إسرائيل تضغط لمنع صفقة تسليح أمريكية لمصر

 

إسرائيل تضغط لمنع صفقة تسليح أمريكية لمصر:

 سلاح الجو المصري يقلق تل أبيب

في تصعيد غير معلن للحرب الدبلوماسية بين إسرائيل ومصر، كشفت تقارير إعلامية أن إسرائيل تبذل جهودًا مكثفة داخل واشنطن لمنع عقد صفقة تسليح متطورة بين الولايات المتحدة ومصر، تستهدف تعزيز قدرات سلاح الجو المصري. هذه التحركات تعكس مخاوف إسرائيل العميقة من حدوث اختلال في ميزان القوى الإقليمي، خاصة في ظل سعي مصر المتواصل لتحديث ترسانتها العسكرية.

خلفية الصفقة المصرية - الأمريكية

الصفقة التي تسعى مصر لإتمامها مع الولايات المتحدة تشمل منظومة متكاملة من المعدات والتقنيات الجوية الحديثة، من أبرزها مقاتلات متعددة المهام، وصواريخ جو-جو بعيدة المدى من نوع "ميتيور"، بالإضافة إلى أنظمة رادار متقدمة وتقنيات تشويش إلكتروني.

إسرائيل تضغط لمنع صفقة تسليح أمريكية لمصر


تهدف هذه الصفقة إلى إحداث نقلة نوعية في قدرات سلاح الجو المصري، الذي بات في السنوات الأخيرة يشكل ذراعًا حاسمة في توازنات الردع الإقليمي، بعد التحديثات التي طرأت عليه من خلال صفقات متتالية مع فرنسا وروسيا، شملت طائرات "رافال" و"ميغ-29" ومروحيات "كا-52".

إسرائيل تخشى التفوق المصري

منذ توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979، حافظ الطرفان على علاقة أمنية مستقرة نسبيًا، لكن إسرائيل حرصت دائمًا على الحفاظ على تفوقها العسكري النوعي، خاصة في مجال سلاح الجو. وتُعد إسرائيل أن هذا التفوق هو أحد أعمدة استراتيجيتها الدفاعية، وأي تهديد له يعد خطرًا وجوديًا.

وبحسب تقارير، فإن المسؤولين الإسرائيليين أبدوا امتعاضهم الشديد من الصفقة الجديدة، واعتبروا أنها تُقرب مصر أكثر من بلوغ مستوى متقدم قد يُغير موازين القوى في المنطقة. فالمقاتلات التي تسعى القاهرة للحصول عليها، مزودة بصواريخ طويلة المدى تفوق حتى ما تمتلكه إسرائيل من طراز "سبايس" و"ديربي"، وهو ما يمثل تهديدًا فعليًا في حال وقوع أي تصعيد.

أدوات الضغط الإسرائيلي

في إطار سعيها لإجهاض الصفقة، لجأت إسرائيل إلى استخدام قنواتها التقليدية داخل واشنطن، خاصة داخل الكونغرس والبنتاغون. وأفادت مصادر مطلعة أن تل أبيب أرسلت تحذيرات سياسية مفادها أن تزويد مصر بهذه المعدات سيُخل بما يُعرف بـ"الميزان العسكري النوعي"، وهو المفهوم الذي تلتزم به واشنطن لضمان التفوق العسكري الإسرائيلي على أي دولة في المنطقة.

وتحاول إسرائيل إقناع صناع القرار الأمريكي بأن مصر، رغم علاقتها المستقرة نسبيًا بإسرائيل، تُعد دولة ذات توجهات مستقلة، ولا يمكن ضمان استخدام هذه الأسلحة في إطار يخدم المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية مستقبلاً، لا سيما مع تغير الظروف الإقليمية.

مصر تؤكد حقها في التسلح

من جهتها، تعتبر مصر أن من حقها تطوير قواتها المسلحة بما يتناسب مع التحديات الأمنية المتصاعدة في المنطقة. وتؤكد القاهرة باستمرار أن تحديث سلاح الجو هو جزء من استراتيجية دفاعية مشروعة، تهدف إلى حماية الأمن القومي المصري ومصالحها الاستراتيجية، لا سيما في ظل التوترات المتصاعدة في ليبيا والسودان وقطاع غزة، والتدخلات الإقليمية في البحر الأحمر وشرق المتوسط.

وقد تبنت القيادة المصرية منذ 2015 سياسة تنويع مصادر التسليح، حيث أبرمت صفقات ضخمة مع دول مثل فرنسا وروسيا وإيطاليا وألمانيا، شملت طائرات حربية وغواصات ومنظومات دفاع جوي. والصفقة الأمريكية، رغم حساسيتها السياسية، تأتي في هذا السياق الطبيعي لتعزيز قدرات الجيش المصري، الذي يُعد أحد أكبر الجيوش في المنطقة من حيث العتاد والبنية البشرية.

حسابات الولايات المتحدة

الولايات المتحدة تجد نفسها في موقف معقد، فهي من جهة تعتبر مصر حليفًا استراتيجيًا وتربطها بها اتفاقيات عسكرية وتعاون استخباراتي يمتد لعقود، ومن جهة أخرى تُولي أهمية خاصة للعلاقات مع إسرائيل، التي تُعد الشريك الأقرب لها في الشرق الأوسط.

وفي الوقت ذاته، تخشى واشنطن أن يؤدي تعطيل الصفقة إلى دفع مصر أكثر نحو التحالفات الشرقية، خصوصًا مع روسيا والصين، في ظل التنافس العالمي المحتدم على النفوذ في الشرق الأوسط. كما أن فشل الصفقة قد يُفقد الولايات المتحدة سوقًا عسكرية مربحة ويُضعف من حضورها في المشهد الأمني الإقليمي.

لماذا سلاح الجو بالذات؟

يرى خبراء عسكريون أن التركيز الإسرائيلي على منع تطور سلاح الجو المصري، يعود إلى كون الطيران الحربي هو الذراع الأساسية التي تمنح الدولة القدرة على فرض هيبتها على مساحات جغرافية واسعة، وتنفيذ عمليات استراتيجية دون الحاجة لتدخل بري.

ويُصنف سلاح الجو المصري حاليًا في المرتبة العاشرة عالميًا من حيث عدد الطائرات، لكنه يسعى لتطوير نوعية الطائرات والمعدات التي يمتلكها، وليس فقط الكم. كما أن امتلاكه لمنظومات صاروخية بعيدة المدى تُمكنه من فرض مناطق حظر جوي أو الردع الاستباقي، وهو أمر تعتبره إسرائيل تهديدًا حقيقيًا.

أبعاد إقليمية أوسع

لا يمكن فصل هذه الأزمة عن السياق الإقليمي الأشمل، فالتنافس بين القوى الإقليمية في الشرق الأوسط يشهد تصاعدًا ملحوظًا، خاصة في ظل الانسحاب الجزئي للولايات المتحدة من بعض ملفات المنطقة. وتسعى كل من مصر وتركيا وإيران وإسرائيل إلى فرض معادلات جديدة من خلال النفوذ العسكري والتكنولوجي.

وفي هذا الإطار، فإن صفقة الطيران الجديدة لمصر تمثل في نظر تل أبيب خطرًا مضاعفًا، لأنها قد تُسهم في تغيير قواعد الاشتباك غير المباشرة في ملفات مثل ليبيا وغزة وسد النهضة والبحر الأحمر.

هل تنجح الضغوط الإسرائيلية؟

يبقى السؤال المطروح: هل تنجح إسرائيل في منع إتمام الصفقة؟ الإجابة ليست محسومة. فبينما تتمتع إسرائيل بنفوذ كبير داخل مؤسسات صنع القرار الأمريكية، فإن مصر تمتلك بدورها أوراق ضغط، أبرزها موقعها الجغرافي الحاسم، ودورها المحوري في قضايا أمن البحر المتوسط، وملفات مكافحة الإرهاب، والهجرة غير الشرعية.

كما أن القاهرة قد تلجأ إلى البدائل، سواء من خلال روسيا أو الصين أو حتى فرنسا، وهو ما قد يُفقد الولايات المتحدة حصتها الاستراتيجية في السوق العسكري المصري.

الخلاصة

في الوقت الذي تسعى فيه مصر لبناء قوة جوية ردعية تضمن لها أمنها القومي وتُثبت مكانتها الإقليمية، ترى إسرائيل في ذلك تهديدًا مباشرًا لتفوقها العسكري الذي لطالما اعتبرته ضمانة لوجودها. أما الولايات المتحدة، فتجد نفسها في مفترق طرق بين حليفين مهمين، كلٌ له حساباته واستراتيجيته.

المعركة اليوم ليست بين طائرات وصواريخ فقط، بل معركة إرادات ومصالح ونفوذ. وإذا ما أُجهضت الصفقة، فإنها ستُشكل سابقة جديدة في العلاقات المصرية الأمريكية. أما إذا تمت، فقد تُعيد رسم خريطة التوازنات الجوية في الشرق الأوسط لسنوات قادمة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم