من موسكو إلى دونباس: هل تقترب حرب أوكرانيا من كسر المحظور النووي؟ وما علاقة زيارة راتكليف بالتصعيد القادم؟
بوتين يلوّح بالتصعيد.. ماذا كشفت زيارة مدير CIA إلى موسكو عن حرب أوكرانيا؟
هناك لحظات في الحروب لا يكون فيها الخبر الأهم هو ما حدث بالفعل، وإنما ما تكشفه مجموعة الأحداث المتزامنة عن اتجاه الصراع. وهذا بالضبط ما يجعل المشهد الروسي الأوكراني في هذه المرحلة شديد الحساسية. ففي الوقت الذي تتعثر فيه جهود التسوية، وتستمر الهجمات الروسية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وتزداد قدرة أوكرانيا على ضرب العمق الروسي، ظهر فجأة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف في موسكو في زيارة غير معلنة، ثم خرجت تقارير تستند إلى مصادر قريبة من الكرملين تتحدث عن استعداد روسي لتصعيد جديد، وعن اعتقاد متزايد لدى بعض المسؤولين الروس بأن التصعيد قد يصل، كخيار أخير، إلى استخدام سلاح نووي تكتيكي.
![]() |
| زيارة راتكليف السرية إلى موسكو.. هل تستعد روسيا لتصعيد نووي في أوكرانيا؟ |
هذه الصورة لا تسمح لنا بالقول إن روسيا قررت استخدام السلاح النووي، ولا تسمح أيضًا بالقول إن زيارة راتكليف كانت بالتأكيد رسالة أمريكية لمنع ضربة نووية. لكن تجاهل التزامن بين الأمرين سيكون خطأ تحليليًا. فالزيارة حدثت في لحظة استثنائية، والكرملين أكد لاحقًا أن راتكليف أجرى اتصالات مع مسؤولين روس في أجهزة الاستخبارات، وأن الرئيس فلاديمير بوتين أُبلغ بنتائج هذه الاتصالات، بينما لم يُكشف عن مضمون المحادثات. وفي الوقت نفسه، وصف دونالد ترامب الزيارة بأنها "شبه روتينية"، مع تأكيده أنها قد تساعد في إنهاء الحرب.
المسألة إذن ليست مجرد سؤال عن قنبلة نووية يمكن أن تُستخدم أو لا تُستخدم. نحن أمام صراع دخلت فيه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمسيّرات والنفط والمصافي والاقتصاد والحرب النفسية والاتصالات السرية والردع النووي في منظومة واحدة. وكلما عجزت الأطراف عن تحقيق أهدافها بالوسائل التقليدية، زاد خطر أن تبدأ في البحث عن أدوات أكثر خطورة لكسر الجمود.
الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما تُطلق القنبلة النووية، وإنما عندما يبدأ صانع القرار في الاعتقاد أن الخيارات التقليدية لم تعد كافية.
زيارة راتكليف إلى موسكو.. لماذا كانت السرية مهمة؟
في صباح 25 أغسطس ظهرت مؤشرات على وجود طائرة نقل عسكرية أمريكية من طراز C-17 في موسكو، بعد أن كانت قد تحركت من الولايات المتحدة مرورًا بريغا في لاتفيا. ولم تكن الزيارة معلنة من واشنطن، كما لم تقدم موسكو في البداية تفسيرًا واضحًا لوجود الطائرة الأمريكية في مطار فنوكوفو. وكانت بيانات تتبع الرحلة قد أظهرت أن الطائرة بقيت في موسكو عدة ساعات قبل مغادرتها.
لاحقًا تأكد أن الموجود في موسكو هو جون راتكليف، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وأن الزيارة تضمنت لقاءات مع مسؤولين من أجهزة الاستخبارات الروسية. وأوضح المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أن راتكليف لم يلتقِ بوتين، لكنه أكد أن الرئيس الروسي أُبلغ بنتائج الاتصالات. وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأنها تؤكد أن الزيارة لم تكن مجرد محطة فنية لطائرة أمريكية، وإنما كانت جزءًا من اتصال رسمي على مستوى أمني واستخباراتي بالغ الحساسية.
والأكثر إثارة أن تقارير صحفية أفادت بأن واشنطن طلبت من كييف تعليق ضرباتها بالطائرات المسيّرة على موسكو ومناطق روسية أخرى خلال وجود راتكليف في العاصمة الروسية، وأن أوكرانيا التزمت بذلك مؤقتًا. ثم عادت الهجمات بالطائرات المسيّرة على موسكو بعد انتهاء الزيارة. وإذا صحت هذه الرواية، فهي تضيف طبقة جديدة إلى أهمية الزيارة، لأنها تعني أن واشنطن كانت تحاول على الأقل توفير بيئة أكثر هدوءًا للاتصالات الحساسة.
لكن يجب التوقف هنا أمام نقطة أساسية: لا يوجد حتى الآن دليل علني يثبت أن راتكليف ذهب إلى موسكو تحديدًا لمنع استخدام سلاح نووي. هذا احتمال تحليلي، وليس حقيقة مثبتة. كما أن ترامب نفى أن تكون الزيارة مرتبطة بحلف الناتو أو العقوبات على إيران، ووصفها بأنها شبه روتينية. ولذلك فإن أفضل قراءة مهنية هي أن الزيارة كانت قناة اتصال استراتيجية في توقيت شديد الحساسية، بينما يبقى موضوع الرسالة التي حملها راتكليف مجهولًا.
لماذا تختار واشنطن قناة الاستخبارات؟
في الحروب الكبرى، لا تختفي قنوات الاتصال السرية حتى عندما تنهار العلاقات السياسية. بل يحدث العكس أحيانًا؛ تصبح أكثر أهمية. فوزير الخارجية عندما يتحدث علنًا يخاطب العالم، أما مدير الاستخبارات عندما يجلس مع نظيره في موسكو فيستطيع أن ينقل رسالة لا يريد الطرفان نشرها، أو تحذيرًا لا يرغب أي طرف في تحويله إلى مواجهة إعلامية.
وهذه ليست سابقة جديدة بين واشنطن وموسكو. فقد استخدمت إدارة بايدن الاتصالات الاستخباراتية قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كما أجرى مدير CIA السابق وليام بيرنز اتصالات مع موسكو في مراحل حساسة من الأزمة. وتذكر تقارير حديثة أن زيارات واتصالات سابقة ارتبطت أيضًا بمحاولات منع سوء التقدير في الملف النووي.
ومن هنا تصبح زيارة راتكليف مهمة حتى لو لم نعرف تفاصيلها. فهي تقول إن خط الاتصال المباشر لم يُغلق تمامًا، وإن واشنطن وموسكو ما زالتا تحتاجان إلى قناة تستطيع من خلالها كل جهة أن تعرف كيف يفكر الطرف الآخر في لحظة تتزايد فيها مخاطر التصعيد.
تقرير Bloomberg.. من التهديد التقليدي إلى الخيار النووي.
بعد الزيارة مباشرة تقريبًا ظهر التقرير الأكثر إثارة للقلق. فقد نقلت Bloomberg عن ثلاثة مصادر قريبة من الكرملين أن روسيا تستعد لتصعيد هجماتها على أوكرانيا بعد أن وصلت محادثات السلام، من وجهة نظر موسكو، إلى طريق مسدود. ووفق التقرير، تدرس روسيا تكثيف الضربات الباليستية التقليدية على كييف، بما في ذلك أهداف داخل العاصمة، إلى جانب ضرب البنية التحتية في مدن أوكرانية أخرى.
لكن الجزء الأكثر حساسية في التقرير لم يكن الحديث عن الصواريخ الباليستية، وإنما ما نُسب إلى مصادر قريبة من الكرملين بشأن تزايد الاعتقاد لدى مسؤولين روس بأن بوتين قد يلجأ في مرحلة ما إلى السلاح النووي التكتيكي كخيار أخير. وهنا تحديدًا يجب أن نكون دقيقين جدًا. التقرير لا يقول إن بوتين اتخذ قرارًا باستخدام السلاح النووي، ولا يقدم إعلانًا روسيًا رسميًا عن خطة نووية، وإنما ينقل تقديرات ومخاوف منسوبة إلى مصادر مجهولة.
وهذا التفريق ليس تفصيلًا لغويًا. ففي الملفات النووية، الفرق بين "تتم مناقشة الاحتمالات" و"صدر قرار باستخدام السلاح" هو الفرق بين تحليل استراتيجي وبين خبر قد يسبب هلعًا عالميًا. لذلك يجب أن تبقى هذه المعلومة في إطارها الصحيح: ادعاء أو تقرير استخباراتي صحفي يحتاج إلى المتابعة، وليس حقيقة رسمية روسية.
ومع ذلك، لا يعني كون المعلومة غير مؤكدة أنها بلا قيمة. ففي السياسة الدولية، مجرد وصول مسؤولين إلى مرحلة مناقشة الخيار النووي باعتباره احتمالًا مستقبليًا يمثل مؤشرًا على مقدار الضغط الذي يشعر به النظام السياسي والعسكري. والخطر يكمن في أن تتراكم الضغوط التقليدية فوق بعضها: حرب طويلة، خسائر، استنزاف، هجمات على العمق، ضغط اقتصادي، وتراجع في فرص التسوية.
عندما يصبح الخيار الذي كان يُنظر إليه باعتباره مستحيلًا موضوعًا للنقاش، حتى لو كان نقاشًا سريًا أو منقولًا عن مصادر مجهولة، فهذا بحد ذاته تطور يستحق المراقبة.
لماذا أصبحت جبهة دونباس أكثر تعقيدًا؟
لفهم القلق الروسي من استمرار الحرب، لا يكفي النظر إلى الخريطة السياسية. يجب النظر إلى الطريقة التي تغيرت بها الحرب نفسها.
في بدايات الغزو الروسي كان التفوق العسكري التقليدي يحتل مركز الصورة: الدبابات، المدفعية، الطيران، الصواريخ، والقوات البرية. لكن الحرب تحولت تدريجيًا إلى معركة استشعار واتصالات ومسيّرات وبيانات. أصبح اكتشاف القوة المعادية جزءًا من المعركة قبل إطلاق النار، وأصبح الزمن بين اكتشاف الهدف وضربه عاملًا حاسمًا في البقاء.
وهنا يأتي نظام DELTA الأوكراني.
فالمنظومة ليست مجرد خريطة رقمية للجبهة، وإنما جزء من منظومة القيادة والسيطرة التي تجمع المعلومات من مصادر متعددة وتساعد على تحويلها إلى صورة عملياتية يمكن للوحدات استخدامها. وقد أكد حلف الناتو أن منظومة DELTA مستخدمة من أكثر من 200 ألف فرد من قوات الدفاع الأوكرانية، كما يجري دمج نموذج للذكاء الاصطناعي طوره حلف الناتو داخل النظام الرقمي الأوكراني لدعم قدرات القوات على الجبهة.
عندما تصبح ساحة المعركة شاشة واحدة.
الفكرة التي وردت في المادة الأصلية مهمة للغاية: الطائرة المسيّرة التي ترى الهدف لا تعمل بالضرورة بمعزل عن وحدة المدفعية أو فريق الاستطلاع أو مركز القيادة. البيانات القادمة من الطائرات المسيّرة والمستشعرات والمعلومات الاستخباراتية والصور الفضائية وغيرها يمكن أن تدخل في منظومة واحدة، فتتشكل صورة أكثر سرعة عن مكان القوات والمعدات والتحركات.
وهذا يفسر لماذا أصبحت بعض المناطق على الجبهة شديدة الخطورة بالنسبة للقوات المهاجمة. فالمركبة التي تتحرك على الطريق قد تُكتشف، والمجموعة التي تحاول التقدم قد تُراقب من الجو، والمدفعية التي تطلق النار قد تتعرض لمحاولة تحديد موقعها، والطائرة المسيّرة نفسها يمكن أن تصبح جزءًا من شبكة أكبر بدل أن تكون مجرد سلاح مستقل.
وفي يونيو 2026، قال حلف الناتو إن منظومة الذكاء الاصطناعي التي يجري دمجها مع DELTA تهدف إلى دعم قدرة أوكرانيا على مراقبة القوات الروسية وتحليلها على نطاق واسع. وهذا يكشف بوضوح أن الحرب لم تعد تدور فقط حول عدد الصواريخ التي يمتلكها كل طرف، وإنما حول القدرة على تحويل البيانات إلى قرارات أسرع.
المادة الأصلية تصف بعض مناطق دونباس بأنها "منطقة قتل" يصعب على أي عنصر روسي التحرك داخلها دون أن يصبح عرضة للرصد والاستهداف. هذا الوصف يجب أن يُفهم باعتباره توصيفًا تحليليًا لطبيعة الجبهة، وليس رقمًا عسكريًا رسميًا أو مصطلحًا يمكن قياسه بدقة. لكن الفكرة الأساسية منطقية: كلما أصبحت المنطقة أكثر تشبعًا بالمسيّرات والاستشعار والاتصالات، أصبحت الحركة التقليدية أكثر تكلفة.
لماذا تمثل هذه المنظومة مشكلة لبوتين؟
المشكلة الروسية ليست أن DELTA وحدها تمنع التقدم. الحرب أكثر تعقيدًا من ذلك. لكن وجود منظومة قيادة وسيطرة متقدمة إلى جانب الطائرات المسيّرة والاستخبارات والدعم الغربي يجعل الاختراق أكثر صعوبة.
وكلما أصبحت المعركة أكثر كثافة في مناطق مثل كونستانتينوفكا وكراماتورسك وسلوفيانسك، فإن أي تقدم روسي يحتاج إلى التغلب على شبكة دفاعية متعددة الطبقات. ومن ثم فإن السيطرة على الأرض لا تعني فقط إرسال الجنود إليها، وإنما الحفاظ على قدرتهم على البقاء بعد دخولها.
وهنا تظهر معضلة الاستنزاف.
إذا كان كل تقدم يحتاج إلى عدد كبير من القوات والمركبات والمدفعية، بينما تستطيع الجهة المدافعة استخدام مسيّرات رخيصة نسبيًا ومعلومات دقيقة لاستهداف الحركة، فإن تكلفة التقدم ترتفع.
وإذا استمرت الحرب بهذه الطريقة، فإن الطرف المهاجم قد يبدأ في البحث عن وسيلة تكسر منظومة الدفاع بدل الاستمرار في استنزافها تدريجيًا.
وهنا تحديدًا يبدأ الحديث عن الأسلحة الأشد تدميرًا.
روسيا لا تواجه DELTA فقط.. بل سباقًا جديدًا في السماء.
في المقابل، لم تقف روسيا مكتوفة الأيدي. فقد طورت استخداماتها للطائرات المسيّرة الهجومية، وأصبحت النسخ الأسرع من Shahed جزءًا متزايد الأهمية من الهجمات.
وتشير Reuters إلى أن روسيا تستخدم نسخًا نفاثة من Shahed قادرة على الوصول إلى سرعات تصل إلى نحو 500 كيلومتر في الساعة، بينما تحاول الشركات الأوكرانية تطوير مسيّرات اعتراضية أسرع وأقل تكلفة للتعامل معها. وذكرت الوكالة أن النسخ النفاثة أصبحت تمثل نسبة متزايدة من استخدامات روسيا لهذه الطائرات.
لكن التطور الأهم اقتصاديًا يتمثل في تحول المسيّرة من سلاح متخصص إلى منتج صناعي قابل للإنتاج الضخم.
فقد كشفت تقارير حديثة أن سلاسل الإمداد الصينية ساعدت في توفير مكونات مهمة لصناعة Shahed، بما في ذلك محركات ومحركات مؤازرة وجيروسكوبات ومكونات إلكترونية. وهذا لا يعني بالضرورة أن الصين تصنع كل طائرة روسية أو إيرانية، لكنه يكشف مدى أهمية الصناعة الصينية والمكونات الصينية في الاقتصاد العالمي للمسيّرات.
وهنا تتغير المعادلة مرة أخرى.
إذا أمكن إنتاج آلاف الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، فإن الحرب الجوية لا تعود مسابقة بين عدد محدود من الطائرات المقاتلة. تصبح مسابقة في الإنتاج، والإمداد، والاعتراض، والتكلفة.
الصين.. اللاعب الذي لا يظهر دائمًا في مقدمة الصورة.
الصين ليست طرفًا مباشرًا في الحرب الروسية الأوكرانية، لكن تأثيرها في البيئة الصناعية والتكنولوجية للصراع أصبح أكثر وضوحًا. فهي قوة صناعية ضخمة، وتملك سلاسل توريد تستطيع أن تؤثر في مكونات مزدوجة الاستخدام تدخل في مجالات إلكترونية وصناعية وعسكرية.
وهذا ما يجعل موقف بكين شديد الحساسية.
فالصين تستفيد من بعض آثار الصراع اقتصاديًا، وتراقب في الوقت نفسه كيف تتطور تقنيات الحرب الحديثة. لكنها لا تحتاج إلى حرب نووية في أوروبا، لأن خروج الصراع عن السيطرة يمكن أن يضر بالتجارة العالمية والأسواق والطاقة وسلاسل الإمداد.
كما أن بكين تراقب الدرس العسكري. ما يحدث في أوكرانيا يوفر بيانات ضخمة حول أداء الطائرات المسيّرة، والدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والاستطلاع الفضائي، وأنظمة القيادة والسيطرة.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل الصين لاعبًا غير مباشر في الحرب، حتى عندما لا تظهر في المشهد كطرف عسكري.
النفط والديزل.. عندما تتحول المصافي إلى أهداف استراتيجية.
الحرب لا تجري على الجبهة فقط.
الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية أصبحت عنصرًا مهمًا في استراتيجية الضغط على موسكو. فالهدف من ضرب مصفاة نفط ليس بالضرورة تعطيل دبابة روسية واحدة، وإنما ضرب قدرة اقتصادية كاملة تمتد آثارها إلى الوقود والنقل والإنتاج العسكري والسوق المحلية.
وفي 25 أغسطس، نقلت Reuters عن مصادر في القطاع أن روسيا تعتزم تمديد حظر تصدير الديزل خلال سبتمبر بسبب استمرار نقص الوقود محليًا وتعطل مصافٍ نتيجة الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة. وأوضحت التقارير أن بعض المصافي المتضررة أثرت في إنتاج الوقود، بينما قالت السلطات الروسية إن وضع الديزل لا يمثل أزمة شاملة.
وهنا يجب الانتباه إلى أن حظر التصدير لا يعني أن روسيا انهارت أو أن اقتصادها على وشك التوقف. هذه مبالغة. لكنه يعني أن الضربات الأوكرانية تستطيع في بعض الظروف خلق اختلالات في قطاع الطاقة، وأن موسكو تضطر إلى اتخاذ قرارات لحماية السوق المحلية.
وهذه هي طبيعة الحرب الاقتصادية.
الضربة لا تحتاج إلى إسقاط الدولة. يكفي أن ترفع تكلفة الحرب.
من الحبوب إلى المصافي.. الحرب داخل الاقتصاد الروسي.
تستهدف أوكرانيا مجموعة واسعة من الأهداف داخل روسيا، بينما ترد موسكو بضربات واسعة داخل أوكرانيا. ومع الوقت أصبحت البنية الاقتصادية نفسها جزءًا من ساحة الحرب.
المنشأة الصناعية قد تكون مرتبطة بقطاع الدفاع.
المصفاة مرتبطة بالوقود.
المخزن مرتبط بالإمدادات.
محطة الكهرباء مرتبطة بالمصانع.
المطار مرتبط بالقدرات العسكرية.
وهكذا تصبح الحدود بين "الهدف العسكري" و"البنية التحتية" أكثر تعقيدًا.
وهذه الاستراتيجية لها ثمن على الطرفين. فروسيا تستطيع إلحاق أضرار هائلة بأوكرانيا، لكن أوكرانيا تستطيع بدورها ضرب منشآت في العمق الروسي، وهو أمر لم يكن جزءًا بالحجم نفسه من صورة الحرب في بدايتها.
المادة الأصلية تصف هذا التحول بأنه أحد الأسباب التي تزيد الضغط على بوتين. وهذا استنتاج يمكن مناقشته، لكنه ليس دليلًا على أن روسيا أصبحت على وشك استخدام السلاح النووي.
لماذا يظهر الخيار النووي في هذه النقطة بالذات؟
السلاح النووي التكتيكي يدخل التفكير الاستراتيجي عندما يريد أحد الأطراف كسر معادلة عسكرية تقليدية. وهذا لا يعني أن استخدامه منطقي أو سهل أو آمن سياسيًا.
على العكس.
أي استخدام نووي في أوكرانيا سيكسر حاجزًا تاريخيًا لم يُكسر منذ عام 1945، وسيجبر الولايات المتحدة وأوروبا والصين والهند وغيرها على إعادة تقييم قواعد الردع.
لكن المادة الأصلية تشير إلى فكرة مختلفة: أن السلاح النووي قد يُنظر إليه كأداة لفتح ممر في منطقة دفاعية صعبة.
هذه الفكرة لها جذور تاريخية فعلًا، لكن يجب ألا تُنقل إلى الحرب الحالية وكأنها خطة روسية معلنة.
ففي عام 1954 أجرت القوات السوفيتية مناورات توتسكوي الشهيرة في منطقة أورينبورغ، واستخدمت خلالها قنبلة نووية بقوة تقارب 40 كيلوطن في انفجار جوي، ضمن تدريب عسكري كان هدفه دراسة اختراق دفاعات محصنة في ظروف حرب نووية. وتشارك في المناورات عشرات الآلاف من الجنود.
هذه الواقعة التاريخية مهمة لأنها توضح أن التفكير العسكري السوفيتي تعامل بالفعل مع النووي باعتباره جزءًا من تصور حرب ميدانية. لكنها لا تعني أن روسيا الحديثة ستكرر سيناريو توتسكوي في أوكرانيا.
لماذا لا يمكن التعامل مع "النووي التكتيكي" باعتباره قنبلة عادية؟
المشكلة أن وصف السلاح بأنه "تكتيكي" قد يعطي انطباعًا مضللًا بأنه صغير وبالتالي محدود النتائج.
الواقع أكثر تعقيدًا.
أي استخدام نووي يمكن أن يخلق آثارًا عسكرية وإنسانية وسياسية وإشعاعية لا يمكن التحكم بها بسهولة. وحتى لو كان الهدف عسكريًا محدودًا، فإن موقع الانفجار والطقس واتجاه الرياح وطبيعة الأرض وكثافة السكان ومسار العمليات كلها عوامل تؤثر في النتائج.
كما أن الخطر الأكبر قد لا يكون حجم الانفجار نفسه.
الخطر الأكبر هو ما سيحدث بعده.
إذا استخدمت روسيا السلاح النووي مرة، ماذا سيكون الرد؟
إذا جاء الرد الأمريكي تقليديًا، هل ستعتبره موسكو تصعيدًا مباشرًا؟
إذا جاء الرد محدودًا، هل ستعتبر موسكو أن واشنطن قبلت قواعد جديدة؟
إذا لم يحدث رد عسكري، هل تعتقد دول أخرى أن السلاح النووي يمكن استخدامه لتحقيق مكاسب إقليمية؟
وهنا يتحول السلاح النووي من أداة عسكرية إلى مشكلة للنظام الدولي بأكمله.
المشكلة ليست فقط في قوة السلاح، وإنما في السابقة التي يتركها استخدامه.
إيران.. ادعاء آخر يجب ألا يتحول إلى حقيقة.
المادة الأصلية تنتقل من روسيا إلى إيران، وتذكر تصريحات للنائبة الأمريكية السابقة مارجوري تايلور غرين حول وجود نقاشات داخل البيت الأبيض والبنتاغون بشأن استخدام أسلحة نووية ضد إيران.
هذه النقطة يمكن إدراجها في المقال، لكن يجب تقديمها بوضوح شديد باعتبارها ادعاءً سياسيًا لم تقدمه غرين بدليل علني.
ففي أغسطس 2026، نقلت وكالة الأناضول عن غرين قولها إن اجتماعات استراتيجية رفيعة المستوى كانت تناقش احتمال استخدام أسلحة نووية ضد إيران، لكنها لم تقدم دليلًا يثبت هذا الادعاء.
إذن لا يجوز أن نكتب:
"الولايات المتحدة تخطط لضرب إيران نوويًا."
الصياغة المهنية هي:
"زعمت النائبة الأمريكية السابقة مارجوري تايلور غرين أن اجتماعات رفيعة المستوى ناقشت احتمال استخدام السلاح النووي ضد إيران، من دون أن تقدم دليلًا علنيًا على ذلك."
وهذا لا يقلل من أهمية المعلومة؛ بل يجعلها أكثر صدقية.
أما وجود خطط عسكرية أمريكية للتعامل مع المواد النووية الإيرانية، فقد وردت بشأنه تقارير مختلفة. ففي يونيو 2026 تحدثت CBS عن تخطيط أمريكي أولي لسيناريوهات تتعلق بتأمين المواد النووية الإيرانية إذا تم التوصل إلى اتفاق، وهو أمر مختلف تمامًا عن التخطيط لضربة نووية.
![]() |
| روسيا والنووي وأوكرانيا.. لماذا جاءت زيارة راتكليف إلى موسكو في هذا التوقيت؟ |
لماذا يصبح استخدام روسيا للنووي مشكلة لترامب؟
هنا نصل إلى واحدة من أكثر النقاط تعقيدًا في المشهد.
إذا استخدمت روسيا سلاحًا نوويًا ضد أوكرانيا، فسيجد ترامب نفسه أمام سؤال لا توجد له إجابة سهلة: هل يرد بقوة كافية للحفاظ على الردع، أم يختار ردًا محدودًا لتجنب مواجهة مباشرة مع روسيا؟
الرد القوي قد يحمل خطر التصعيد.
والرد الضعيف قد يحمل خطر إظهار أن استخدام النووي حقق نتيجة سياسية.
أما عدم الرد فقد يفتح سؤالًا أكبر حول مصداقية الردع الأمريكي.
لهذا فإن أي استخدام روسي للنووي سيكون اختبارًا غير مسبوق للإدارة الأمريكية.
لكن يجب ألا نخلط بين هذا السيناريو وبين القول إن ترامب سيرد نوويًا. لا توجد معلومات علنية موثوقة تسمح بهذا الاستنتاج.
والأرجح أن الخيارات الأمريكية ستكون متعددة قبل الوصول إلى أي قرار نووي، لأن واشنطن تستطيع استخدام القوة التقليدية، والعقوبات، والدعم العسكري، والدبلوماسية، والتحركات البحرية والجوية، وغيرها من أدوات الردع.
أوروبا ستدخل عصرًا أمنيًا جديدًا.
إذا حدث استخدام نووي في أوكرانيا، فإن أوروبا لن تستطيع التعامل معه باعتباره مجرد حدث بعيد على حدودها الشرقية.
الخوف الأوروبي سيزداد.
الضغط على حكومات الناتو سيزداد.
الإنفاق الدفاعي سيرتفع.
وستصبح دول البلطيق وشمال أوروبا والبحر الأسود وشمال الأطلسي أكثر أهمية في الحسابات العسكرية.
المادة الأصلية تربط هذا السيناريو أيضًا بجرينلاند، وتفترض أن الخوف الأوروبي من روسيا قد يسمح لواشنطن بتمرير أهداف استراتيجية أكبر في شمال الأطلسي.
هذا تحليل سياسي محتمل، وليس خطة أمريكية مؤكدة.
لكن أهمية جرينلاند في الحسابات الأمنية الأمريكية حقيقية من حيث موقعها الجغرافي بين أمريكا الشمالية وأوروبا، ومن حيث علاقتها بالممرات الجوية والبحرية والقطبية والقدرات العسكرية في شمال الأطلسي.
لذلك يمكن النظر إلى أي أزمة نووية أوروبية باعتبارها عاملًا قد يزيد أهمية المنطقة القطبية وشمال الأطلسي، دون القفز إلى نتيجة أن واشنطن ستضم جرينلاند بسبب ضربة روسية نووية.
وماذا ستفعل الصين؟
الصين ستراقب المشهد من زاوية مختلفة.
إذا استمرت الحرب التقليدية، تستطيع بكين مواصلة تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع روسيا ومراقبة التطورات التكنولوجية والاستفادة من بعض التحولات في التجارة والطاقة.
لكن إذا كُسر المحظور النووي، فإن المعادلة تتغير.
الصين قوة نووية كبرى، وتدرك جيدًا أن أي تطبيع لاستخدام السلاح النووي التكتيكي سيؤثر في النظام الدولي. كما أن بكين تعتمد على التجارة العالمية بدرجة كبيرة، وبالتالي فإن انهيار الأسواق أو ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد سيكون مكلفًا لها.
ومن هذه الزاوية، فإن الصين لديها مصلحة في منع التصعيد من الوصول إلى مرحلة يصعب التحكم فيها.
وهذا لا يعني أنها ستتحول تلقائيًا إلى وسيط محايد، بل يعني أن مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية ستجعلها حريصة على ألا يتحول الصراع إلى مواجهة نووية واسعة.
هل يستطيع بوتين إنهاء الحرب باستخدام النووي؟
حتى لو افترضنا أن موسكو استخدمت سلاحًا نوويًا تكتيكيًا، فلا يوجد ضمان بأنها ستنهي الحرب.
وهذه نقطة يغفلها كثير من التحليلات.
قد تدمر الضربة موقعًا أو مجموعة من القوات، لكنها لن تمحو قدرة أوكرانيا السياسية والعسكرية بالكامل.
وقد تؤدي الضربة إلى تراجع مؤقت في منطقة معينة، لكنها قد تدفع الغرب إلى تقديم أسلحة أكثر تقدمًا.
وقد تخلق صدمة نفسية، لكنها في الوقت نفسه قد توحد المجتمع الدولي ضد روسيا بدرجة أكبر.
وقد تحقق هدفًا عسكريًا قصير الأجل، لكنها تخلق أزمة استراتيجية طويلة الأجل.
ولهذا فإن السلاح النووي ليس "زرًا سحريًا" ينهي الحرب.
وماذا لو قالت أوكرانيا: الحرب مستمرة؟
هذه هي المعضلة التي تطرحها المادة الأصلية بقوة.
إذا استخدمت روسيا النووي بهدف إجبار أوكرانيا على التراجع، ثم قررت كييف مواصلة القتال، فإن موسكو ستجد نفسها أمام خيارين سيئين.
إما أن تتوقف عند الضربة الأولى وتكتفي بما حققته.
أو تصعد أكثر.
وهنا يبدأ أخطر سيناريو.
فإذا تحولت الحرب إلى سلسلة من الضربات المتبادلة، فإن كل طرف سيبدأ في إعادة تفسير الخطوط الحمراء للطرف الآخر.
وهذا هو بالضبط ما يجب تجنبه في الأزمات النووية.
هل أصبحت روسيا محاصرة في دونباس؟
ليس من الدقة القول إن روسيا "محاصرة" أو أنها "تخسر الحرب" بصورة مطلقة. هذه أحكام أكبر من الأدلة المتاحة.
لكن يمكن القول إن الحرب لم تحقق لموسكو حتى الآن نهاية سريعة، وإن التقدم الروسي يواجه مقاومة شديدة، وإن أوكرانيا طورت قدرات متقدمة في المسيّرات والاستطلاع والقيادة الرقمية والهجمات بعيدة المدى.
في المقابل، روسيا ما زالت تمتلك تفوقًا كبيرًا في بعض القدرات، بما في ذلك الصواريخ، والطيران، والقدرة الصناعية، والعمق البشري والاقتصادي، إضافة إلى قدرتها على تحمل حرب طويلة.
إذن المشكلة ليست أن روسيا انهارت.
المشكلة أن الحرب أصبحت مكلفة ومعقدة بالنسبة للجميع.
وهذا هو النوع من الحروب الذي ينتج أكبر مخاطر سوء الحساب.
الحرب الجديدة لا تُقاس بعدد الدبابات.
من أهم دروس الحرب الروسية الأوكرانية أن التكنولوجيا الرخيصة يمكن أن تعطل جزءًا من القوة التقليدية الباهظة.
طائرة مسيّرة صغيرة تستطيع كشف دبابة.
مسيّرة أخرى يمكن أن تحمل ذخيرة رخيصة.
منظومة ذكاء اصطناعي يمكنها تحليل آلاف الصور.
قمر صناعي يستطيع كشف تحركات.
نظام قيادة وسيطرة يستطيع جمع المعلومات في لحظة.
ومحرك تجاري يمكن أن يتحول إلى عنصر في سلاح بعيد المدى.
هذه ليست تفاصيل ثانوية.
إنها إعادة تشكيل للحرب.
ولهذا أصبحت أوكرانيا مختبرًا عسكريًا عالميًا، بينما أصبحت روسيا واحدة من أكبر مختبرات الحرب الحديثة من الجانب الآخر.
الاقتصاد جزء من المعركة.
عندما تضرب أوكرانيا مصافي النفط الروسية، فهي لا تبحث فقط عن صورة انتصار إعلامية.
هي تضرب قطاعًا يمكن أن يؤثر في الوقود.
وعندما تضرب روسيا محطات الطاقة والمصانع الأوكرانية، فهي لا تستهدف الجيش فقط، بل تحاول الضغط على قدرة الدولة على الاستمرار.
وهذا يجعل الحرب الاقتصادية امتدادًا مباشرًا للحرب العسكرية.
لكنها أيضًا حرب محفوفة بالمخاطر؛ لأن اضطراب الطاقة الروسي قد ينتقل إلى الأسواق العالمية.
وكلما طال الصراع، أصبح الاقتصاد العالمي أكثر حساسية لأي ضربة كبيرة.
الدولار والنفط والأسواق.. الجانب الذي لا يراه الجندي.
أي استخدام نووي لن يبقى داخل الخريطة العسكرية.
أسعار النفط ستتأثر.
أسواق الأسهم ستتفاعل.
الذهب قد يرتفع.
تكلفة التأمين والشحن قد ترتفع.
الدولار قد يتحرك في اتجاهات متناقضة وفقًا لحجم الصدمة واستجابة الأسواق.
لكن لا يمكن التنبؤ بدقة باتجاه كل هذه المؤشرات.
المؤكد أن الأسواق لا تحب المفاجآت الجيوسياسية الكبرى.
واستخدام سلاح نووي سيكون من أكبر المفاجآت الممكنة.
ولهذا قد تكون تكلفة التصعيد الاقتصادي عالمية، حتى لو وقع الانفجار داخل حدود أوكرانيا.
أخطر شيء يمكن أن يحدث: سوء التقدير.
في الحروب الكبرى، لا تحتاج الكارثة إلى قرار مجنون.
أحيانًا يكفي أن يعتقد طرف أن الآخر لن يرد.
أو أن يعتقد أن الضربة ستكون محدودة.
أو أن يعتقد أن الخصم سيخاف.
أو أن يعتقد أن التصعيد يمكن التحكم فيه خطوة بخطوة.
هذه الافتراضات هي التي تجعل الردع النووي شديد الحساسية.
لأن الطرفين لا يتعاملان مع نتيجة مؤكدة، وإنما مع احتمالات.
ومن هنا تظهر أهمية قنوات الاستخبارات.
زيارة راتكليف إلى موسكو لا تثبت وجود أزمة نووية، لكنها تثبت أن واشنطن وموسكو ما زالتا تستخدمان قناة اتصال مباشرة في وقت شديد الخطورة.
وهذا في حد ذاته شيء إيجابي.
إذن.. ماذا نراقب خلال المرحلة المقبلة؟
هناك مجموعة من المؤشرات أهم من العناوين المثيرة.
أولًا، هل ستزداد الضربات الروسية الباليستية على كييف والبنية التحتية الأوكرانية كما ذكرت المصادر المنسوبة إلى Bloomberg؟
ثانيًا، هل ستظهر مؤشرات روسية رسمية أو عسكرية جديدة حول تغيير العقيدة أو إجراءات نووية؟
ثالثًا، هل ستتكرر الاتصالات المباشرة بين واشنطن وموسكو؟
رابعًا، هل ستستمر أوكرانيا في ضرب مصافي النفط والمنشآت داخل روسيا؟
خامسًا، هل ستزداد أعداد النسخ النفاثة من Shahed؟
سادسًا، هل ستتوسع قدرات DELTA والذكاء الاصطناعي في الجبهة؟
سابعًا، هل ستبدأ الصين في ممارسة ضغط سياسي أكبر لاحتواء التصعيد؟
هذه المؤشرات أهم بكثير من أي عنوان يقول إن "الحرب النووية ستبدأ غدًا".
الخلاصة: نحن أمام أزمة ردع لا أمام حرب نووية مؤكدة.
حتى 27 أغسطس 2026، لا توجد معلومات علنية موثوقة تسمح بالقول إن روسيا اتخذت قرارًا باستخدام سلاح نووي ضد أوكرانيا. الموجود هو تقرير استخباراتي صحفي مهم، يستند إلى مصادر قريبة من الكرملين، يقول إن روسيا تستعد لتصعيد تقليدي وأن بعض المسؤولين الروس باتوا يرون احتمال استخدام السلاح النووي التكتيكي كخيار أخير. وهذه معلومة خطيرة، لكنها تبقى تقريرًا منسوبًا إلى مصادر، وليس قرارًا روسيًا معلنًا.
وفي المقابل، زيارة جون راتكليف إلى موسكو مؤكدة، واتصالاته مع مسؤولين روس في أجهزة الاستخبارات أكدها الكرملين، بينما لم يُكشف عن مضمونها. وترامب وصفها بأنها "شبه روتينية"، لكن توقيتها يجعلها ذات أهمية استثنائية في قراءة مسار الأزمة.
أما على الأرض، فالحرب نفسها أصبحت أكثر تعقيدًا. أوكرانيا تمتلك منظومة DELTA التي تستخدم على نطاق واسع داخل قواتها، ويجري دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي معها، بينما تطور روسيا منظومات مسيّرة أكثر سرعة، وتستفيد صناعة المسيّرات في المنطقة من سلاسل توريد عالمية تضم مكونات صينية.
وفي الجبهة الاقتصادية، أصبحت المصافي والوقود جزءًا من الحرب، مع استمرار الضغوط على قطاع التكرير الروسي وقرار موسكو تمديد قيود على صادرات الديزل وسط اضطرابات في الإمدادات المحلية.
كل ذلك يقود إلى نتيجة واحدة.
الحرب لم تعد مجرد معركة على قرية أو مدينة.
إنها صراع بين منظومات.
منظومة صواريخ في مواجهة منظومة دفاع جوي.
منظومة مسيّرات في مواجهة منظومة اعتراض.
ذكاء اصطناعي في مواجهة ذكاء اصطناعي.
اقتصاد في مواجهة اقتصاد.
نفط في مواجهة نفط.
واستخبارات في مواجهة استخبارات.
وفوق كل ذلك، يقف السلاح النووي كخط أحمر لا يريد أحد أن يختبره.
قد تكون زيارة راتكليف مجرد قناة اتصال أخرى في حرب طويلة.
وقد تكون مرتبطة بملفات أكثر حساسية بكثير.
لا نملك حتى الآن المعلومات الكافية للحسم.
لكن المؤكد أن واشنطن وموسكو لا تزالان بحاجة إلى الحديث، وأن استمرار هذا الاتصال قد يكون واحدًا من أهم عناصر منع سوء التقدير.
لأن السؤال الأخطر ليس: هل تملك روسيا السلاح النووي؟
الجميع يعرف أنها تملكه.
وليس السؤال: هل تستطيع استخدامه؟
نظريًا، نعم.
السؤال الحقيقي هو: هل يمكن أن يصل الصراع إلى اللحظة التي يعتقد فيها أحد الأطراف أن استخدامه أصبح أقل خطورة من عدم استخدامه؟
إذا وصلت الحرب إلى هذه النقطة، فلن تكون الأزمة روسية أو أوكرانية فقط.
ستصبح أزمة للنظام الدولي بأكمله.
ملاحظة للقارئ
يجب التعامل مع المعلومات المتعلقة بالتصعيد النووي بحذر خاص. ما ورد بشأن احتمال استخدام روسيا للسلاح النووي التكتيكي مبني في هذه المادة على تقرير Bloomberg ومصادر مجهلة قريبة من الكرملين، ولم يتحول إلى إعلان روسي رسمي. كما أن الادعاءات المتعلقة بمناقشة استخدام أسلحة نووية أمريكية ضد إيران نُسبت إلى مارجوري تايلور غرين من دون تقديمها دليلًا علنيًا. لذلك تم عرض هذه النقاط في المقال باعتبارها تقارير وادعاءات وسيناريوهات، وليس حقائق محسومة.
الاسئلة الشائعة :
هل تستعد روسيا لاستخدام السلاح النووي في أوكرانيا؟
لا توجد حتى الآن معلومات علنية موثوقة تثبت أن روسيا اتخذت قرارًا باستخدام السلاح النووي ضد أوكرانيا. ظهرت تقارير صحفية تستند إلى مصادر قريبة من الكرملين تتحدث عن احتمال أن يصل التصعيد مستقبلًا إلى السلاح النووي التكتيكي، لكن هذه التقارير لا تمثل إعلانًا روسيًا رسميًا عن قرار باستخدامه.
ماذا تعني زيارة جون راتكليف إلى موسكو؟
جون راتكليف، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، زار موسكو وأجرى محادثات مع مسؤولين روس في أجهزة الاستخبارات، وفقًا لما أكده الكرملين. ولم يلتقِ بالرئيس فلاديمير بوتين، لكن الكرملين قال إن بوتين أُبلغ بنتائج المحادثات. أما مضمون الاتصالات فلم يُكشف عنه.
هل كانت زيارة راتكليف مرتبطة بالتصعيد النووي؟
لا يوجد دليل علني يثبت ذلك. يمكن النظر إلى التوقيت باعتباره مهمًا، خصوصًا مع ظهور تقارير عن استعداد روسي لتصعيد الحرب، لكن ربط الزيارة مباشرة بملف السلاح النووي يظل استنتاجًا وليس معلومة مؤكدة.
ما هو السلاح النووي التكتيكي؟
هو سلاح نووي صُمم، من حيث المفهوم العسكري، للاستخدام في نطاقات مرتبطة بالعمليات العسكرية وليس بالضرورة لتدمير مدن أو دول كاملة. لكن وصفه بأنه "تكتيكي" لا يعني أن استخدامه محدود العواقب؛ فأي استخدام نووي قد يؤدي إلى آثار عسكرية وإنسانية وسياسية وإشعاعية خطيرة.
ما هي منظومة DELTA الأوكرانية؟
DELTA هي منظومة رقمية للقيادة والسيطرة ودمج المعلومات تساعد القوات الأوكرانية على بناء صورة عملياتية لساحة المعركة من مصادر متعددة. ويقول حلف الناتو إن المنظومة مستخدمة من أكثر من 200 ألف فرد من قوات الدفاع الأوكرانية، كما يجري دمج تقنيات ذكاء اصطناعي معها.
ما علاقة المسيّرات بتغير طبيعة الحرب في أوكرانيا؟
أصبحت الطائرات المسيّرة أداة أساسية للاستطلاع والاستهداف والهجوم، كما ساعد انخفاض تكلفتها نسبيًا على استخدامها بأعداد كبيرة. وفي المقابل تطورت قدرات الاعتراض والحرب الإلكترونية والمسيّرات المضادة، ما جعل السماء فوق الجبهة جزءًا أساسيًا من الصراع.
لماذا تستهدف أوكرانيا المصافي الروسية؟
ضرب المصافي والمنشآت النفطية يمكن أن يضغط على قدرة روسيا على إنتاج الوقود ونقله، ويزيد تكلفة الحرب. ووفق Reuters، ساهمت هجمات المسيّرات وتعطل بعض المصافي في عودة مشكلات الوقود داخل بعض المناطق الروسية، بينما ناقشت موسكو تمديد قيود صادرات الديزل.
هل يمكن أن تؤدي الحرب إلى مواجهة مباشرة بين روسيا والناتو؟
هذا أحد أخطر السيناريوهات، لكنه ليس نتيجة حتمية. الدعم الغربي لأوكرانيا يجعل الدول الغربية طرفًا مهمًا في الصراع، لكن الولايات المتحدة والناتو وروسيا ما زالت لديها دوافع قوية لتجنب انتقال الحرب إلى مواجهة مباشرة واسعة.
ما موقف الصين من الحرب الروسية الأوكرانية؟
الصين ليست طرفًا عسكريًا مباشرًا في الحرب، لكنها لاعب اقتصادي وصناعي مهم في البيئة التي تجري فيها الحرب. كما أن استمرار الصراع يؤثر في التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، بينما أصبحت بعض المكونات الصينية ذات أهمية في صناعة المسيّرات وفق تقارير صحفية.
هل استخدام النووي يمكن أن ينهي الحرب؟
ليس بالضرورة. استخدام السلاح النووي قد يحقق أثرًا عسكريًا محدودًا في منطقة معينة، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى تصعيد دولي واسع وزيادة الدعم الغربي لأوكرانيا وخلق أزمة استراتيجية أكبر بالنسبة لروسيا نفسها.
مصادر موثوقة للمتابعة
يمكن متابعة تفاصيل زيارة جون راتكليف واتصالاته في موسكو عبر Reuters وAssociated Press وFinancial Times، إضافة إلى Washington Post التي نشرت تفاصيل عن الرحلة وتحركات الطائرة الأمريكية.
أما تقرير التصعيد الروسي والحديث عن احتمال السلاح النووي التكتيكي، فيمكن متابعة أصله عبر Bloomberg HT – نقل تقرير Bloomberg، مع ضرورة قراءة هذه المعلومات باعتبارها منقولة عن مصادر مجهلة وليست إعلانًا رسميًا روسيًا.
وفي ملف DELTA والذكاء الاصطناعي، يوفر حلف الناتو – Allied Command Transformation مصدرًا مباشرًا ومهمًا حول استخدام المنظومة ودخول الذكاء الاصطناعي إليها.
أما تطور الطائرات المسيّرة الروسية، فيمكن متابعة التفاصيل عبر Reuters – الطائرات Shahed النفاثة، وفي ملف المكونات الصينية وسلاسل الإمداد يمكن الرجوع إلى Wall Street Journal – تطور Shahed بمساعدة المكونات الصينية.
وفي ملف الوقود الروسي، تقدم Reuters – حظر صادرات الديزل الروسي أحدث صورة عن تأثير الضربات على المصافي وأزمة الوقود.
أما الادعاءات المتعلقة بإمكانية استخدام السلاح النووي ضد إيران، فيمكن مراجعة تفاصيلها عبر وكالة الأناضول، مع التأكيد مرة أخرى على أن المصدر نفسه أوضح أن الادعاء لم يُدعَم بأدلة علنية.
إقرأ أيضا :
هل نحن أمام شرق أوسط جديد؟ الحرب تعيد رسم خريطة النفوذ من غزة إلى إيران.
لماذا فنزويلا؟ الكنز الحقيقي تحت الأرض الذي أشعل صراع أمريكا والصين.
الدولار لا يموت... لكنه لم يعد وحده في الغرفة! ماذا تكشف أرقام 2026 عن نهاية الهيمنة الأمريكية؟

