شهادة أحمد السكري عن حسن البنا
حسن البنا ومنهج صناعة الأكاذيب.. شهادة تاريخية تفضح بدايات جماعة الإخوان
في شهادة صادمة لكنها بالغة الأهمية، خرج أحمد السكري، أحد مؤسسي جماعة الإخوان المسلمين ورفيق درب حسن البنا، عن صمته ليروي حقائق دامغة حول بدايات الجماعة وأسلوبها في التعامل مع خصومها ومعارضيها. تأتي هذه الشهادة لتعيد طرح الأسئلة القديمة بشأن حقيقة النوايا التي وقفت وراء تأسيس جماعة الإخوان، وخصوصًا ما يتعلق باستخدام الأكاذيب والتشويه كوسيلة للسيطرة وكسب الولاءات وإقصاء المعارضين.
السكري، الذي يُعتبر شاهد عيان من قلب التأسيس الإخواني، لم يكتف بتوثيق الخلافات التنظيمية أو السياسية، بل أماط اللثام عن "المنهج النفسي" و"السلوك الأخلاقي" الذي اتبعه البنا منذ اللحظة الأولى في تعامله مع رفاقه، وخصومه على حد سواء. وما قاله لا يمكن اعتباره مجرد "خلاف شخصي" أو انفجار قديم في علاقة متوترة، بل هو وصف دقيق لطريقة إدارة التنظيم من الداخل، منذ نشأته وحتى تحوله إلى آلة دعائية وسياسية تستغل الدين لتحقيق أهداف سلطوية.
أشار السكري بوضوح إلى أن البنا أسس منذ عام 1928 نظامًا داخل الجماعة قائمًا على ما سماه "إطلاق الألسنة لتشويه سمعة الآخرين"، موضحًا أن هذا المنهج لم يكن عرضيًا أو نتيجة انفعالات وقتية، بل سياسة ممنهجة تمثلت في لجان تعمل على بث الشائعات واختلاق القصص ضد من يعارض قرارات البنا أو ينتقد سلوك الجماعة. هذا النمط من التصفية المعنوية ليس جديدًا على من يعرف تاريخ الجماعة، لكنه يكتسب مصداقية استثنائية حين يصدر عن شخصية شاركت في التأسيس نفسه.
خلاف السكري مع البنا لم يكن مجرد جدل تنظيمي، بل كان صراعًا على المبادئ والشفافية. حيث كشف السكري أن البنا رفض الالتزام بقرار الهيئة التأسيسية التي اتفقت على تحكيم شخصيات محايدة للفصل بين الطرفين. وقد عبّر السكري عن خيبته من هذا الرفض بقوله إن البنا ضرب بقرار الهيئة عرض الحائط، متصرفًا بشكل ديكتاتوري لا يعكس أبدًا الصورة المثالية التي كان يروج لها عن نفسه.
هذا التناقض بين ما يُقال للعامة وما يُمارس في الداخل يعكس الفجوة الحقيقية التي لطالما حكمت خطاب الإخوان. فمن جهة، يظهر البنا بمظهر الرجل الداعية المصلح، الداعي إلى الأخلاق والعدالة، لكنه في الممارسة التنظيمية يتصرف بعقلية استبدادية، ترفض النقد وتهاجم المختلفين، وتستخدم الدين أداة لتبرير الإقصاء.
ومن الأمور اللافتة التي سردها السكري أن حسن البنا استغل خلافه مع شركائه المؤسسين في إشعال الفتنة بين أفراد الجماعة، بل واستدعى قوى سياسية من خارج الجماعة للتدخل، في محاولة لتأليب الرأي العام التنظيمي ضدهم. هذا الأسلوب في إشعال الفتن واستخدام الانقسام الداخلي كأداة للهيمنة، يتكرر في تجارب لاحقة داخل الجماعة في عصور متعددة، ما يشير إلى أنه ليس تصرفًا فرديًا عابرًا، بل جزء من استراتيجية متجذرة في بنية التنظيم.
أخطر ما في شهادة السكري هو الاتهام الضمني بأن حسن البنا لم يكن مستقل الإرادة، بل كانت له علاقات واتصالات مع جهات خارجية، وخصوصًا شخصيات وفدية، استخدمها في صراعاته التنظيمية الداخلية. هذا الجانب يسلط الضوء على مسألة طالما أثارت الجدل، وهي العلاقة بين الإخوان وبعض القوى السياسية أو حتى الاستخباراتية خارج مصر، وهي علاقات اتسمت بالغموض والسرية، لكنها كانت دائمًا حاضرة في تحليل المشهد السياسي للجماعة.
يرى متابعون أن شهادة السكري تُعد وثيقة تاريخية نادرة، لأنها تأتي من داخل البيت الإخواني، ومن شخص لا يمكن اتهامه بالعداء المسبق للجماعة. بل على العكس، هو شريك في التأسيس، وشاهد على البدايات، ولذلك فإن شهادته تنزع الغطاء الأخلاقي والديني الذي حاولت الجماعة الاحتفاظ به لعقود.
وما يزيد من أهمية هذه الشهادة أنها لم تصدر في لحظة غضب أو تصفية حسابات، بل جاءت بعد تفكير عميق ورفض متأصل لممارسات وصفها السكري بأنها تتنافى مع الدين والعقل والمنطق. وهو ما يجعلنا أمام فرصة لفهم أعمق لطبيعة البناء النفسي والتنظيمي للجماعة، التي بدأت منذ لحظاتها الأولى بترويج نموذج مشوه للقيادة، قائم على الولاء المطلق، والتخلص من كل معارض بشتى الوسائل.
ليس من الغريب أن نجد في الممارسات الإعلامية الحديثة للجماعة، خصوصًا عبر ما يُعرف بـ"اللجان الإلكترونية"، استمرارًا لنفس الأسلوب الذي تحدث عنه السكري منذ عام 1928. فكما كانت الألسنة تُطلق ضد المعارضين في الاجتماعات الداخلية والمساجد، باتت اليوم تُطلق عبر مواقع التواصل الاجتماعي ضد الدولة، ومؤسساتها، وضد المفكرين والمثقفين والإعلاميين.
التاريخ لا يُنسى، ومنه نتعلم أن المنهج لا يتغير، حتى إن تغيرت الأدوات. وأسلوب البنا الذي وصفه السكري بدقة، لا يزال قائمًا في عقلية الجماعة إلى اليوم، بل وتم تطويره رقميًا وتقنيًا ليناسب العصر. وهذا يدفعنا إلى أهمية التوثيق والعودة للشهادات الأصلية، لفهم كيف نمت هذه الأفكار، ومن أين خرجت، وكيف أصبحت أداة تستخدم الدين لإقصاء الآخر، لا لإصلاح المجتمع كما تزعم.
تبقى شهادة أحمد السكري واحدة من الشهادات التي يجب أن تُدرس، لا بهدف تصفية الحسابات، بل بغرض بناء وعي تاريخي حقيقي، يدرك أن الأيديولوجيات لا تُقاس بما تقوله، بل بما تفعله. وأن من يتحدث عن الأخلاق، ثم يشيطن خصومه ويشوههم، لا يمكنه أن يكون مصلحًا ولا داعية، بل خصمًا للحقيقة.
للمصدر الكامل: اليوم السابع - شهادة أحمد السكري عن حسن البنا

تعليقات
إرسال تعليق