الشرف هو شرف العمل في المجتمع الاشتراكي - الجزء الاول

 لم يعد الشرف هو شرف الجد وشرف العائلة .. بل هو شرف العمل وشرف المبدأ .

محاضرة القيت بنادي المدرسة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يوم الاربعاء 6-12-1961

قد تسوقك الاقدار والظروف الاجتماعية لأن تعيش في مجتمع من المجتمعات وأي مجتمع أو مجلس لا يخلو من اكتساب الافراد لفكرة جديدة .. أو درس إجتماعي .. فهذه سنة المجتمعات وطبيعتها .

وقد تستمع رغم أنفك الي درس في الفضيلة والاخلاق .. أو درس في مثل ومعتقدات المجتمع وقد تخترق اذنيك معتقدات ومثل عامة . الشرف والكرامة .. العدالة . كلمات صغيرة في لفظها .. كبيرة وخطيرة في معناها .

معتقدات تؤمن بها المجتمعات المختلفة . وهي في مجتمعنا هذا مقدسة في بعض الاحيان .. فقد تدفعك الي القتل أو الانتحار .. هي قنابل يدوية غير محرمة بقانون ويتداولها المجتمع في الطريق العام . ويلقي بها أفراده حيث يشاء بدون رقابة ووزن .

الشرف والحرية والعدل


وكان لهذه المثل ( الشرف - الكرامة - العدالة ) الاثر الاكبر في حياة البشرية جمعاء . فالحروب الماضية التي مرت بالبشرية علي مدار تاريخها الماضي وقتلت الملايين من البشر .. والحروب القادمة التي ستقضي علي ملايين الملايين من البشر كذلك كانت وسوف تكون باسم الشرف والعدالة والعدالة وحقوق الانسان .

كما أن الاساليب المختلفة للاستعمار العسكري والاقتصادي والمذهبي والطرق المختلفة لاستغلال الشعوب اقتصاديا وفكريا .. بل الاستغلال الاقطاعي في المجتمعات نفسها كانت باسم الشرف وحقوق الانسان .

فالشرف والكرامة والعدالة كلمات مطاطة يمكن أن تشد أو ترخي لتناسب أي مجتمع من المجتمعات .. ويستخدمها الانسان ليبرر بها أفعاله وسلوكة في المجتمع .

فالانسان يحمل حاسة لتقبل المثل .. يمكنه ان يصب فيها السم أو العسل .. وكلاهما بإسم الشرف .

فالشرف منتشر في كل مكان . وفي كل مجتمع من المجتمعات . من أرقاها الي ادناها في درجة الرقي الفكري والمذهبي .. وقد يكون الشرف عبيرا جميلا مثل عبير الكلونيا والياسمين .. وقد يكون غازا ساما أو دخان يحيط بالحواس ويحجز الرؤية الصحيحة عن العيون .. قد يكون غطاء من القماش الفاخر يحجب خلفه سلة من القاذورات والاوساخ . فالشرف ليس معني مطلق . أو حقيقة ثابتة . إنما هو معني نسبي يختلف في مقوماته ومفاهيمه تبعا لنظام المجتمع ومعتقداته . كل دوله لها شرف خاص بها .. كل بلد وإقليم .. بل كل فرد من أفراد المجتمع له شرف خاص يتمسك به .

وفي تاريخ الانسانية وعصورها أمثال وأمثال .. كان يشتري الانسان كعبد باسم الشرف . وكان يساق أفراد الشعب للعمل بدون أجر وتحت لهيب ألسنة السياط باسم شرف الاسياد .. وكان يجمع صاحب السلطة من نساء الشعب ما شاء له هواه وتهتك أعراضهن كمحظيات باسم شرف الاسياد .. استعمرت شعوب وإستبيحت واستغلت بكل طاقتها سنين عديدة ولا يزال بعضها كذلك باسم الشرف .. والعدالة .. وحقوق الانسان .

وإذا أمعنا النظر ودققنا الفحص في مجتمعنا الذي نعيش فيه لوجدنا أن مفهوم الشرف كمعتقد من المعتقدات التي يؤمن بها المجتمع هو صيانة الجسد ... فإذا ارتكبت كل الذنوب والموبقات الموجودة في قاموس الرذائل .. وظل حرمك مصونا فأنت شريف .. وأية شرف .

أما السرقة .. القتل .. سفك الدماء .. النصب والاحتيال .. الاغتيال .. بيع وتعاطي المخدرات .. التهريب .. الاختلاس .. الرشوة .. الاستهتار في العمل . كلها أعمل رجال . حتي السجن المؤبد والشنق للرجال . فالشرف في عرف مجتمعنا الذي نعيش فيه هو شرف الجسد وحده . أما شرف العقل فهو منطق الجهلاء .

وقد نجد من بين كبار المتدينين من أصحاب اللحى ومن الحاصلين علي درجة حاج ومقدس فما فوق .. من من يطبقون هذا المنطق من الشرف بدون نقاش أو جدال .

فمنهم من يتاجر في السوق السوداء .. يسلب عرق الاجير .. ينهب القراريط الضئيلة التي يمتلكها الفقراء وهو حسن النيه .. وقد يبني عددا من العمارات ذوات عشرات الطوابق وبكل براءة أيضا ويرفق بها خمارة وتدار في بعض طوابقها الدعارة والميسر وأوكار اللصوص والمخادعين وكل هذا لا يهم مادام يوجد من يدفع الايجار .. بل هو يستغل مثل هذه الظروف ليضاعف الايجار .. كل هذا باسم الشرف.

وفي مجتمعنا كذلك نوع آخر من الشرف .. هو شرف الاسم .. فقد يعترض طريقك أحد اصحاب اللاسات والزعبوط المنشي ليعتدي عليك .. فإذا فتحت فمك لتعترض صاح فيك ( فتح شوف مين قدامك دنا من عيلة كذا ... ) وهذا هو شرف الاسم .. يستطيع حامل هذا الشرف أن يعتدي علي أي فرد ويسلب حقوق ما دام من عائلة .. ما دام يحمل لقب طشت .. وأنت مجرد فرد عادي . فلست من عائلة طشت ولا إبريق مثله .

مفهوم الشرف في مجتمعنا هو شرف الجسد وشرف الاسم . هذا هو المفهوم المتداول في مجتمعنا . ولقد كان لهذه المعتقدات أسوأ الاثر في النمو الاجتماعي السليم . كان لهذا المفهوم المتداول في المجتمع يدا كبرى في تفكك المجتمع وانتشار الوباء الاجتماعي من سرقة وقتل واختلاس ورشوة وبيع وتهريب المخدرات والتكتل العائلي والطائفي .

ولكي ينهض المجتمع ليسير بخطوات سريعة نحو التوافق والتكامل الجتماعي السليم .. وليكي ينهض المجتمع ليسير بخطوات الي الوحدة الاجتماعية السليمة .. يتساوي أفراده جميعا في حقوقهم وواجباتهم . ولكي ينهض مجتمعنا يجب أن تبلور المفاهيم الاجتماعية السليمة للمثل العليا أمام مخيله . كما يجب ان نزيل ما لديه من أفكار لا يوجد لها مكان تحت شمس الاشتراكية التي ننادي بها عن عقيدة وإيمان ويخطو اليها مجتمعنا ليلحق بركب الحضارة المدنية الانسانية .

فالاشتراكية إذ تؤمن بالشرف .. فهو ليس مجرد صيانة العرض والجسد . وهو ليس الغني .. وليس القوة .. وليس الشهادة والدبلوم .. كما أنه ليس الاسم العريق والحسب والنسب .. انما هو شئ اخر .. إنه مرتبة خلقية لها عنصر اساس هام .. هو العمل .. هو بذل الجهد والعرق .. والعمل نحو الاحسن وليس العمل فقط .. بل العمل بضمير ببزخ تحت عبئ الاحساس بالمسؤلية في كل لحظة .

فالرجل الشريف يعمل وينفذ عمله .. كالنملة الدؤوب لا تكل العمل ولا تمله .. تحمل جزء من القش متسلقة حائط فتسقط مرات ومرات ولا يكون سقوطها من عوامل الملل .

وهو الرجل الذي يقوم بعمله برغبة وحرية وإيمان .. لا بالامر ولا بالعصا .. يعمل عن إيمان وعن عقيدة .. ويؤمن بأن العمل والجهد والعرق هو الشرف نفسه .

وهو يحس أنه كوبري تعبر عليه الحياه نحو الاصلح .. فيساعدها بكل قطرة من دمه وهو ليس صاحب سعادة أو جاه وشرف عائلة .. أو صاحب شهادة أو عمارة .. انما هو انسان بسيط يعمل عن وعي .. وبحافز حر .. وإحساس بالمسؤولية . فالعامل الذي يضرب الارض بالفأس طوال يومه أشرف من ذلك الذي يجمع منه ايجار الارض .

والموظف الذي يفهم عمله ويبذل لانجازه الجهد عن وعي وضمير أشرف من ذلك الذي لا هم الا الاستهتار والخمول .

والسيدة التي تعمل طوال اليوم لتكسب قروشا ضئيلة أجر كدحها أشرف من تلك التي تعيش في حريم القصور وتظل حياتها بدون عمل أو جهد .

واذا كانت الاشتراكية تؤمن بأن الشرف هو شرف العمل .. تؤمن بان مقياس شرف أفراد المجتمع في عملهم وأنتاج هذا العمل . فليست وحدها التي تنادي بذلك .. الله جلت قدرته نادى بذلك في الاديان السماوية .. في اليهودية .. في المسيحية .. وفي الاسلام .. وجميع المذاهب المختلفة علي اختلاف نظمها الاجتماعية تنادي بذلك .

ففي التوراة " إذهب الي النملة أيها الكسلان .. تأمل طرقها وكن حكيما .. التي ليس لها قائد ولا عريف ولا متسلط .. ويعد في الصيف طعامها وتجمع في الحصاد أكلها .. الي متي تنام أيها الكسلان .. متي تنهض من نومك " .

وفي القرآن الكريم " فإذا قضيت الصلاة فإنتشروا في الارض وإبتغوا من فضل الله .. وأذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون " .. " هو الذي جعل لكم الارض ذلولا فأمشوا في مناكبها وكلوا من رزقه " .

والانبياء والرسل كانوا بقدسون العمل وينادون به . لقد رعى رسول الله سيدنا محمد الغنم . وسافر مع عمه للتجارة .. ومن قوله صلي الله عليه وسلم " لأن يحتطب أحدكم حزمة  علي ظهره خير من أن يسأل أحد فيعطيه أو يمنعه " . وقوله عليه الصلاة والسلام " كان داوود عليه السلام لا يأكل إلا من عمل يده " .

فالعمل هو سبيل الحرية والكرامة . وطريق الحياة الفاضلة . فالاشتراكية اذ تؤمن بأن الشرف هو شرف العمل . فهو مفهوم قد يكون محاط بسياج .. وليس سياج من الاشواك  . بل من الزهور والرياحين  . فالعمل يجب أن يكون عن إيمان وعقيدة .. العمل لحب العمل .. العمل للإحساس بأن الحياة هي عمل .. الحياة حركة .. وتفكير وجهد متواصل .. الحياة ليس من سماتها الخمول والكسل والركود .

فهذا التعبير الحياة .. يعني الحركة .. الحركة لفرصة .. لمعني تتجه اليه .. لفرصة النمو والتطور المستمر . لفرصة الانتاج .

فالعمل بدون نمو وتطور . وما العمل بدون إنتاج . مجهود ضائع وطاقة مفقودة . والاشتراكية لا تؤمن بالمجهود الضائع والطاقة المفقودة . ولا تسمح بأن تكون هناك طاقة مفقودة .. فالطاقة المفقودة جزء من طاقة المجتمع . جزء من ممتلكات المجتمع .. جزء من الطاقة التي يعتمد عليه المجتمع في بنيانه .. والاسراف فيها والاهمال في توجيهها يؤخر النمو المطلوب والغاية المرجوة . كما أن المجهود الضائع فيه هدم لكيان ومقومات المجتمع .

اعزائي القراء اكتفي بالكتابة في هذا المقال الي هذا القدر .. ويتبعه جزء ثاني باذن الله وحوله


بقلم المرحوم : حسن سيد حسانين

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اجتماع الجنرالات الأكبر في تاريخ البنتاغون: هل ينفجر العالم من أوكرانيا إلى تايوان والشرق الأوسط نحو حرب عالمية ثالثة؟"

تطبيق ياسين تي في على آيفون: رابط التحميل والمميزات الكاملة لمشاهدة المباريات

تحميل تطبيق ياسين Yacine tv اخر اصدار