صدمة استخباراتية عن صواريخ إيران واستنزاف أمريكا العسكري.. وعودة الحرب تقترب بعد زيارة ترامب إلى الصين. تقرير نيويورك تايمز يزلزل البنتاجون..

 تقرير نيويورك تايمز يهز البنتاجون.. إيران تعيد رسم ميزان الردع العالمي وترامب يعود من الصين وسط مؤشرات لانفجار عسكري جديد في الشرق الأوسط.

يكشف هذا الجزء التحليلي من المقال عن أخطر تقرير استخباراتي نشرته نيويورك تايمز حول الوضع العسكري في إيران، وتأثيره المباشر على موازين القوة مع الولايات المتحدة الأمريكية. حيث تشير التقارير إلى أن القدرات الصاروخية الإيرانية لم تُستنزف بالشكل الذي روجت له بعض التصريحات الرسمية داخل البنتاجون، بل ما تزال تمتلك نسبة تشغيل عالية من منصات إطلاق الصواريخ الباليستية، مع قدرة على إعادة الترميم والإنتاج بسرعة تفوق التوقعات الغربية.

كما يناقش المقال حجم الاستنزاف العسكري الأمريكي خلال المواجهات الأخيرة، بما في ذلك استخدام صواريخ توماهوك وباتريوت وصواريخ الكروز، وتأثير ذلك على المخزون الاستراتيجي الأمريكي، وما إذا كانت واشنطن قادرة على خوض جولة جديدة من التصعيد العسكري دون إعادة بناء قدراتها الدفاعية بشكل كامل. وتبرز هنا أسئلة خطيرة حول جاهزية الولايات المتحدة لأي حرب طويلة المدى في الشرق الأوسط.

ويربط المقال بين هذا المشهد العسكري المعقد وبين زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين، باعتبارها نقطة تحول سياسية قد تعيد ترتيب الأولويات الاستراتيجية لواشنطن، خاصة فيما يتعلق بالملف الإيراني. حيث تشير تحليلات متعددة إلى أن ما بعد الزيارة قد يشهد عودة للتصعيد العسكري أو إعادة تفعيل خيارات الحرب ضد إيران بشكل مباشر أو غير مباشر.

كما يتناول الجزء الثاني من المقال سيناريوهات الحرب المحتملة، بما في ذلك الضربات الجوية على البنية التحتية الإيرانية، أو عمليات خاصة تستهدف مواقع حساسة، أو حتى تصعيد غير مسبوق قد يطال خيارات أكثر خطورة داخل مراكز القرار العسكري. وفي المقابل، يناقش التأثير المحتمل لأي مواجهة جديدة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة ومضيق هرمز.

هذا التحليل يقدم قراءة عميقة ومترابطة بين الاستخبارات الأمريكية، والتوازن العسكري، والتحركات السياسية الكبرى، ليكشف كيف يمكن لزيارة دبلوماسية واحدة أن تتحول إلى نقطة اشتعال لصراع إقليمي واسع النطاق.


المشهد العسكري المعقد و زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين،
المشهد العسكري المعقد و زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين،

هل فشلت واشنطن فعلًا في تحييد القوة الصاروخية الإيرانية؟

واحدة من أخطر النقاط التي ظهرت خلال الأسابيع الأخيرة لم تكن مرتبطة بالتصريحات السياسية أو الخطابات العسكرية، بل بالتقارير الاستخباراتية التي بدأت تتسرب تدريجيًا داخل الولايات المتحدة نفسها حول النتائج الحقيقية للضربات ضد Iran. فبينما حاولت الإدارة الأمريكية تقديم العمليات العسكرية باعتبارها نجاحًا كبيرًا أدى إلى شل جزء واسع من القدرات الإيرانية، بدأت تقارير إعلامية غربية تتحدث عن تقييمات مختلفة تمامًا خلف الكواليس، خصوصًا فيما يتعلق بالصواريخ الباليستية ومنصات الإطلاق والبنية العسكرية المرتبطة بها.

تقارير The New York Times وReuters تحدثت عن وجود تقديرات استخباراتية أمريكية تشير إلى أن جزءًا مهمًا من البنية الصاروخية الإيرانية ما يزال قائمًا، وأن الضربات لم تحقق التدمير الكامل الذي جرى الترويج له إعلاميًا خلال الأسابيع الأولى من التصعيد. ورغم عدم وجود أرقام رسمية مؤكدة من الحكومة الأمريكية، فإن مجرد تداول هذه التقييمات داخل الإعلام الأمريكي يعكس حجم القلق المتزايد داخل المؤسسات الأمنية من قدرة إيران على امتصاص الضربات وإعادة بناء جزء من قدراتها بسرعة أكبر من المتوقع.

اللافت هنا أن الحديث لم يعد فقط عن بقاء الصواريخ، بل عن استمرار قدرة إيران على تشغيل منصات الإطلاق وإعادة تأهيل مواقع عسكرية حساسة، خصوصًا قرب Strait of Hormuz. وهذا يعني أن المشكلة بالنسبة لواشنطن لم تعد تتعلق بتنفيذ الضربات نفسها، بل بالسؤال الأخطر: ماذا لو كانت إيران قادرة على مواصلة الحرب لفترة أطول مما تتوقعه الولايات المتحدة؟ هنا يتحول الصراع من حرب ردع سريعة إلى حرب استنزاف مفتوحة، وهو السيناريو الذي تخشاه واشنطن بشدة بسبب تكلفته الاقتصادية والعسكرية والسياسية.

الأهم من ذلك أن إيران خلال السنوات الماضية لم تبنِ استراتيجيتها العسكرية على فكرة التفوق التقليدي أمام الولايات المتحدة، بل على فكرة “القدرة على الصمود والاستنزاف”. طهران تدرك أنها لا تستطيع مواجهة واشنطن في حرب تقليدية شاملة، ولذلك ركزت على بناء ترسانة صاروخية ضخمة ومتنوعة ومنتشرة جغرافيًا، مع تطوير تكتيكات الإخفاء والتحريك السريع وإعادة التموضع. هذه العقيدة العسكرية تحديدًا هي ما جعل بعض الخبراء الغربيين يحذرون من أن أي مواجهة طويلة مع إيران قد تتحول إلى أزمة استنزاف حقيقية للقدرات الأمريكية والإسرائيلية معًا.


أزمة الصواريخ الأمريكية بدأت تقلق البنتاجون .

الحديث عن استنزاف المخزون العسكري الأمريكي لم يعد مجرد نقاش داخل مراكز الأبحاث، بل بدأ يظهر بصورة أوضح في تقارير غربية تتناول الضغوط المتزايدة على الصناعات الدفاعية الأمريكية نتيجة الحروب الممتدة والتوترات العالمية المتعددة. فواشنطن تدعم أوكرانيا عسكريًا منذ سنوات، وتحافظ على انتشار عسكري واسع في آسيا والشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه تواجه احتمال الدخول في مواجهة طويلة مع إيران، وكل ذلك يستهلك كميات ضخمة من الذخائر والصواريخ الاعتراضية والهجومية.

تقارير CSIS وRAND Corporation حذرت من أن معدلات الإنتاج الحالية داخل الصناعات العسكرية الأمريكية قد لا تكون كافية لمواكبة سيناريوهات الحروب الطويلة والمتعددة الجبهات. المشكلة هنا لا تتعلق فقط بعدد الصواريخ، بل بسرعة إعادة الإنتاج وكلفة التصنيع وتعقيد التكنولوجيا المستخدمة في أنظمة التسليح الحديثة.

أحد أخطر الجوانب في هذا الملف يتعلق بصواريخ الدفاع الجوي الاعتراضية، مثل أنظمة باتريوت وSM-3 وغيرها من الأنظمة المكلفة للغاية. فالحروب الحديثة كشفت أن التصدي المكثف لهجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة يستهلك أعدادًا هائلة من الذخائر باهظة الثمن خلال فترة قصيرة نسبيًا. وهذا ما جعل بعض المحللين العسكريين يتحدثون عن “معادلة الاستنزاف المعكوس”، حيث تستطيع دول أقل تكلفة عسكريًا إنهاك خصومها عبر موجات متتالية من الصواريخ والطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة نسبيًا.

هنا تظهر إيران كحالة مختلفة ومقلقة بالنسبة للولايات المتحدة. فطهران لا تعتمد فقط على الصواريخ الباليستية التقليدية، بل بنت أيضًا شبكة واسعة من الطائرات المسيّرة والصواريخ متوسطة وقصيرة المدى التي يمكن استخدامها بكثافة في حال اندلاع مواجهة طويلة. وهذا ما يفسر لماذا بدأ بعض مراكز التفكير الأمريكية يتحدث عن أن أي حرب مفتوحة مع إيران لن تكون مجرد حملة جوية سريعة، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الولايات المتحدة على تحمل حرب استنزاف معقدة ومكلفة.


هل تعود الحرب بعد انتهاء زيارة الصين؟

أحد أكثر الأسئلة تداولًا داخل الأوساط السياسية والإعلامية خلال الأيام الأخيرة يتعلق بما إذا كانت واشنطن ستعود إلى التصعيد العسكري ضد إيران فور انتهاء زيارة ترامب إلى الصين. بعض التحليلات ترى أن الإدارة الأمريكية تحاول أولًا اختبار إمكانية التوصل إلى تفاهمات مع بكين قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة من الضغط العسكري، بينما يرى آخرون أن التحركات الدبلوماسية الحالية ليست سوى محاولة لترتيب المشهد الدولي قبل جولة تصعيد أكبر في الشرق الأوسط.

تقارير The Wall Street Journal وAxios تحدثت عن نقاشات داخل الإدارة الأمريكية حول عدة سيناريوهات محتملة إذا فشلت التفاهمات السياسية أو استمرت إيران في توسيع نفوذها الإقليمي والعسكري. السيناريو الأول يتعلق بتوسيع الضربات لتشمل البنية التحتية وقطاع الطاقة داخل إيران، بهدف زيادة الضغط الاقتصادي وإضعاف قدرة طهران على تمويل أنشطتها العسكرية والإقليمية.

لكن هذا السيناريو يحمل مخاطر هائلة، لأن استهداف البنية النفطية والطاقة الإيرانية قد يدفع طهران إلى الرد عبر الخليج ومضيق هرمز، وهو ما قد يؤدي إلى اضطرابات ضخمة في أسواق الطاقة العالمية. ولهذا تخشى واشنطن من أن يتحول أي تصعيد واسع إلى أزمة اقتصادية عالمية جديدة، خصوصًا في ظل هشاشة الاقتصاد الدولي وارتفاع مستويات التضخم والديون في العديد من الدول الكبرى.

السيناريو الثاني الذي تتحدث عنه بعض التحليلات يتعلق بإمكانية تنفيذ عمليات خاصة أو إنزال محدود يستهدف منشآت أو مواد مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني. هذه الفكرة تبدو مغرية لبعض دوائر التشدد داخل إسرائيل والولايات المتحدة، لأنها تمنح صورة “الضربة الحاسمة”، لكنها في الوقت نفسه تحمل مخاطرة عسكرية ضخمة. فإيران ليست ساحة مفتوحة أو ضعيفة أمنيًا، بل دولة تمتلك عمقًا جغرافيًا كبيرًا وأجهزة أمنية وعسكرية معقدة، وأي عملية برية أو خاصة داخل أراضيها قد تتحول بسرعة إلى كارثة استراتيجية إذا فشلت أو تعرضت القوات المهاجمة لخسائر كبيرة.

أما السيناريو الثالث، وهو الأكثر حساسية وخطورة، فيتعلق بالحديث المتزايد داخل بعض الدوائر الإعلامية والتحليلية الأمريكية عن خيار الضربات النووية التكتيكية ضد منشآت شديدة التحصين. وحتى الآن لا توجد أي مؤشرات رسمية تؤكد وجود قرار بهذا الاتجاه، لكن مجرد عودة النقاش حول هذا النوع من السيناريوهات يعكس حجم التوتر والقلق داخل بعض الأوساط الغربية من فشل الخيارات التقليدية في إنهاء البرنامج النووي الإيراني بصورة كاملة.


لماذا يبدو الخيار النووي مرعبًا حتى داخل أمريكا نفسها؟

الحديث عن استخدام سلاح نووي تكتيكي ضد منشآت إيرانية لا يرتبط فقط بالبعد العسكري، بل بزلزال سياسي واستراتيجي قد يغيّر شكل العالم كله. الولايات المتحدة تدرك أن أي استخدام للسلاح النووي، حتى بصورة محدودة، سيعني عمليًا نهاية مرحلة كاملة من قواعد الردع التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية. ولهذا فإن مجرد تداول هذا الخيار داخل الإعلام الأمريكي يعكس حجم المأزق الذي تواجهه بعض دوائر صنع القرار في التعامل مع إيران.

تقارير Bulletin of the Atomic Scientists وCarnegie Endowment حذرت من أن أي تصعيد نووي في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى انهيار منظومة عدم الانتشار النووي عالميًا، لأن دولًا كثيرة ستعتبر أن امتلاك الردع النووي أصبح ضرورة وجودية في عالم لم تعد فيه الضمانات الدولية كافية.

الأخطر أن استخدام هذا النوع من السلاح لن يؤدي فقط إلى أزمة سياسية، بل إلى تداعيات إنسانية وبيئية واقتصادية هائلة. الحديث هنا لا يتعلق بمدينة صغيرة أو هدف معزول، بل بمنطقة حساسة اقتصاديًا وسياسيًا تقع في قلب طرق الطاقة والتجارة العالمية. ولذلك فإن كثيرًا من الخبراء يرون أن مجرد طرح هذا الخيار يعكس حالة قلق استراتيجية داخل بعض الدوائر الغربية أكثر مما يعكس وجود خطة عملية جاهزة للتنفيذ.

تقارير رويترز وول ستريت جورنال.. هل هناك محاولة لتوريط الخليج في الحرب؟

وسط التصعيد الإعلامي والعسكري المتواصل، ظهرت تقارير مثيرة للجدل تحدثت عن مشاركة سرية من دول خليجية في تنفيذ ضربات ضد Iran، وهي التقارير التي أثارت حالة واسعة من الجدل داخل المنطقة، ليس فقط بسبب خطورتها السياسية، بل بسبب توقيتها أيضًا. بعض الروايات التي جرى تداولها عبر تقارير منسوبة إلى Reuters وThe Wall Street Journal تحدثت عن تنفيذ ضربات أو تقديم دعم لوجستي أو معلوماتي في بعض العمليات المرتبطة بالتصعيد الأخير، لكن دون تقديم أدلة حاسمة أو صور أو بيانات رسمية تؤكد هذه المزاعم بصورة مباشرة.

المثير للانتباه هنا ليس فقط مضمون التسريبات، بل توقيت ظهورها. فبحسب الروايات المتداولة، فإن بعض العمليات التي يجري الحديث عنها يُقال إنها حدثت قبل أسابيع، وربما قبل أكثر من شهر، وهو ما يطرح سؤالًا منطقيًا: لماذا تظهر هذه المعلومات الآن تحديدًا؟ ولماذا يجري تسريبها في هذا التوقيت الحساس الذي تتصاعد فيه احتمالات التوسع الإقليمي للحرب؟ هذه الأسئلة جعلت كثيرًا من المحللين يتعاملون مع هذه الروايات بحذر شديد، خصوصًا في ظل غياب الأدلة العلنية الواضحة.

الأهم أن المنطق الاستراتيجي نفسه يجعل هذه الروايات محل شك بالنسبة لكثير من المتابعين. فدول الخليج تدرك جيدًا أن الدخول المباشر في مواجهة مفتوحة مع إيران سيضع منشآتها النفطية والاقتصادية تحت تهديد هائل، خصوصًا بعد التجارب السابقة التي أظهرت قدرة الصواريخ والطائرات المسيّرة على الوصول إلى أهداف حساسة داخل المنطقة. ولذلك يبدو من غير المنطقي بالنسبة للبعض أن تدخل هذه الدول في مغامرة عسكرية مباشرة بينما تستطيع الولايات المتحدة تنفيذ أي ضربات تراها ضرورية عبر قواعدها وقواتها المنتشرة أصلًا في المنطقة.

تقارير Middle East Eye وAl-Monitor ناقشت أيضًا فكرة أن بعض التسريبات قد تكون جزءًا من حرب نفسية أو محاولة لإعادة تشكيل المشهد الإقليمي إعلاميًا وسياسيًا. فمجرد نشر روايات عن مشاركة خليجية في ضربات ضد إيران قد يمنح طهران مبررًا سياسيًا أو إعلاميًا لتوسيع دائرة التهديدات تجاه دول الخليج، حتى لو لم تكن هذه الروايات مثبتة بصورة قاطعة. ولهذا فإن خطورة هذه التسريبات لا تتعلق فقط بصحتها من عدمه، بل بالتأثير السياسي والاستراتيجي الذي قد تتركه على المنطقة بأكملها.


إيران بنت اقتصادًا موازيًا للعقوبات .

واحدة من النقاط التي كثيرًا ما يتم تجاهلها في التحليلات الغربية تتعلق بالطريقة التي استطاعت بها إيران تطوير ما يشبه “اقتصاد العقوبات” خلال السنوات الماضية. فطهران لم تعتمد فقط على الصمود التقليدي أو الخطاب السياسي، بل عملت على بناء شبكات معقدة للالتفاف على العقوبات النفطية والمالية، وهو ما منحها قدرة أكبر على الاستمرار رغم الضغوط الأمريكية الهائلة.

من أهم هذه النقاط ما يتعلق بما يسمى “الاحتياطي النفطي العائم”، حيث تحدثت تقارير عديدة عن استخدام إيران لناقلات تخزين بحرية وممرات تصدير غير مباشرة لبيع النفط بأسعار مخفضة، خصوصًا إلى China. تقارير Reuters وS&P Global Commodity Insights أشارت إلى أن طهران استطاعت الحفاظ على تدفقات نفطية مهمة رغم العقوبات الغربية، مستفيدة من شبكات نقل وإعادة تصدير معقدة يصعب إيقافها بالكامل.

هذا الأمر مهم جدًا لفهم سبب فشل سياسة “الخنق الكامل” التي حاولت واشنطن تطبيقها على إيران خلال السنوات الماضية. فطهران تعلمت تدريجيًا كيف تتكيف مع العقوبات، وكيف تبني شبكات تجارة ومالية موازية، وكيف تستخدم شركاء مثل الصين وروسيا وبعض الأسواق الآسيوية لتخفيف تأثير الحصار الاقتصادي. ولذلك فإن أي رهان أمريكي على انهيار سريع للاقتصاد الإيراني أصبح أكثر تعقيدًا مما كان عليه في السابق.

الأخطر أن إيران لم تكتفِ فقط بالالتفاف الاقتصادي، بل عملت أيضًا على توطين جزء مهم من صناعاتها العسكرية والتكنولوجية، خصوصًا في مجالات الطائرات المسيّرة والصواريخ وبعض الأنظمة الدفاعية. وهذا ما جعلها أقل اعتمادًا على الخارج مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات طويلة، وهو تطور يقلق واشنطن وتل أبيب معًا لأن استمرار هذا المسار يعني أن إيران تتحول تدريجيًا إلى قوة أكثر قدرة على الصمود الذاتي في مواجهة الضغوط والعقوبات.


لماذا تخشى إسرائيل الحرب الطويلة مع إيران؟

رغم الخطاب العسكري الحاد الصادر عن Israel خلال الأشهر الأخيرة، فإن كثيرًا من التحليلات داخل المؤسسات الأمنية الإسرائيلية نفسها تتحدث عن مخاوف حقيقية من الدخول في حرب استنزاف طويلة مع إيران ومحورها الإقليمي. فإسرائيل تمتلك تفوقًا تكنولوجيًا وعسكريًا كبيرًا، لكنها في المقابل تواجه خصمًا يعتمد على استراتيجيات مختلفة تمامًا تقوم على الاستنزاف والانتشار الجغرافي وتعدد الجبهات.

تقارير Haaretz وThe Times of Israel تناولت خلال الفترة الأخيرة النقاشات داخل إسرائيل حول قدرة الجبهة الداخلية على تحمل حرب طويلة تتعرض فيها المدن والبنية التحتية لهجمات صاروخية ومسيّرات بصورة مستمرة. فالتجارب السابقة أظهرت أن الحروب الحديثة لا تُحسم فقط في الجو أو عبر التفوق التقني، بل بقدرة المجتمعات والاقتصادات على تحمل الاستنزاف لفترات طويلة.

إيران تدرك هذه النقطة جيدًا، ولهذا بنت استراتيجيتها الإقليمية على تعدد الجبهات والقدرة على فتح مسارات ضغط مختلفة في وقت واحد، سواء عبر الصواريخ أو الطائرات المسيّرة أو الحلفاء الإقليميين المنتشرين في أكثر من ساحة. ولذلك فإن أي حرب واسعة لن تكون مواجهة مباشرة تقليدية فقط، بل شبكة معقدة من الضغوط المتزامنة التي قد تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط.

الأزمة بالنسبة لإسرائيل أن استمرار هذا النوع من الحروب لفترة طويلة قد يؤدي إلى أضرار اقتصادية وبشرية وسياسية متراكمة، حتى لو استطاعت تحقيق تفوق عسكري ميداني في بعض الجبهات. ولهذا بدأت تظهر داخل إسرائيل نفسها أصوات تحذر من أن الهدف الواقعي لم يعد “القضاء الكامل” على القدرات الإيرانية، بل احتواء التهديد ومنع تحوله إلى تفوق استراتيجي طويل المدى.


العالم يدخل مرحلة “الاستنزاف الكبير” .

إذا كان هناك استنتاج أساسي يمكن الخروج به من كل هذه التطورات، فهو أن العالم يتحرك تدريجيًا نحو مرحلة جديدة تختلف عن شكل الصراعات الذي ساد بعد نهاية الحرب الباردة. الولايات المتحدة ما تزال القوة العسكرية الأكبر عالميًا، لكنها لم تعد قادرة على فرض حسم سريع ومطلق في كل الساحات كما كان يحدث في التسعينيات وبداية الألفية. وفي المقابل، صعدت قوى إقليمية ودولية طورت استراتيجيات تقوم على الاستنزاف الطويل وإرباك الخصم بدلًا من المواجهة التقليدية المباشرة.

الحرب في أوكرانيا، والتوتر مع الصين، والتصعيد مع إيران، والأزمات المتتالية في سلاسل الطاقة والتجارة العالمية كلها تكشف أن العالم دخل بالفعل مرحلة “التوازن عبر الإنهاك”. لم يعد الانتصار يعني تدمير الخصم بالكامل، بل القدرة على الصمود لفترة أطول وتحمل الكلفة الاقتصادية والسياسية والعسكرية بصورة أفضل.

ولهذا فإن أخطر ما في التصعيد الحالي لا يتعلق فقط بإيران أو إسرائيل أو حتى الصين، بل بإمكانية أن يتحول العالم كله إلى ساحة صراعات مفتوحة منخفضة الحسم وعالية التكلفة في الوقت نفسه. فكل طرف بات يمتلك أدوات لإيلام الآخر، لكن لا أحد يملك القدرة الكاملة على إنهاء الصراع بصورة حاسمة دون دفع أثمان ضخمة قد تهدد استقرار النظام الدولي كله.

وفي قلب هذه المعادلة تقف زيارة ترامب إلى الصين باعتبارها محاولة لإعادة ضبط التوازنات قبل أن تنفجر المنطقة بصورة أوسع. لكن المشكلة أن حجم التعقيد الحالي قد يكون أكبر من قدرة أي صفقة سياسية مؤقتة على احتوائه بالكامل، خصوصًا مع استمرار التوترات العسكرية، وتصاعد سباقات التسلح، وتراجع الثقة بين القوى الكبرى بصورة غير مسبوقة منذ سنوات طويلة. 

يتبع الجزء الثالث ........

إقرأ أيضا :

إرسال تعليق

أحدث أقدم