
نشر أول وحدة داخلية
في يوليو 2025، دشّنت المملكة أول وحدة عملياتية لمنظومة "ثاد" على أراضيها، في خطوة وُصفت بأنها تاريخية (Army Recognition). هذا الانتشار لا يعزز فقط قدرات المملكة الدفاعية، بل يبعث رسالة سياسية واضحة إلى إيران: الرياض لم تعد تعتمد فقط على المظلة الأمريكية، بل باتت تمتلك منظومات ردع مستقلة.
التوطين الصناعي – رؤية 2030
بالتعاون مع لوكهيد مارتن وشركات سعودية مثل AIC Steel، نجحت المملكة في تصنيع منصات نقل صواريخ خاصة بـ"ثاد" داخل أراضيها (Army Recognition). هذه الخطوة تدخل في إطار رؤية 2030 التي تهدف إلى توطين الصناعات الدفاعية بنسبة 50% على الأقل.
ثالثًا: التوسع في القدرات الصاروخية – البعد الخفي
مصانع ومخازن تحت الأرض
تقارير استخباراتية، أبرزها ما نشرته CNN، أكدت أن السعودية تطوّر منشآت تحت الأرض لإنتاج صواريخ باليستية، بالتعاون مع الصين. هذه الخطوة تمثل قفزة استراتيجية، إذ لم تعد المملكة تكتفي بالشراء من الخارج بل دخلت نادي الدول المنتجة للصواريخ.
التعاون مع الصين – رسالة مزدوجة
العلاقة العسكرية مع بكين لا تقتصر على الجانب التقني فقط، بل تحمل رسالة سياسية إلى واشنطن مفادها أن الرياض قادرة على تنويع مصادر تسليحها وعدم الرضوخ لأي ضغوط أمريكية، خصوصًا في ملف حقوق الإنسان أو أسعار النفط.
رابعًا: رغبة سعودية في منظومات روسية – حسابات دقيقة
رغم العقوبات الغربية على موسكو، ظهرت تقارير عن اهتمام سعودي بالحصول على منظومات دفاع جوي روسية مثل بانتسير S1 وربما S-400. وفق تقارير SAMI، هناك مذكرات تفاهم سابقة مع روسيا لتصنيع بعض المعدات محليًا.
هنا يبدو أن السعودية تسعى لإرسال إشارة سياسية مفادها أنها ليست حبيسة الشراكة الأمريكية، بل منفتحة على روسيا والصين في آن واحد.
خامسًا: التصنيع المحلي – نحو الاكتفاء الذاتي
إنتاج ذخائر مدفعية
ضمن خططها، تعمل المملكة مع شركات أمريكية لإنشاء مصنع لإنتاج قذائف مدفعية عيار 155 ملم داخل أراضيها. هذا التطور له بُعدين: الأول عسكري – تحقيق اكتفاء ذاتي، والثاني اقتصادي – فتح باب التصدير لدول خليجية وأفريقية.
شركة SAMI – ذراع التصنيع العسكري
منذ تأسيسها عام 2017، لعبت شركة الصناعات العسكرية السعودية (SAMI) دورًا محوريًا في نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات الدفاعية. اليوم، تُعتبر هذه الشركة جزءًا من رؤية 2030، وهدفها أن تجعل المملكة من بين أكبر 25 شركة دفاعية عالميًا بحلول 2030 (SAMI – Wikipedia).
سادسًا: البعد السياسي والجيوسياسي
العلاقة مع إيران – بين التهدئة والاستعداد
رغم الانفراجة الدبلوماسية بين الرياض وطهران بوساطة صينية عام 2023، إلا أن المملكة لا تغفل احتمالية انهيار هذا التقارب. بناء منظومات دفاعية متقدمة يوحي بأن السعودية تستعد لسيناريو مواجهة، أو على الأقل تسعى إلى ردع طموحات إيران النووية والصاروخية.
العلاقة مع إسرائيل – تقارب محسوب
التحركات السعودية لا يمكن فصلها عن سياق التطبيع الإقليمي. ورغم أن الرياض لم توقع بعد اتفاقًا رسميًا مع تل أبيب، فإن تزايد التنسيق الأمني غير المعلن يعكس إدراكًا متبادلًا بأن الخطر الإيراني يوحّد الطرفين بشكل غير مباشر (BBC).
معادلة واشنطن – الرياض
تأخر تسليم الصواريخ الأمريكية واحتفاظ المملكة بخيارات بديلة (روسيا، الصين) يعكس توترًا ضمنيًا في العلاقة. لكن في الوقت نفسه، التعاون العميق في ملف "ثاد" يُظهر أن السعودية لا تزال ترى في واشنطن الحليف الرئيسي، حتى وإن فتحت قنوات موازية مع موسكو وبكين.
سابعًا: دروس أوكرانيا – إعادة التفكير في الاعتماد الخارجي
أثبتت حرب أوكرانيا أن الاعتماد الكلي على الخارج في التسليح قد يكون خطيرًا. السعودية استوعبت الدرس، لذا تتحرك اليوم لتوطين الصناعات الدفاعية وتوسيع مخزونها الاستراتيجي.
ثامنًا: قراءة مستقبلية – السعودية في معادلة القوة
- توازن إقليمي جديد: المملكة تبني لنفسها موقعًا يجعلها لاعبًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تخص الأمن الخليجي.
- ردع متعدد المستويات: من الباتريوت إلى الثاد، ومن التصنيع المحلي إلى التحالفات الجديدة، باتت منظومة الردع السعودية أكثر تعقيدًا.
- رسالة سياسية: إلى إيران أن السعودية مستعدة، وإلى واشنطن أن الشراكة ليست بلا شروط، وإلى إسرائيل أن هناك مساحة للتنسيق الأمني.
خاتمة
إن التحركات السعودية الأخيرة لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد تحديث عسكري، بل هي جزء من إستراتيجية سياسية شاملة تعكس رغبة المملكة في لعب دور أكثر استقلالية وتأثيرًا في المنطقة.
ففي ظل التهديدات الإيرانية، واحتمالات التصعيد الإسرائيلي، وتردد واشنطن أحيانًا، اختارت الرياض أن تضع نفسها في موقع القوة: قوة دفاعية، قوة صناعية، وقوة سياسية قادرة على إعادة رسم خريطة التوازنات في الشرق الأوسط.
روابط المصادر المدمجة داخل المقال:
