الشرف هو شرف العمل في المجتمع الاشتراكي - الجزء الثاني
الشرف هو شرف العمل في المجتمع الاشتراكي - الجزء الثاني
ولقد يجول في خاطر أحدنا سؤال : ما هي الظروف التي تهيئ للعمل السير المستمر المتواصل بدون تراخ أو خمول أو بدون إستهتار وتكاسل ؟ ثم ما هو المقياس الذي يقاس به المجهود العام للأفراد ؟ ثم يجول سؤال ثالث .. ما العمل مع المتخاذلين في أعمالهم ؟
وقد يجول أسئلة اإستفسارات عديدة بعضها يحوي هذا المعني والبعض يخرج عنه .
حقيقة كيف تهئ للعمل السير المستمر .. وما هو مقياس نتيجة العمل .. وإجابتي علي ذلك هو حب العمل والإيمان به .. وهو أن لا يهيئ المجتمع الحياة لكل فرد من أفراده بدون عمل .. وهو أن تكون الحياة .. كل الحياة للعاملين تحت كيان المجتمع .. ولا حياة للخاملين .
وقد يجول في خاطرنا استفسار آخر .. ما هو العمل أو ماهي حدود العمل .. نعم لكل معنى حدود .. وهذه الحدود تختلف تبعا للقيم العامة للمجتمع .. فحدود معنى العمل ليست مطلقة بل نسبية . فليس من يعيش حياته علي جمع ايراد أو ايجار ممتلكاته عامل .. بل بدون عمل . والسيدات اللاتي لا عمل لهن إلا الحديث طوال اليوم والليل .. بل طول حياتهم .. بدون عمل .. نعم .. إن العاطلين بالوراثة والعاطلين بالتقاليد وعقائد القرون الوسطى بلاء كبير علي المجتمع .. طاقة ضخمة معطلة وجدت لتمتص طاقات الغير .. وجدت لتعيش علي كدح الغير .. فالاول لا يعمل ولكن يسرق عمل الغير .. لا يعمل ويستنزف دماء الغير من العمال والكادحين باسم الوراثة وباسم شرف الغنى وتحت سمع القانون وبصره . وأما الثاني .. وهن السيدات فإننا نجد أن نصف طاقة المجتمع معطلة بلا عمل وبلا جهد .. النصف يعمل ويكدح طوال حياته ليعيش النصف الآخر في راحة .. فمجهود يد واحدة يلتهمه فمان .. لا فم واحد .
نصف المجتمع يبذل العرق والجهد .. والنصف لا يعمل .. لماذا .. لديه حصانة .. حصانة التقاليد .. تقاليد قرون مضت واندثرت .. ولكن لا تزال بقاياها في نفوسنا .
وهناك أمثال وأمثال لطاقات معطلة في المجتمع .. صاحب المقهي بدون عمل .. أصحاب الشركات والمصانع بدون عمل .. النشالين واللصوص والمتسولين .. كلها طاقات معطلة في مجتمعنا .. وفي الحقيقة ليس هناك فرق بين صاحب الارض أو المصنع الذي يعيش بدون عمل .. وما عمله إلا جمع الإيراد أو الإيجار . وبين النشال واللص .
فالأول ينشل عرق الاجير والعامل .. يسرق كدح المئات والآلاف من العمال تحت سمع القانون وبصره . والثاني يسرق فرد أو أفراد ويقع تحت طائلة القانون . وهذا منطق عجيب الذي يسرق كدح الالاف لا يعاقب والذي يسرق كدح فرد يعاقب .
واذا كانت المجتمعات علي مختلف مذاهبها تحارب النشالين واللصوص والمخادعين . فإن الاشتراكية تحارب العاطلين بالوراثة أو العاطلين بالتقاليد .. بل هي لا تسمح بأن يكون في مجتمعها أسلوب من أساليب الكسل وعدم التطور .. وهي لا تترك ثغرة لينفذ منها المخادعين والمتكاسلين .. وهي تضع اساسا هاما لأفراد المجتمع جميعا .. العمل للجميع .. تكافؤ الفرص للجميع .. الحياة .. كل الحياة للعاملين ولاحياة لغير العاملين ..
الاشتراكية تؤمن بالعمل المستمر .. تؤمن بالحياة المستمرة .. بالنمو التطور المستمر .. التطور الفكري والمذهبي .. التطور الاجتماعي والاقتصادي . وهنا تقف أمامنا نقطة هامة .. ماهو الطريق الذي نسلكة ليسير المجتمع نحو التطور الاجتماعي والاقتصادي والفكري .
ما هو الطريق الذي نسلكة حتي نسير بالمجتمع الذي وجدنا فيه . ووجدنا فيه هذه القيم والمعايير الني اكتسبها المجتمع علي مر السنين . وكيف ننمي في نفوس أفراد المجتمع مفاهيم وعقائد التعاون الاشتراكي .
لقد قمنا بثورتنا السياسية عام 1952 وتخلص المجتمع من السيطرة السياسية الاستعمارية . تخلص المجتمع كوحدة من الاستغلال السياسي . ولكن هل تخلص أفراد المجتمع من الاستغلال السياسي ؟ هل وضحت في أذهان أفراد المجتمع حقوقهم ؟
كلا .. لم تتضح هذه الحقوق .. ولم يتخلص افراد المجتمع من السيطرة السياسية . وكان هذا واضحا جدا في الانتخابات التي أجريت لمجلس الامة أو الاتحاد القومي . إن الذين جلسوا في مقاعد مجلس الامة هم الذين جلسوا في مقاعد البرلمانات السابقة .وهذا في وجود ثورة . في وجود مثل تخالف تلك التي كانت في العهود السابقة .. عهود الاستغلال بشتى صوره .
ولماذا ؟ .. إنه منطق طبيعي . إن مجتمعنا يتكون من طبقة الفلاحين وهؤلاء تربوا أن مجتمعنا يتكون من طبقة الفلاحين . وهؤلاء تربوا هم وآباؤهم وأجدادهم علي السيطرة . تعود الفلاح أن يعطي صوته لهذا السيد أو لذلك . بل تعود أن هذا السيد هو الإله في الارض وفي يده السلطة .. في يده الحياه .
ولاضرب مثلا آخر .. فلنفرض أنه حدث هنا مثل ما حدث في سوريا .. فلنفرض وطبعا من المستحيل أن يحدث . فلنفرض أنه رجعت السلطة للإقطاع والإستغلال .. ماذا يحدث .. سنجد قطعا أن الفلاحين والعمال والاجراء يتوجهون لأصحاب الجاه والسلطة الجدد لتقديم التهاني والترحيب .. هذا مع اقتناعهم بأن هؤلاء ضد مصلحتهم وسيستغلون حياتهم .. قطعا سيحدث هذا .. إنها أفكار راسخة في العقل الباطن . لا تزال راسخة في نفوس أفراد الشعب . في نفوس الفلاحين والعمال والاجراء . مع أنه قد انقضي ما يقرب من عشر سنوات علي قيام الثورة .
هذا مثال واضح علي أن الافكار في أذهان المجتمع . الافكار التي رسخت من مرور الزمن . نحتاج الي زمن لكي نضع مكانها أفكار جديدة .
فكيف يمكن لنا أن نزيل ما بنفوس الافراد . كيف يمكن لنا أن نزيل القاذورات . نزيل السرقة والتسول .. الخداع والغش والاستغلال والاستهتار .. والاختلاس .
كيف لنا أن نزيل تلك الامراض الاجتماعية . كيف نضع في النفوس المثل السليمة للمجتمع الاشتراكي .. انها تحتاج الي زمن كذلك .. وتحتاج الي جهد مرير .
إننا لن نستأصل الامراض الاجتماعية من الفرد كما نستأصل عضوا فاسد في الجسم بعملية جراحية . من السهل جدا أن نستأصل أي جزء فاسد من الجسم . ولكن من الصعب جدا أن نستأصل ما في نفس الفرد من عقائد وأفكار ولو كانت قاذورات وموبقات . لانها أشياء غير محسوسة ولا ملموسة . أشياء لا يحس بها الافراد ولكن تسيطر عليهم وعلي أعمالهم عن طريق غير مباشر .. تقودهم في أعمالهم وسلوكهم وقد لا يشعرون بها .. والمثل العامي يقول " الطبع غلب التطبع ".
فما العمل اذا .. هو بالتربية المستمرة .. بالتعويد المستمر .. بالحساب المستمر .. هو أن نغرس العقائد والمفاهيم السليمة في نفوس الاجيال . هو في تكوين نشأ يؤمن بالقيم المفاهيم السليمة للمجتمع الاشتراكي السليم . وهنا يقع العبئ علي أكتاف المثقفين .. يقع العبئ كله علي كل متعلم .. في المنزل وفي القرية وفي المدينة .. يقع العبئ كله علي اكتافنا جميعا كطبقة مثقفة .. ويجب هنا أن نعمل وأن نسلك في حياتنا .. في كل لحظة منها .. السلوك الاجتماعي السليم لنقود الشعب لبر الامان .. نحو حياة فاضلة .. فيها العمل للجميع والعلم للجميع والخير للجميع ....
كتبها الاستاذ المرحوم / حسن سيد حسانين
في 6 - 12 - 1961
تعليقات
إرسال تعليق